اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

تأليف حسن علي النجار

1445ه \ 2023 م

 

***

 

 

 

 

 

 

 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

تأليف حسن علي النجار

1445 ه \ 2023 م

***

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف حسن علي النجار

Copyright © 2023/1445

طبع في الولايات المتحدة الأميركية:

P.O. Box 2401, Alpharetta, GA 30023, USA

sales@ccun.org

كلمات للبحث:

اللهُ ، الأسماءُ الحُسنى ، صفاتُ اللهِ ، الغرضُ مِنَ الْخَلْقِ ، الملائكةُ ، الجنُّ ، الإنسُ ، اليومُ الآخِرُ.

Allah, His Good Names, Who Is He? What Does He Want for Humans (in Arabic)

Copyright © 2023 by Hassan Ali El-Najjar. All rights reserved.

Printed in the United States of America. No part of this publication may be reproduced, translated, or transmitted in any form or by any means, electronic or mechanical, including photocopy, recording, or any information storage and retrieval system, without permission in writing from the publisher.

Published in the United States of America by the author.

P.O. Box 2401, Alpharetta, GA 30023, USA

sales@ccun.org

ISBN: 978-1-7923-4541-8 

Keywords:

Allah, traits of God, Good Names of Allah, purpose of creation, Godhood, angels, jinn, humans, the hereafter.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اللهُ

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

"هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"

(غَافِرُ ، 40: 65)

***

اللهُ ، الرَّحْمَـٰنُ ، الرَّحِيمُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّسُ ، السَّلامُ ، الْمُؤمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْخَالِقُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، الغَافِرُ ، الْقَاهِرُ ، الْوَهَّابُ ، الرَّزَّاقُ ، الْفَتَّاحُ ، الْعَلِيمُ ، الْمُحِيطُ ، السَّمِيعُ ، الْبَصِيرُ ، الْحَكِيمُ ، اللَّطِيفُ ، الْخَبِيرُ ، الْحَلِيمُ ، الشَّكُورُ ، الْعَلِيُّ ، الْكَبِيرُ ، الْعَظِيمُ ، الْحَفِيظُ ، الْمُقِيتُ ، الْحَسِيبُ ، الْكَرِيمُ ، الرَّقِيبُ ، الْقَرِيبُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَدُودُ ، الْحَمِيدُ ، الْمَجِيدُ ، الشَّهِيدُ ، الْحَقُّ ، الْمُبِينُ ، الْوَكِيلُ ، الْكَفِي ، الْقَوِيُّ ، الْمَتِينُ ، الْمُسْتَعَانُ ، الْوَلِيُّ ، النَّصِيرُ ، خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، الْهَادِيُ ، الْحَيُّ ، مُحْيِيُ الْمَوْتَى ، مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيْيِّ ، الْقَيُّومُ ، الأحْدُ ، الصَّمَدُ ، غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، الْقَدِيرُ ، نِعْمَ الْقَادِرُونَ ، نِعْمَ الْمَاهِدونَ ، الأوَّلُ ، الآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْبَاطِنُ ، الْبَرُّ ، التَّوَّابُ ، الْعَفُوُّ ، الرَّؤُوفُ ، الْغَنِيُّ ، نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ ، الْوَارِثُ ، خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ، فَالِقُ الإصْبَاحِ ، فَالِقُ الْحَبَّ وَالنَّوَى ، شَدِيدُ الْمِحَالِ ، شَدِيدُ الْعِقَابِ ، شَدِيدُ الْعَذَابِ ، ذُو انْتِقَامٍ ، أهْلُ التَّقْوَى ، ذُو الْفَضْلِ ، ذُو الطَّوْلِ ، ذُو الْمَعَارِجِ ، ذُو الْجَلالِ والإكْرَامِ ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، رَبُّ الْعَرْشِ ، رَبُّ الْعِزَّةِ ، رَبُّ الشِّعْرَى ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، رَبُّ الْمَشَارِقِ والْمَغَارِبِ ، رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، رَبُّ النَّاسِ ، رَبُّ الْعَالَمِينَ.

***


 تَعْرِيفٌ بِالْمُؤَلِّفِ

 

مؤلفُ هذا الكتابِ هو حسن علي النجار جوده الهاروني. واسمه كاملاً هو حسن علي حسن أحمد محمد عبدالهادي (النجار) محمد جوده الهاروني. وقد هاجرَ جدُّهُ السادسِ ، جوده ، من منطقةِ عربِ وادي فاطمةَ ، بالقربِ من مكةَ المكرمةِ ، إلى فلسطينَ ، في القرنِ الحادي عشر الهجري ، أي السابعِ عشر الميلادي. واستقر في قريةِ اسدود ، وهي في أصولِها أشدود الكنعانية ، والتي استوطنها الفلسطينيونَ فيما بعد.

وقد وُلد المؤلفُ في غزةَ ، فلسطين ، في عامِ 1369 للهجرةِ ، الموافقُ لعامِ 1950 للميلاد ، وتلَقى السنواتِ الإحدى عشرةَ الأولى من تعليمهِ في مدارسِ دير البلح ، بقطاعِ غزة ، ثم حصلَ على شهادةِ الثانويةِ العامةِ من مدرسةِ رَغَدَانِ ، بالأردن ، عام 1968. والتحقَ بعد ذلك بكليةِ التربيةِ ، بجامعةِ عينِ شمسِ المصريةِ ، وحصلَ منها على بكالوريوس الآدابِ في تدريسِ اللغةِ الإنكليزيةِ ، في عامِ 1972. ثم عمِلَ مدرِّساً وصحافياً في طرابلس ، ليبيا ، حتى نوفمبر 1976. وانتقلَ وعائلتُهُ إلى الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ ، حيث عملَ مدرساً في رأسِ الخيمةِ ، حتى عامِ 1986. وقد هاجرَ مع عائلتِهِ في ذلك العامِ إلى الولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ ، حيثُ التحقَ بجامعةِ جورجيا ، وحصلِ منها على الماجستير في علمِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا الثقافية) عامِ 1988 وعلى الدكتوراه في علمِ الاجتماعِ في عامِ 1993. ومنذُ عامِ 1991 ، وحتى عام 2020 ، عمِلَ بالتدريسِ في كليةِ دَلتُن التابعةِ لنظامِ جامعةِ جورجيا. 

وقد كتبَ المؤلفُ هذا الكتابِ باللغةِ الإنكليزيةِ أيضاً بعنوانِ:

Allah and His Good Names: Who Is He? What Does He Want for Humanity? As He Described Himself in the Holy Quran

 

حسن علي النجار

أطلنطا ، جورجيا ، الولاياتُ المتحدةُ الأميركيةُ ، في الثامن من ربيع الثاني 1444 هجرية ، الموافقُ للثالث والعشرينَ من أكتوبر \ تشرين الأول 2023 ميلادية.


 

تَعْرِيفٌ بِكُتِبِ الْمُؤلِفِ عَنْ الإسْلَامِ

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النَّحْلُ ، 16: 125).

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فُصِّلَتْ ، 41: 33).

وقال عليه الصلاة والسلام: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً" (الْبُخَاَرِيُّ: 3461)

هذا العملُ يقدمُ الإسلامَ على أنه رسالةُ اللهِ لهدايةِ البشريةِ ، من خلال رؤيةٍ علميةٍ لمجموعةٍ من الموضوعاتِ العصريةِ المترابطة. وبالإضافةِ إلى ذلك ، فهو يُعطي القراءَ بعضَ المعلوماتِ الأساسيةِ عن دينِ اللهِ الحنيفِ ، كما أنه يحاولُ الإجابةَ على بعضِ الأسئلةِ الجوهريةِ عن الوجودِ الإنساني ، والغرضِ منه. والنيةُ أن يكونَ مصدراً للتعريفِ بالإسلامِ ، ليس فقط للقارئِ العاديِ ، وإنما أيضاً للدُعاةِ والإعلاميينَ والمربينَ والباحثينَ ، مسلمينَ وغيرِ مسلمين ، على حدٍ سُواء.

وتمثلُ آياتُ القرآنِ الكريمِ المرجعَ الأساسَ لمختلفِ الموضوعاتِ التي تُنَاقِشُها كُتُبُ هذا المؤلِّفِ ، يلي ذلكَ الحديثُ الشريفُ ، ثم ما أوردَهُ أشهرُ المفسرينَ ، خاصةُ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ ، الذينَ ذكروا في تفاسيرِهم أحاديثَ الرسولِ ، عليه الصلاةُ والسلامُ ، وآراءَ الصحابةِ ، رضوانُ اللهِ عليهِم ، بالإضافةِ إلى آرائِهِم وترجيحاتِهم. ويتبعُ ذلكَ ، خاصةً في الكتابينِ الأوليينِ ، تفسيرُ الآياتِ الكريمةِ بما تم اكتشافُهُ في العلومِ الاجتماعيةِ والطبيعيةِ ، بما في ذلكَ علومِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) والاجتماعِ والأحياءِ والفلكِ ، لتبيانِ الإعجازِ العلميِ لكتابِ اللهِ ، لتثبيتِ المؤمنينَ على إيمانِهِم ، ولدعوةِ غيرِهِم للإيمانِ بربِّ العالمينَ وبرسالتهِ للبشرية. 

وينقسمُ هذا العملُ إلى سبعةِ أجزاءٍ ، أي كُتُبٍ مُتَّصِلَةٍ. يضمُّ الكتابُ الأولُ منها (الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ) عشرةَ فصولٍ ، تتناولُ مصادرَ التعريفِ بالإسلامِ ومستوياتِ العقيدةِ الثلاثِ: الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ ، والإثباتَ العلميَّ لوجودِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، وأنَّ القرآنَ الكريمَ هو رسالتُه لهدايةِ البشريةِ. ويلي ذلك بحثٌ في الخَلقِ والتطورِ ، بما في ذلك كيفَ بدأتْ الحياةُ على الأرضِ ، وكيفَ تطورتْ ، مع تدخلِ الخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، في مسارِها. ويبحثُ هذا الجزءُ أيضاً في تكريمِ اللهِ للإنسانِ ، عندما شاءَ أن يجعلَهُ خليفتَهُ في حكمِ الأرضِ ، وما تلا ذلك من استغرابِ الملائكةِ ، وفوزِ آدمَ عليهِم ، ثم خروجِه من الجنةِ. ويلي ذلك مناقشةٌ لمسألةِ ما إذا كان الإنسانُ حراً في اختيارِهِ ، بالإيمانِ بخالقِهِ أو بالكفرِ به. وتبحثُ الفصولُ الثلاثةُ الأخيرةُ من الكتابِ الأولِ في علاقةِ النواحي الروحيةِ بالنواحي الحسيةِ في التعاليمِ الإسلاميةِ ، وفي العلاقةِ ما بينَ الروحِ والعقلِ والنفسِ والسعادةِ ، وأخيراً في العلاقةِ بينَ العقلِ والقلبِ (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نُسَخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلف:www.ccun.org   و www.aljazeerah.info).

أما الكتابُ الثاني (الأرْكَانُ الْخَمْسَةُ لِلإِسْلامِ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِلْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ) فهوَ عَنِ العباداتِ الخمسِ الرئيسةِ في الإٌسلامِ ، ويضمُّ خمسةَ فصولٍ تتناولُ الشهادتينِ ، والصلاةَ ، والزكاةَ ، والصومَ ، وتنتهي بفصلٍ عنِ الحَجِّ. ويهدفُ هذا الكتابُ إلى إعطاءِ معلوماتٍ عن هذه العباداتِ الإسلاميةِ ، وتبيانِ الهدفِ منها ، وفوائدَ كلٍّ منها للفردِ والجماعةِ والمجتمعِ ، وذلكَ كلهِ استناداً إلى آيِّ الذكرِ الحكيمِ والسُّنةِ المشرفة (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نُسَخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلف المذكورَيْنِ أعلاهُ).

وتبحثُ الأجزاءُ (الْكُتُبُ) الثلاثةُ التاليةُ في المستوى الثاني من العقيدةِ الإسلاميةِ ، ألا وهو الإيمان. فيختصُّ الكتابُ الثالِثُ (اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَأسْمَاؤهُ الْحُسْنَى ، مَنْ هُوَ؟ وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟) بالتعريفِ باللهِ ، تباركَ وتعالى ، مِن خلالِ صفاتِهِ وأسمائهِ الْحُسْنَى ، التي ذكرها لنا في القرآنِ الكريم ، كما يتضمنُ الحكمةَ مِنْ خلقِ الإنسانِ على الأرضِ (وقد تمَّ نشرُهُ ، بحمدِ اللهِ ، على شبكةِ أمازون ، للحصولِ على نسخٍ ورقيةٍ منهُ. كما يُمكنُ قراءَتُهُ وتنزيلُهُ مجاناً ، على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

ويتألفُ الكتابُ الرابعُ (رُسُلُ اللهِ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ خَلْقِهِ) مِنْ سبعةِ فصولٍ ، وهوَ عَنْ رُسُلِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لخلقِهِ مِنْ جِنٍّ وإنسٍ. ويبدأُ بفصلٍ عنْ الملائكةِ ، وهم رُسُلُ اللهِ وعِبَادُهُ الِمُكْرَمُونَ. كما أنَّ هناكَ خمسةَ فصولٍ عن أُولي العزمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وهم نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ ، عليهِم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعينَ. وهناكَ فصلٌ سابعٌ عنْ الإسراءِ والمعراجِ ، التي أكرمَ بها اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، خاتَمَ رُسُلِهِ برحلةٍ عظيمةِ إلى السماواتِ العُلى. وهي أيضاً معجزةٌ عِلميةٌ تبشرُ الإنسَ وتدعوهم للنفاذِ إلى أقطارِ السماواتِ والأرضِ (ولم يَتُم نشرُهُ ورقياً بعدُ ، على شبكةِ أمازون. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ منه ، وتنزيلُهُا مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

ويتناولُ الكتابُ الخامسُ (الْقَدَرُ والْقَضَاءُ وَالْيَوْمُ الآخِرُ) استكمالاً للمستوى الثاني مِنَ العقيدةِ الإسلاميةِ ، أي الإيمانِ ، وذلكَ في ثلاثةِ فصولٍ ، عنْ أماراتِ الساعةِ ، واليومِ الآخِرِ ، والقدرِ والقضاءِ (ولم يَتُم نشرُهُ ورقياً بعدُ ، على شبكةِ أمازون. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ منْ فصلي اليومِ الآخِرِ ، والقدرِ والقضاءِ ، وتنزيلُهُما مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).

وبالنسبةِ للمستوى الثالثِ للعقيدةِ الإسلاميةِ ، وهو الإحسانُ ، فإنه سَيَتِمُّ تناوُلَهُ ، بمشيئةِ اللهِ ، في كتابينِ. يَتَضَمَّنُ الأولُ منهما (مَدْخَلٌ إِلَى الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَةِ: أوَامِرُ التَّحْرِيمِ والنَّهْيِّ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ) ما نهى عنهُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، وما حَرَّمَهُ. ويتضمنُ الثاني "أوَامِرَ اللهِ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ" (ولم يكتملْ هذانِ الكتابانِ بعدُ. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ للأولِ منهُما وتنزيلُهُ مجاناً على موقعي المؤلفِ المذكورَيْنِ أعلاهُ).


 

مُحْتَوَيَاتُ الْكِتَابِ

***

مُقَدِّمَةٌ ........................................................................................................... 001

الْفَصْلُ الأوَّلُ: الصِّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ لِلهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، دُونَ تَشْبِيه .......................................... 002

الْفَصْلُ الثَّانِي: لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ ،  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، الْإنْسَانَ عَلَى الْأرْضِ؟ .................................. 006

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: الْخَلْفِيَّةُ الْبَحْثِيَّةُ لِلْقَائِمَةِ الْمُطَوَّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ......................................... 011

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ، كَمَا ذُكِرَتْ مُبَاشَرَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ............... 017 

الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَسْمَاءُ الْأفْعَالِ ، وَالْمَمَادِحُ السَّلْبِيَّةُ ، والصِّفَاتُ الْمُسْتَنْبَطَة ................................ 226

 الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ الْتَي تَتَضَمَّنُ 151 اسْمَاً مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ............................................ 237

 الْقَائِمَةُ الْمُصَغَّرَةُ الْتَي تَتَضَمَّنُ 99 اسْمَاً مِنْ أسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ............................................ 238

الْمُلاحَظَاتُ الاسْتِطْرَادِيَّةُ وَالتَوْثيِقِيَّةُ .................................................................... 239-289

***

الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى ، حَسْبَ وُرُودِهَا فِي الْكِتَابِ:

1.    اللهُ ......................................................................................... 018  

2.    إلَهُ ......................................................................................... 019

3.    إِلَٰهُ النَّاسِ .................................................................................. 020

4.    الرَّحْمَـٰنُ .................................................................................. 022

5.    الرَّحِيمُ .................................................................................... 025

6.    أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ........................................................................... 026

7.    خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .............................................................................027

8.    ذُو الرَّحْمَةِ ................................................................................ 029

9.    الْمَلِكُ ...................................................................................... 030

10.  الْمَلِيكُ .................................................................................... 032

11.  مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ .......................................................................... 032

12.  مَالِكُ الْمُلْكِ .............................................................................. 034

13.  الْقُدُّوسُ .................................................................................. 035

14.  السَّلَامُ ................................................................................... 036

15.  الْمُؤْمِنُ .................................................................................. 038

16.  الْمُهَيْمِنُ .................................................................................. 039

17.  الْعَزِيزُ ................................................................................... 040

18.  الْجَبَّارُ ................................................................................... 042

19.  الْمُتَكَبِّرُ .................................................................................. 043

20.  الْخَالِقُ ................................................................................... 044

21.  الْخَلَّاقُ ................................................................................... 046

22.  أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ...........................................................................047

23.  الْبَارِئُ ................................................................................... 048

24.  بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ............................................................... 050

25.  فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ...............................................................051

26.  الْمُصَوِّرُ ................................................................................. 052

27.  غَافِرُ الذَّنْبِ .............................................................................. 054

28.  الْغَفُور ................................................................................... 056

29.  الْغَفَّارُ .................................................................................... 057

30.  خَيْرُ الْغَافِرِينَ ........................................................................... 058

31.  ذُو المَغْفِرَةٍ .............................................................................. 059

32.  وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ........................................................................... 060

33.  أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ............................................................................. 061

34.  أَهْلُ التَّقْوَىٰ .............................................................................. 062

35.  الْقَاهِرُ .................................................................................... 065

36.  الْقَهَّارُ .................................................................................... 066

37.  الْوَهَّابُ .................................................................................. 067

38.  الرَّزَّاقُ .................................................................................. 068

39.  خَيْرُ الرَّازِقِينَ ........................................................................... 070

40.  الْفَتَّاحُ .................................................................................... 071

41.  خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ............................................................................ 073

42.  الْعَلِيمُ .................................................................................... 074

43.  عَالِمُ الْغَيْبِ .............................................................................. 076

44.  عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ .................................................................... 077

45.  عَلَّامُ الْغُيُوبِ ............................................................................ 078

46.  وَاسِعٌ عَلِيمٌ ............................................................................... 079

47.  الْمُحِيطُ .................................................................................. 080

48.  السَّمِيعُ ................................................................................... 082

49.  الْبَصِيرُ .................................................................................. 084

50.  الْحَكِيمُ ................................................................................... 085

51.  خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ........................................................................... 087

52.  أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ .......................................................................... 088

53.  واسعٌ حكيمٌ .............................................................................. 089

54.  اللَّطِيفُ .................................................................................. 090

55.  الْخَبِيرُ ................................................................................... 092

56.  الْحَلِيمُ .................................................................................... 094

57.  الشَاكِرُ ................................................................................... 095

58.  الشَكُورُ .................................................................................. 096

59.  الْعَلِيُّ .................................................................................... 097

60.  الْمُتَعَالُ .................................................................................. 099

61.  الأعْلَى ................................................................................... 100

62.  الْكَبِيرُ .................................................................................... 101

63.  العَظِيمُ ................................................................................... 103

64.  الحَافِظُ ................................................................................... 105

65.  الحَفِيظُ ................................................................................... 106

66.  المُّقِيتُ ................................................................................... 107

67.  الحَسِيبُ ................................................................................. 108

68.  سَرِيعُ الْحِسَابِ .......................................................................... 109

69.  أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ......................................................................... 111

70.  الْكَرِيمُ ................................................................................... 111

71.  الْأكْرَمُ ................................................................................... 113

72.  الرَّقِيبُ ................................................................................... 113

73.  القَرِيبُ ................................................................................... 114

74.  المُّجِيبُ .................................................................................. 116

75.  نِعْمَ الْمُجِيبُونَ ............................................................................ 118

76.  الْوَدُودُ ................................................................................... 119

77.  الْحَمِيدُ ................................................................................... 120

78.  الْمَجِيدُ ................................................................................... 122

79.  الشَهِيدُ ................................................................................... 123

80.  الْحَقُّ ..................................................................................... 125

81.  الْمُبِينُ .................................................................................... 126

82.  الْوَكِيلُ ................................................................................... 128

83.  نِعْمَ الْوَكِيلِ .............................................................................. 130

84.  الْكَافِي ................................................................................... 130

85.  الْقَوِيُّ .................................................................................... 132

86.  ذُو الْقُوَّةِ ................................................................................. 134

87.  الْمَتِينُ .................................................................................... 134

88.  الْمُسْتَعَانُ ................................................................................ 135

89.  الْوَلِيُّ .................................................................................... 136

90.  المَوْلَى ................................................................................... 137

91.  نِعْمَ المَوْلَى .............................................................................. 139

92.  النَّصِيرُ .................................................................................. 140

93.  نِعْمَ النَّصِيرُ .............................................................................. 140

94.  خَيْرُ النَّاصِرِينَ .......................................................................... 141

95.  خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ........................................................................... 142

96.  خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ........................................................................... 143

97.  الْهَادِي ................................................................................... 144

98.  الْحَيُّ ..................................................................................... 145

99.  مُحْيِي الْمَوْتَى ........................................................................... 149

100.                     مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ......................................................... 149

101.                     الْقَيُّومُ ............................................................................ 150

102.                     الْوَاحِدُ ........................................................................... 151

103.                     الْأَحَدُ ............................................................................ 153

104.                     الصَّمَدُ ........................................................................... 154

105.                     غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ................................................................ 155

106.                     فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ................................................................... 156

107.                     الْقَادِرُ ............................................................................ 157

108.                     القَدِيرُ ............................................................................ 158

109.                     المُّقْتَدِرُ .......................................................................... 160

110.                     نِعْمَ الْقادِرُونَ .................................................................... 161

111.                     نِعْمَ الْمَاهِدونَ .................................................................... 162

112.                     الْأَوَّلُ ............................................................................ 163

113.                     الْآخِرُ ............................................................................ 165

114.                     الظَّاهِرُ .......................................................................... 165

115.                     الْبَاطِنُ ........................................................................... 166

116.                     الْبَرُّ .............................................................................. 167

117.                     التَّوَّابُ ........................................................................... 169

118.                     قَابِلُ التَّوْبِ ...................................................................... 170

119.                     الْعَفُوّ ............................................................................. 172

120.                     الرَؤوفُ ......................................................................... 174

121.                     الْغَنِيُّ ............................................................................ 175

122.                     نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ....................................................... 178

123.                     الْوَارِثُ .......................................................................... 182

124.                     خَيْرُ الْوَارِثِينَ ................................................................... 184

125.                     خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ................................................................... 185

126.                     فَالِقُ الْإصْبَاحِ ................................................................... 186

127.                     فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ .............................................................. 187

128.                     شَدِيدُ الْمِحَالِ .................................................................... 189

129.                     شَدِيدُ الْعِقَابِ .................................................................... 191

130.                     شَدِيدُ الْعَذَابِ .................................................................... 192

131.                     ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ................................................................... 194

132.                     ذُو انتِقَامٍ ......................................................................... 195

133.                     ذُو الْفَضْلِ ....................................................................... 196

134.                     ذُو الطَّوْلِ ....................................................................... 198

135.                     ذُو الْمَعَارِجِ ..................................................................... 199

136.                     ذُو الْعَرْشِ ...................................................................... 200

137.                     ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ............................................................ 202

138.                     رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ .................................................................. 203

139.                     الرَبُّ ............................................................................ 204

140.                     رَبُّ الْعَرْشِ ..................................................................... 206

141.                     رَبُّ الْعِزَّةِ ....................................................................... 207

142.                     رَبُّ الشِّعْرَى .................................................................... 208

143.                     رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ....................................................... 211

144.                     رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ........................................... 212

145.                     رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ......................................................... 214

146.                     رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ................................................. 216

147.                     رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ....................................................... 217

148.                     رَبُّ الْفَلَقِ ....................................................................... 219

149.                     رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ................................................................... 220

150.                     رَبُّ النَّاسِ ....................................................................... 221

151.                      رَبُّ الْعَالَمِينَ .................................................................... 223

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التَّرْتِيبُ الأبْجَدِيُّ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْكِتَابِ

***  

مُلاحَظَةٌ 1: لا تُوجَدُ أسْمَاءٌ فِي هَذِهِ الْقَائمَةِ تبدأ بِالْحُرُوفِ: ث ، د ، ز ، ض ، ط ، ي

مُلاحَظَةٌ 2: تَمَّ تَكْرَارُ الأسماءِ التي تبدأُ بِ: ذُو ، وَخَيْرُ ، وَ نِعْمَ ، و وَاسِعُ.

مُلاحَظَةٌ 3: ص: صفحة ، ر: رقم

*** 

أَ

الْأَحَدُ: ص 153 ، ر 103

الْآخِرُ: ص 165 ، ر 113

اللهُ: ص 18 ، ر 1

إلَهُ: ص 19 ، ر 2

إِلَٰهُ النَّاسِ: ص 30 ، ر 3

الْأَوَّلُ: ص 163 ، ر 112

ب

الْبَارِئُ: ص 48 ، ر 23

الْبَاطِنُ: ص 166 ، ر 115

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ والأرضِ: ص 50 ، ر 24

الْبَرُّ: ص 167 ، ر 116

الْبَصِيرُ: ص 84 ، ر 49

ت

أَهْلُ التَّقْوَىٰ: ص 62 ، ر 34

التَّوَّابُ: ص 169 ، ر 117

قَابِلُ التَّوْبِ: ص 170 ، ر 118

ج

 

الْجَبَّارُ: ص 42 ، ر 18

ح

 

الحَافِظُ: ص 105 ، ر 64

 

الحَفِيظُ: ص 106 ، ر 65

الحَسِيبُ: ص 108 ، ر 67

سَرِيعُ الْحِسَابِ: ص 109 ، ر 68

أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ: ص 111 ، ر 69

الْحَقُّ: ص 125 ، ر 80

الْحَكِيمُ: ص 85 ، ر 50

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: ص 87 ، ر 51

أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ: ص 88 ، ر 52

الْحَلِيمُ: ص 94 ، ر 56

الْحَمِيدُ: ص 123 ، ر 77

الْحَيُّ: ص 145 ، ر 98

خ

 

الْخَالِقُ: ص 44 ، ر 20

الْخَلَّاقُ: ص 46 ، ر 21

أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ص 47 ، ر 22

الْخَبِيرُ: ص 92 ، ر 54

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: ص 27 ، ر 7 

خَيْرُ الْغَافِرِينَ: ص 58 ، ر 30

خَيْرُ الرَّازِقِينَ: ص 70 ، ر 39

خَيْرُ الْفَاتِحِينَ: ص 73 ، ر 41

خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: ص 87 ، ر 51

خَيْرُ النَّاصِرِينَ: ص 141 ، ر 94

خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: ص 142 ، ر 95

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ: ص 143 ، ر 96

خَيْرُ الْوَارِثِينَ: ص 184 ، ر 124

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: ص 185 ، ر 125

ذ

ذُو الرَّحْمَةِ: ص 29 ، ر 8

ذُو الْمَغْفِرَةِ: ص 59 ، ر 31

ذُو الْقُوَّةِ: ص 134 ، ر 86

 

ذُو انتِقَامٍ: ص 195 ، ر 132

ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ: ص 202 ، ر 137

ذُو الطَّوْلِ: ص 198 ، ر 134

ذُو الْعَرْشِ: ص 200 ، ر 136

ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ: ص 194 ، ر 131

ذُو الْفَضْلِ: ص 196 ، ر 133

ذُو الْمَعَارِجِ: ص 199 ، ر 135

ر

الرَبُّ: ص 204 ، ر 139

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ص 211 ، ر 143

رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: ص 212 ، ر 144

رَبُّ الشِّعْرَى: ص 208 ، ر 142

رَبُّ الْعَالَمِينَ: ص 223 ، ر 151

رَبُّ الْعَرْشِ: ص 206 ، ر 140

رَبُّ الْعِزَّةِ: ص 207 ، ر 141

رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ: ص 220 ، ر 149

رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ: ص 214 ، ر 145

رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ: ص 216 ، ر 146

رَبُّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ: ص 217 ، ر 147

رَبُّ النَّاسِ: ص 221 ، ر 150

الرَؤوفُ: ص 174 ، ر 120

الرَّحْمَـٰنُ: ص 22 ، ر 4

الرَّحِيمُ: ص 25 ، ر 5

أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: ص 26 ، ر 6

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: ص 27 ، ر 7

ذُو الرَّحْمَةِ: ص 29 ، ر 8

الرَّزَّاقُ: ص 68 ، ر 38

خَيْرُ الرَّازِقِينَ: ص 70 ، ر 39

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ: ص 203 ، ر 138

الرَّقِيبُ: ص 113 ، ر 72  

س

السَّلَامُ: ص 36 ، ر 14

 

السَّمِيعُ: ص 82 ، ر 48

ش

الشَاكِرُ: ص 95 ، ر 57

الشَكُورُ: ص 96 ، ر 58

شَدِيدُ الْعَذَابِ: ص 192 ، ر 130

شَدِيدُ الْعِقَابِ: ص 191 ، ر 129

شَدِيدُ الْمِحَالِ: ص 189، ر 128

الشَهِيدُ: ص 123 ، ر 79

ص

الصَّمَدُ: ص 154 ، ر 104    

ظ

الظَّاهِرُ: ص 165 ، ر 114

ع

 

الْعَزِيزُ: ص 40 ، ر 17

العَظِيمُ: ص 103 ، ر 63

الْعَفُوّ: ص 172 ، ر 119

الْعَلِيمُ: ص 74 ، ر 42

عَالِمُ الْغَيْبِ: ص 76 ، ر 43

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ: ص 77 ، ر 44

عَلَّامُ الْغُيُوبِ: ص 78 ، ر 45

وَاسِعُ عَلِيمٌ: ص 79 ، ر 46

الْعَلِيُّ: ص 97 ، ر 59

الْمُتَعَالُ: ص 99 ، ر 60

الأعْلَى: ص 100 ، ر 61

غ

 

غَافِرُ الذَّنْبِ: ص 54 ، ر 27

الْغَفُور: ص 56 ، ر 28

الْغَفَّارُ: ص 57 ، ر 29

 

خَيْرُ الْغَافِرِينَ: ص 58 ، ر 30

ذُو المَغْفِرَةٍ: ص 59 ، ر 31

وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ: ص 60 ، ر 32

أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ: ص 61 ، ر 33

غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ: ص 155 ، ر 105

الْغَنِيُّ: ص 175 ، ر 121

ف

خَيْرُ الْفَاصِلِينَ: ص 143 ، ر 95

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ: ص 51 ، ر 25

فَالِقُ الْإصْبَاحِ: ص 186 ، ر 126

فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ: ص 187، ر 127

الْفَتَّاحُ: ص 71 ، ر 40

خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ص 73 ، ر 41

فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ: ص 156 ، ر 106

ق

الْقَادِرُ: ص 157 ، ر 107

القَدِيرُ: ص 158 ، ر 108

المُّقْتَدِرُ: ص 160 ، ر 109

نِعْمَ الْقادِرُونَ: ص 161 ، ر 110

الْقَاهِرُ: ص 65 ، ر 35

الْقَهَّارُ: ص 66 ، ر 36

الْقُدُّوسُ: ص 35 ، ر 13

القَرِيبُ ص 114 ، ر 73

الْقَوِيُّ: ص 132 ، ر 85

ذُو الْقُوَّةِ: ص 134 ، ر 86

الْقَيُّومُ: ص 150 ، ر 101

ك

الْكَافِي: ص 130 ، ر 84

الْكَبِيرُ: ص 101 ، ر 62

الْكَرِيمُ: ص 111 ، ر 70

الْأكْرَمُ: ص 113 ، ر 71 

ل

اللَّطِيفُ: ص 90 ، ر 54  

م

 

خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: ص 142 ، ر 95

نِعْمَ الْمَاهِدونَ: ص 162 ، ر 110

الْمُبِينُ: ص 126 ، ر 81

الْمُتَكَبِّرُ: ص 43 ، ر 19

الْمَتِينُ: ص 134 ، ر 87

الْمَجِيدُ: ص 122 ، ر 78

المُّجِيبُ: ص 116 ، ر 74

نِعْمَ الْمُجِيبُونَ: ص 118 ، ر 75

الْمُحِيطُ: ص 80 ، ر 47

مُحْيِي الْمَوْتَى: ص 149 ، ر 99

مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ: ص 149 ، ر 100

الْمُصَوِّرُ: ص 52 ، ر 26

الْمُسْتَعَانُ: ص 134 ، ر 88

المُّقِيتُ: ص 107 ، ر 66

الْمَلِكُ: ص 30 ، ر 9

الْمَلِيكُ: ص 32 ، ر 10

مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ: ص 32 ، ر 11

مَالِكُ الْمُلْكِ: ص 34 ، ر 12

الْمُهَيْمِنُ: ص 39 ، ر 16

خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: ص 185، ر 125

الْمُؤْمِنُ: ص 38 ، ر 15

المَوْلَى: ص 137 ، ر 90

نِعْمَ المَوْلَى: ص 139 ، ر 91

ن

النَّصِيرُ: ص 140 ، ر 92

خَيْرُ النَّاصِرِينَ: ص 141 ، ر 94

نُورُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ: ص 178 ، ر 122

 

نِعْمَ الْمُجِيبُونَ: ص 118 ، ر 75

نِعْمَ الْوَكِيلِ: ص 130 ، ر 83

نِعْمَ الْمَوْلَى: ص 139 ، ر 91

نِعْمَ الْمَاهِدُونَ: ص 162 ، ر 111

نِعْمَ النَّصِيرُ: ص 140 ، ر 93

ه

الْهَادِي: ص 144 ، ر 97

و

 

الْوَاحِدُ: ص 151 ، ر 102

الْوَارِثُ : ص 182 ، ر 123

خَيْرُ الْوَارِثِينَ: ص 184 ، ر 124

الْوَدُودُ: ص 119 ، ر 76

الْوَكِيلُ: ص 128 ، ر 82

نِعْمَ الْوَكِيلِ: ص 130 ، ر 83

الْوَلِيُّ: ص 136 ، ر 89

الْوَهَّابُ: ص 67 ، ر 37

وَاسِعٌ حَكِيمٌ: ص 89 ، ر 53

وَاسِعٌ عَلِيمٌ: ص 79 ، ر 46

وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ: ص 60 ، ر 32


مُقَدِّمَةٌ

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

أمرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المسلمينَ بالاستعاذةِ ، أيْ بقولِ: "أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ، المطرودِ من رحمةِ اللهِ ، وذلك َعندما يبدؤونَ بقراءةِ القرآنِ الكريمِ (النَّحْلُ ، 16: 98) ، ويتبعُ ذلك عند أدائهم للصلاةِ ، التي تبدأ بأولِ سورةٍ مِنهُ ، وعندَ القيامِ بأي عملٍ آخرَ ، وذلكَ اتقاءً لشرِّ الشيطانِ ومقاومةً لوسوستِهِ. وَوَصْفُ الشيطانِ بأنهُ رجيمٌ هوَ أيضاً إشارةٌ إلى قصةِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، الذي رَجَمَ الشيطانَ عندما حاولَ أنْ يُثنيَهُ عَن طاعةِ اللهِ ، في قصةِ ذبحِ ابنِهِ إسماعيلَ ، عليهِ السلام. [1]

فَأعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ، والصلاةُ والسلامُ على خاتَمِ الأنبياءِ والمرسلينَ ، مُحَمَّدٍ ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ ، وعلى مَنْ اتَّبَعَ هُدَاهُ بإحْسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

يختصُّ هذا الكتابُ بالحديثِ عن اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، كما شاءَ أن يصفَ نفسَهُ في القرآنِ الكريم. ويهدفُ على وجهِ الخصوصِ إلى التعرفِ عليهِ من خلالِ أسمائهِ الحُسنى ، التي ذكرَها لنا في كتابِهِ العزيزِ. كما يهدفُ إلى معرفةِ ما يريدُهُ لخلقهِ مِنَ البشرِ. وهوَ مُقسمٌ إلى خمسةِ فصولٍ.

يتناولُ الفصلُ الأولُ ما ذُكرَ في القرآنِ الكريمِ عن الصفاتِ الحسيةِ للخالقِ ، عزَّ وجلَّ. ويبحثُ الفصلُ الثاني في الهدفِ منَ الحياةِ الدُنيا وفيما يريدُهُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، لخلقهِ من البشرِ. ويعرِضُ الفصلُ الثالثُ الخلفيةَ البحثيةَ للقائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى. أما الفصلُ الرابعُ ، فهوَ أكبرُها ، لاحتوائهِ على قائمةِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تمَّ لهذا المؤلفِ إحصاءُ كلٍّ منها ، كنصٍ صريحٍ مباشرٍ في القرآنِ الكريمِ ، بالإضافةِ إلى توثيقِها وتقديمِ شروحٍ لها ، والنظرِ في تطبيقِ العلمِ بها في حياتِنا اليومية.

ويحتوي الفصلُ الخامسُ على ثلاثِ مجموعاتٍ مِنْ صفاتِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، التي تمَّ استثناؤها مِنَ القائمةِ المطولةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى. وتضمُّ هذهِ المجموعاتُ أسماءَ الأفعالِ ، والصفاتِ التي لا تنطبقُ إلَّا على اللهِ ، سبحانهُ وتعالى (الممادحَ السلبيةَ) ، والصفاتِ التي استنبطَها مؤلفونَ آخرونَ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ.

كما يقدمُ الفصلُ الخامسُ جدولاً يتضمنُ 151 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تُمثلُ صِفَاتِهِ وقُدُرَاتِهِ ، والتي ذُكرتْ مفصلةً في الفصلِ الرابعِ. ويحتوي الفصلُ الخامسُ أيضاً على جدولٍ آخَرَ يتضمنُ 99 من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي اختارها هذا المؤلفُ استجابةً للدعوةِ المشهورةِ لرسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. وقد تم اختيارُها من القائمةِ الأكبرِ ، والتي أحصاها في الفصلِ الرابعِ ، بعدَ استثناءِ الأسماءِ الأخرى المشتقةِ من نفسِ الفعلِ.

وتحتلُّ الْمُلاحَظَاتُ الاسْتِطْرَادِيَّةُ وَالتَوْثيِقِيَّةُ ، التي تلي الفصلَ الخامسَ ، جُزءاً كبيراً مِنْ هذا الكتابِ. وذلكَ لاشتمالِها على نصوصِ كثيرٍ مِنَ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ ، التي تمتْ الإشارةُ إليها في الفصولِ المختلفةِ. كما تشتملُ على توثيقٍ لآياتٍ وأحاديثَ أخرى ، وعلى بعضِ التوسُعِ في تناولِ الموضوعاتِ.

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الأوَّلُ

***

الصِّفَاتُ الْحِسِّيَّةُ لِلهِ

  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

دُونَ تَشْبِيه

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

 

اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأحَدُ ، وهوَ الصَّمَدُ ، الذي "لَمۡ يَكُن لَّهُ ۥ ڪُفُوًا أَحَدُۢ" (الإخْلَاصُ ، 112: 1-4) ، وهوَ الذي "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشُّورَى ، 42: 11). 

وبناءً على ذلكَ ، فإنَّ الصفاتِ الْحِسِّيَّةِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، المذكورةِ في القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشريفِ ، لا تَعني أنها كتلكَ التي لمخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ البشر. ولذلكَ ، فإنَّ ذِكْرَهَا لا ينبغي أنْ يُفهمَ منهُ أنَّ بالإمكانِ مقارنتَها بالصفاتِ الجسديةِ للبشرِ ، كما قالَ الطبريُّ وعلماءُ الأمةِ في مختلفِ القرون. [2]

وفيما يلي استعراضٌ لأمثلةٍ على هذهِ الصفاتِ الإلهيةِ كما وردتْ في القرآنِ الكريمِ ، والتي تشملُ ذِكرَ أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، قد استوى على العرشِ ، وهوَ يسمعُ ويَرى ، وأنَّ لهُ وجهٌ ويدانِ. 

1. في تفسيرِهم لآيةِ الكُرسي ، ذكرَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الْقُرْطُبِيُّ والطَّبَرِيُّ وابنُ كَثِيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً عَنْ جهودِهِم العظيمةِ في تفسيرِ كتابِ اللهِ ، بأنَّ وَجْهَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، يُنيرُ العرشَ. وعندما يقومُ المؤمنونَ بالعباداتِ وبصالحِ الأعمالِ ، فإنما يريدونَ بها وجهَ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التالية (2: 115 ، 2: 272 ، 30: 38 ، 30: 39 ، 76: 9): [3]

وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115).

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 272).  

فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  (الرُّومُ ، 30: 38).

وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ  (الرُّومُ ، 30: 39).

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا  (الإنْسَانُ ، 76: 9).

2. تُشيرُ بعضُ آياتِ القرآنِ الكريمِ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ عرشٌ يستوي عليهِ ، كما يلي:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ (الأعْرَافُ ، 7: 54).

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (يُونُسُ ، 10: 3).

3. تشيرُ آيةُ الكُرسي (2: 255) إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ كرسيٌّ ، يضعُ قدميهِ عليهِ ، كما جاءَ في الحديثِ الصحيح. [4]

4. تخبرُنا الآياتُ الكريمةُ التاليةُ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لهُ يدانِ يَبْسُطْهُما بالرزقِ لخلقهِ ، وبالعونِ للمؤمنينِ بهِ ، وبهما يُعطي ما يشاءُ ويمنعُ ما يشاءُ لِمن يشاءُ ، وهو على كلِّ شيءِّ قدير.

إنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73).

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 64).

وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (النَّمْلُ ، 27: 63).

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

قُلِ اللَّـهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26(.

وقد قدَّمَ المفسرونَ الثلاثةَ التفسيراتَ التاليةَ للآيةِ الكريمةِ 3: 26 ، التي تذكرُ يدَ اللهِ ، عزَّ وجل:

يركزُ التفسيرُ الأولُ على أنَّ الخيرَ والمُلكَ والعزةَ بيدِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، يُعطيها لِمنْ يشاءُ وينزعُها ممن يشاء. فهوَ قد نزعَ شرفَ تلقي رسالاتِ اللهِ ، مِن بني إسرائيلَ ، لكفرِهِم بالمسيحِ عيسى بنِ مريمَ ، عليهِ السلامُ ، وبالرسالةِ التي جاءَ لهم بها من ربِّهِم ، ومنحَهُ للنبيِّ محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي شرَّفهُ ربُّهُ باختيارِهِ ليكونَ خاتَمَ رسلِهِ ، لتبليغِ آخِرِ وأكملِ رسالاتِهِ للبشريةِ ، أي القرآنِ الكريم.

ويرجحُ التفسيرُ الثاني أنَّ الآيةَ الكريمةَ قد نزلتْ في نصارى نجران ، الذينَ كانوا يعبدونَ المسيح َ، عليهِ السلامُ ، كإلهٍ لهم ، بسببِ قيامِهِ بالمعجزاتِ التي أتى بها لِبني إسرائيلَ ، بهدفِ إقناعِهِم أنهُ رسولُ الله. فتردُّ عليهِم الآيةُ الكريمةُ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.

ويقولُ التفسيرُ الثالثُ بأنَّ هذهِ الآيةُ الكريمةُ كانتْ استجابةً مِنَ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لدعاءِ نبيهِ محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ ينصُرَ المسلمينَ على الدولتينِ الفارسيةِ والرومانية. وقد تحققَ ذلكَ عندما انتصرَ المسلمونَ على الدولةِ الفارسيةِ ، ودخلَ الفرسُ في الإسلامِ ونشروه في أرجاءِ آسيا الأخرى. وكذلكَ انتصرَ المسلمونَ على الدولةِ الرومانيةِ ، ودخلَ عربُ وأتراكُ المشرِقِ في الإسلامِ ، وامتدتْ الدولةُ الإسلاميةُ إلى شَمالِ أفريقيا كلِّهِ وإلى الأندلسِ وجزرِ البحرِ الأبيضِ المتوسط. ولم يبقَ مِنَ الدولةِ الرومانيةِ إلا دولَ وشعوبَ الشواطئِ الشماليةِ منهُ. وعندما انتقلتْ الخلافةُ الإسلاميةُ إلى العثمانيينَ ، توسعتْ الدولةُ الإسلاميةُ لتشملَ اليونانَ وأجزاءَ كبيرةٍ مِن أوروبا الشرقيةِ أيضاً.

5. تخبرُنا آياتٌ عديدةٌ مِنَ القرآنِ الكريمِ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يَسمعُ ويَرى ، وتصفهُ 47 آيةٌ بأنهُ "سميعٌ" وعشرونَ آيةٍ بأنهُ "السميعُ." وتصفهُ 42 آيةٌ بأنهُ "بصيرٌ" ، وثلاثُ آياتٍ بأنهُ "البصيرُ" ، وهي: الإسراء ، 17: 1 ، الشورى ، 42: 11 ، غافر ، 40: 20. وفيما يلي أمثلةٌ مِن هذهِ الآياتِ الكريمة:

قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (طَهَ ، 20: 46).

 

لَّقَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )آلِ عِمْرَانَ ، 3: 181(.

 

قَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 1).

 

6. تذكرُ لنا الآيةُ الكريمةُ 95: 4 أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ ، بما في ذلكَ صورةِ وجههِ وعينيهِ وأذنيهِ ويديهِ وقدميه.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التِّينُ ، 95: 4).

وقد فسر الطبري وابنُ كثيرٍ الكلمةَ الأخيرةَ في الآيةِ الكريمةِ ، أي "تقويم" ، بأنها "صورةٌ." ووفاقَهُما القرطبيُّ على ذلكً التفسيرِ ، ولكنهُ أضافَ بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد خلقَ الإنسانَ على أحسنِ صورةٍ ، وهي صورتُهُ ، عزًّ وجلَّ. ولذلكَ ، خلقَ للإنسانِ وجهاً وعينينِ وأذنينِ ويدينِ وقدمين ، ولكنْ مِن غيرِ تشبيهٍ لصفاتِ الخالقِ الجسدية ِ ، سبحانهُ وتعالى. كما أودعَ فيهِ خالِقُهُ بعضاً مِنْ صفاتهِ التي نفخَها فيهِ ، مثلَ العدلِ والرحمةِ وحُبِّ الخيرِ ، وميزَهُ عَنْ باقي مخلوقاتِهِ على الأرضِ بتمكينِهِ مِنَ المشيِّ منتصباً على قدمين ، ومِنَ التفريقِ ما بينَ الخيرِ والشرِّ ، ومِنَ القُدرةِ على الاختيارِ بينهما. وقد جاء هذا المعنى أيضاً في الآية الكريمة 64: 3 ، كما يلي:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3).

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الثَّانِي

***

لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ

  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

الْإنْسَانَ عَلَى الْأرْضِ؟

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

يهدفُ هذا الفصلُ إلى محاولةِ تقديمِ إجابةٍ على كلٍّ مِنَ السؤالينِ التاليين: لماذا خلقَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الإنسانَ على الأرضِ؟ وماذا يريدُ للبشرِ مِن حياتِهم الدُّنيا على هذا الكوكبِ؟

1. يخبرُنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في القرآنِ الكريمِ ، أنهُ قد خلقَ الجنَّ والإنسَّ لغرضٍ واحدٍ فقط ، وهو عبادتِهِ ، عزَّ وجل ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ (الذاريات ، 51: 56). كذلكَ ، فإنهُ أخبرَنا عَنْ كيفيةِ عبادتِنا لهُ ، وذلكَ بأداءِ الفرائضِ الخمسِ ، وهيَ الشهادتينِ والصلاةِ والزكاةِ وصومِ رمضانَ وحِجِّ البيتِ لِمنْ استطاعَ إليهِ سبيلا. كما أخبرَنا أننا نتقربُ إليهِ بالقيامِ بصالحِ الأعمالِ. وإذا ما تأملنا في معانيَ هذهِ العباداتِ وفيما ينتجُ عنِ القيامِ بها ، نجدُ أنها تهدُفُ إلى منفعةِ المتعبدِ أولاً ، ثم أسرتهِ ومجتمعهِ بعدَ ذلكَ ، بل وخيرِ الإنسانيةِ جمعاءَ ، في هذهِ الحياةِ الدَّنيا وفي الآخِرةِ ، كما تمتْ مناقشتُهُ في الجزءِ الثاني من هذا الكتاب. [5]

وهكذا ، فإنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، لم يَخلِقْنا عبثاً ، كما ذكرَ في الآيةِ الكريمةِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115) ، وما كانَ خلقُهُ للسماواتِ والأرضِ وما بينهما لَعِباً ، وإنما كانَ عملاً جدياً مقصوداً ، أي بالحقِّ ، كما تخبرُنا الآيتانِ الكريمتانِ (الدُّخَانُ ، 44: 38-39). وبالمقابلِ ، فإنهُ أرادَ للمكلَّفينَ مِن خلقهِ ، أي الإنسِ والجنِّ ، أنْ يعبدوهُ ، بطاعةِ أوامرِهِ لهم ، والتي تعودُ عليهِم بالخيرِ والفوائدِ العديدةِ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ. [6]

وأوضحَ لنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ما يعنيهِ من صالحِ الأعمالِ ، وذلكَ بتلخيصِها في ثلاثِ كلماتٍ هيَ الْبِرِّ والتقوى والإحسان. فوصفَ البرَّ بأنهُ "مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 177).

والملاحَظُ مِن هذهِ الآيةِ الكريمةِ أنَّ الْبِرَّ يشتملُ على جميعِ متطلباتِ الإيمانِ ، وعلى اثنتينِ مِنْ متطلباتِ الإسلامِ (وهيَ الصلاةِ والزكاةِ) ، بالإضافةِ إلى بعضِ أوجُهِ الإحسانِ (الوفاءِ بالعهدِ والصبرِ والصدق). وهناكَ ملاحظةٌ أخرى ، وهيَ أنَّ مَنْ يقومُ بأعمالِ البِرِّ هذهِ فهوَ مِنَ المتقينَ. وذلكَ يعني أنَّ أعمالَ البرِّ هيَ ذاتُها أعمالُ التقوى ، ولكنها تؤدَّى مِن منظورينِ مختلفين. فالبرُّ هوَ القيامُ بهذهِ الأعمالِ طاعةً للهِ ، عزَّ وجلَّ ، عن محبةٍ واقتناعٍ كاملٍ بخيرِها للفردِ والأسرةِ والمجتمع. أما التقوى ، فهيَ القيامُ بهذهِ الأعمالِ أيضاً طاعةً للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ولكنْ اتقاءً (أي تجنباً) لغضبِهِ وعقابه.

وهناكَ العديدُ مِنَ الآياتِ الكريمةِ التي تشيرُ إلى هذا المعنى لكلمةِ التقوى. فهيَ تعني اتقاءَ (أي تجنبَ) غضبِ اللهِ وعقابِهِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 2) ، وهيَ تعني اتقاءَ (أي تجنبَ) العذابِ في النارِ ، كما جاءِ في الآيةِ الكريمةِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 131). وتعني اتقاءَ (أي تجنبَ) الفتنةِ ، كما ذكرتْ الآيةُ الكريمةُ (الأنْفَالُ ، 8: 25). [7]

أمَّا الكلمةُ الثالثةُ التي تشيرُ إلى أعمالِ الخيرِ فهي الإحسانُ ، وهو اسمٌ مشتقٌ من الفعل أحْسَنَ ، أيْ أجادَ في القولِ وأتقنَ في العملِ. والمعنى أنَّ المُحسنَ ينشُدُ الأحسنَ في أقوالِهِ وأفعالِهِ ، ولا يوجدُ ما هوَ أحسنُ مِنِ اتباعِ أوامرِ اللهِ وتجنبِ نواهيهِ ، والدعوةِ لهُ.

وقد عَبَّرَتْ آياتُ كثيرةُ في القرآن الكريم عَن المعاني الساميةِ لكلمةِ "الإحسانِ." فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يأمرُ بالإحسانِ (النَّحْلُ ، 16: 90) ، قولاً وعملاً (فُصِّلَتْ ، 41: 33) ، وبمعاملةِ الوالدينَ بالحُسنى (الإسْرَاءُ ، 17: 23) ، ويُثني على المحسنينَ بإعلانِ حبِّهِ لهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 195) ، ويطمئنُهُم بألا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 112) ، ويعدُهُم بالجزاءِ الأوفرِ في جنةِ خُلده (الْمَائِدَةُ ، 5: 85). [8]

وتخبرُنا آياتٌ عديدةٌ أنَّ الإحسانَ يتمثلُ في أعمالِ الذينَ ينفقونَ في سبيلِ اللهِ ، والذين يمتنعونَ عَن إهلاكِ أنفسهِم (الْبَقَرَةُ ، 2: 195) ، والكاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن الناسِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 134) ، والذينَ يمتنعونَ عن الإفسادِ في الأرضِ ، ويتوجهونَ بالدعاءِ لربِّهِم خوفاً وطمعاً (الأعْرَافُ ، 7: 56) ، والمخلصينَ في طاعتِهِم للهِ ورسولِهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 91) ، والصابرينَ (هُودُ ، 11: 115) ، والمجاهدين (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 69). [9]

وقد قدَّمَ لنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أمثلةً تطبيقيةً على ما تحتويهِ هذهِ الكلماتُ الثلاثُ مِن معاني. فقالَ إنَّ الإحسانَ "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ" ، أيْ أنَّ الإحسانَ هوَ مرتبةٌ في العقيدةِ يصلُها الإنسانُ عندما يعبدُ اللهَ وهوَ يعلمُ يقيناً أنَّ اللهَ يراهُ. وهذا يعني أنَّ المُحسنَ يعلمُ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يسمعُ كُلَّ ما يقولُهُ ويرى كُلَّ ما يفعلُهُ. وهوَ لذلكَ يتحرى ألا يقولَ ولا يفعلَ إلا الأحسنَ ، فيسعى إلى ما يُرضي ربَّهُ ، متَّبِعاً لأوامرِهِ ومتجنباً لنواهيهِ ، إدراكاً منهُ بأنَّ ذلكَ هوَ الخيرُ ، وهوَ عينُ الصوابِ.

وقالَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في حديثٍ آخَرَ: "إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ." وذكرَ في حديثٍ ثالثٍ أنَّ التقوى هيَ صِدقُ اللسانِ ونقاءُ القلبِ "الذي لا إِثْمَ فيه ولا بَغْيَ ولا حَسَدَ." وأضافَ بأنَّ التقيَّ هوَ "الَّذي يَشْنَأُ الدُّنيا ، ويُحِبُّ الآخِرةَ" ، ويليهِ "مُؤمِنٌ في خُلُقٍ حَسَنٍ." وفي حديثٍ رابعٍ ، نهانا ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عَنِ الأعمالِ التي تُبعدُنا عَنِ التقوى ، فقالَ: "لا تحاسَدُوا ، ولا تناجَشُوا ، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا ، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا ، المسلِمُ أخُو المسلِمِ ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ ، ولا يَحقِرُهُ ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ ، دمُهُ ، ومالُهُ ، وعِرضُهُ." [10]

2. إذا ما فكَّرنا في تأثيرِ القيامِ بالعباداتِ المفروضةِ والأعمالِ الصالحاتِ (مِن برٍّ وتقوى وإحسان) على الناسِ ، يصبحُ جلياً أنها وسائلُ لتدريبِهِم ليكونوا مخلوقاتٍ خيرةٍ ، أثناءَ حياتِهِم الدُّنيا على الأرضِ ، وذلكَ إعدادٌ لهم ليكونوا أفضلَ في الحياةِ الأخرى. وهكذا ، فإنهم يصبحونَ مؤهلينَ للانتشارِ في ملكوتِ اللهِ الواسعِ في جنةِ خُلدِهِ ، التي عرضُها السماواتُ والأرضُ ، أعدتْ لسُكنى المتقينَ مِن عبادِهِ ، عزَّ وجل.

ودليلُ ذلكَ قولُ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ قد "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (هُودُ ، 11: 7) ، و "الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ" ليرى أيهم "أَحْسَنُ عَمَلًا" ۚ (الْفَاتِحَةُ ، 67:1-2). وسخرَ لهمُ "اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ " وَالنُّجُومَ (النَّحْلُ ، 16: 12) ، و " مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا" (الْجَاثِيَةُ ، 45: 13). ودعا الجنَّ والإنسَ أنْ يَنفُذوا "مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (الرَّحْمَٰنُ ، 55: 33). وأخبرنا أنهُ أعدَّ للمتقينَ مِن عبادِهِ جنةً "عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 133). ووعدَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن عبادِهِ بأنهُ سَيُدْخِلُهُمْ "جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ " (4: 57) ، ووصفَهُم بأنهم "خَيْرُ الْبَرِيَّةِ" (الْبَيِّنَةُ ، 98: 7) ، وتوعدَ الذينَ يكفرونَ بآياتِ اللهِ  (النِّسَاءُ ، 4: 56) والذينَ يعصُون اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُم "نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" (الْجِنُّ ، 72: 22-23). [11]

وضربَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أمثلةً على فئات الناس الذين سينتهون إما إلى الجنة أو النار. فقال بأن الضعفاء والمساكين سينالون رحمة الله ، التي تدخلهم إلى الجنة. أما الجبارون والمتكبرون ، فسينالهم سخطه ، الذي يدخلهم إلى النار. وذكر في حديث آخر أنه عندما يخلُص المؤمنون من النار ، فإنهم يحبسون على قنطرة بينها وبين الجنة ، حيث يتم القصاص بينهم على المظالم التي اقترفوها بحق بعضهم البعض ، في الحياة الدنيا. وبعد تنقيتهم من الذنوب هناك ، يؤذن لهم بدخول الجنة. وقال في حديث ثالث أن الناس عموماً سيدخلون الجنة من أبوابها الثمانيَ إذا ما شهدوا في الحياة الدنيا بأنه " لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ، ورُوحٌ منه ، وأنَّ الجنَّةَ والنَّارَ حقٌّ."  [12]  

3. وهكذا ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، بأمرِهِ لعبادِهِ مِنَ البشرِ بالقيامِ بالعباداتِ المفروضةِ وبالأعمالِ الصالحةِ ، فإنهُ يريدُ الخيرَ لهم في الحياةِ الدُّنيا والآخِرةِ. وبينما هوَ الْغَنِيُّ عَنْ عِبادِتِهِم لهُ (فَاطِرُ ، 35: 15) ، فإنهُ يَرضى عندما ينالُهُ التقوى منهم (الْحَجُّ ، 22: 37) ، والتي يؤدونها بإرادتِهِم الحرةِ (الإنْسَانُ ، 76: 3 ، 90: 10). فقد عَلِمَ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ الكثيرينَ مشنَ البشرِ هم خيرونَ ، في أقوالِهِم وأفعالِهِم ، كما أخبرَ ملائكةَ قدسِهِ الذينَ استغربوا استخلافَهُ لهم في الأرضِ ، بقولِهِ: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 30).  

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يحبُّ معاقبةَ الناسِ إنْ شكروا لهُ وآمنوا بِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 147) ، ولولا دُعاؤهم لهُ لَمَا اكترثَ لهم (الْفُرْقَانُ ، 25: 77). ولو يؤاخذُهم بظلمِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، لَمَا تركَ منهم أحداً دونَ عقابٍ ، ولكنهُ شاءَ تأخيرَ ذلكَ للآخِرةِ (النَّحْلُ ، 16: 61). وأنذرَ مَنْ يرتدونَ عَن دينِهِ بعدَ إيمانِهِم بهِ ، بأنهُ سيستَبدِلُهُم بقومٍ آخرينَ يحبُّهُم ويحبونهُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54). [13]

وأخبرَنا الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، عن بعضِ الفئاتِ مِنَ المؤمنينً الذينَ يحبُّهُم الله ، سبحانهُ وتعالى ، لأنهم يتأسونَ ببعضِ صِفاتِهِ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كريمٌ وجوادٌ ، ولذلكَ فهوَ يحبُّ الكرماءَ والجَوَدَةَ ، كما يحبُّ الذينَ يتصفونَ بالأخلاقِ العالية. وقالَ في حديثٍ آخرَ أنَّ اللهَ يحبُّ الذينَ يُتقنونَ الأعمالَ التي يقومونَ بها. وذكَّرَنا في حديثٍ ثالثٍ بأنَّ الخيرَ الحقيقيَ هوَ في الآخِرةِ ، لأنهُ دائمٌ ، بالمقارنةِ مَعْ خيرِ الدُّنيا الزائل.[14]

4. والخلاصةُ أنَّ خلافةَ الإنسانِ للهِ على الأرضِ هيَ شرفٌ أسبغه الخالقُ ، عزَّ وجلَّ ، على البشرِ (الإسْرَاءُ ، 17: 70). وهي أيضاً إثباتٌ على ثقتِهِ بأنهم قادرونَ على تحملِ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتِقِهِم ، وأنَّ بإمكانِهِم النجاحَ في الاختبارِ الذي قررهُ عليهِم في الحياةِ الدُّنيا (الأحْزَابُ ، 33: 72-73 ، 11: 61). ويؤدي ذلكَ إلى أنْ يصبحَ الناجحونَ منهم خيِّرينَ بالاختيارِ ، الأمرُ الذي يؤهلُهُم لسُكنى جنتَهُ ، إعماراً لملكوتِهِ الواسعِ ، في الحياةِ الأخرى (الأعْرَافُ ، 7: 43). [15]

وقد نصحَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، المسلمينَ بأنَّ النجاحَ في اختبارِ الحياةِ الدُّنيا يتطلبُ منهم أنْ يعيشوا فيها كالغرباءِ أو المسافرين. وحثَّهم في حديثٍ آخرَ على القيامِ بأفضلِ الأعمالِ ، التي تفيدُهم في الآخِرةِ ، وهيَ الصدقةُ الجارية ، والعلمُ الذي ينفعُ الناسَ ، والولدُ الصالحُ الذي يدعو اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، ليغفرَ لأبويهِ ويُدخلُهُم الجنة. وبشَّرَهم في حديثٍ ثالثٍ بأنَّ ربَّهم ، تباركَ وتعالى ، قد أعدَّ لهم في جنتِهِ ما لا عينٌ رأتْ ، وما لا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بشر. [16]

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

***

الْخَلْفِيَّةُ الْبَحْثِيَّةُ

لِلْقَائِمَةِ الْمُطَوَّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

 

 

 

 

يتضمنُ هذا الفصلُ تعريفَ القارئِ بكيفيةِ تَوَصُّلِ المؤلفِ للقائمةِ الْمُطَوَّلِةِ لأسماءِ اللهِ الحُسنى ، بما في ذلكَ أساليبِ البحثِ في هذا الموضوعِ. فقد تمَّ إحصاءُ كلِّ اسمٍ منها كنصٍ مباشرٍ من القرآنِ الكريم ، وتوثيقُهُ بذكرِ بعضِ الآياتِ الكريمةِ التي وردَ فيها. وتلا ذلكَ شرحٌ لمعانيهِ بناءً على المعانيَ الواردةِ في تلكَ الآياتِ ، بالاستعانةِ بقواميسِ اللغةِ ، خاصةً معجمِ المعاني الجامعِ ، وتفسيراتِ المفسرينَ الثلاثةِ ، الطَّبَرِيِّ والْقُرْطُبِيِّ وابنِ كَثِيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً ، خاصةً ما أوردوهُ مِنَ الأحاديثِ الشريفةِ ذاتِ العلاقةِ. وامتدَّ البحثُ عَنْ معانيَ الأسماءِ الحُسنى أيضاً إلى كُتُبِ الغزالي والقرطبي والشعراوي والقرضاوي والنجدي ، جزاهم اللهُ خيراً عن أعمالِهم القيمةِ في هذا الخصوص. وأخيراً ، اكتملتْ القائمةُ باحتوائِها فقط على الأسماءِ الحُسنى التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، كوصفٍ للهِ ، جلَّ وعلا ، لِنَفْسِهِ. [17]

وهناكَ العديدُ مِنَ الكتبِ والمقالاتِ والمواقعِ على الشبكةِ العالميةِ ، بالعربيةِ والإنكليزيةِ (واللغاتِ الأخرى) ، التي تتضمنُ قوائمَ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، أو شرحاً لمعانيها ، أو الإشارةَ إليها. وهناكَ مواقعُ أخرى تقدمُ تعريفاً لكلِّ اسمٍ بكلماتٍ قليلة ، أو ترجمةً للاسمِ بكلمةٍ واحدةٍ ، بدونِ شرحٍ أو تفسيرٍ لمعناه. والغالبيةُ العُظمى مِن هذهِ المواقعَ تستخدمُ القائمةَ الملحقةَ بالحديثِ الشريفِ الذي أخرَجَهُ التِّرْمِذِيِّ عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، الْمُخْتَلَفِ عليهِ ، والتي تَجْمَعُ ما بينَ بعضِ أسماءِ اللهِ الحُسنى التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المشرَّفةِ ، وصفاتِ اللهِ المستنبَطةِ منهما بشكلٍ غيرِ مباشرٍ ، مِن كلماتٍ تُعَبِّرُ عَن أفعالهِ أو صفاتهِ ، عزَّ وجل.

أمَّا القائمةُ التي أحصاها هذا المؤلفُ ، ويُقدمُها في الفصلِ الرابعِ مِنْ هذا الكتابِ ، فإنها تختلفُ عن تلكَ القوائمِ في أنها تشتملُ فقطْ على أسماءِ اللهِ الحُسنى التي ذكرَها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، نَصًّاً ، كوصفٍ لنفسهِ ، بشكلٍ مباشرٍ في كتابِهِ العزيز ، أي إنها ليست مستنبطةً ، كما هو الحال فيما اشتملتْ عليهِ القوائمُ الأخرى. وتمَّ إثباتُ ذلكَ بإيرادِ بعضِ الآياتِ التي وردتْ فيها. وتُمَثِّلُ أسماءُ اللهِ الحُسنى في هذهِ القائمةِ صِفاتِ اللهِ وقُدُرَاتِهِ ، بما في ذلكَ الأسماءِ المركبةِ ، والأسماءِ المضافةِ ، والتي تصفُ الاسمَ الأساسَ ، مثلَ تلكَ التي تحتوي على أفعلِ التفضيلِ ، كأسرعِ الحاسبينَ وأحكمِ الحاكمين. ولذلكَ ، وصلَ عددُ أسماءِ اللهِ الحُسنى في هذه القائمةِ المطولةُ إلى 151.

وتلا ذلكَ الوصولُ إلى قائمةٍ أخرى مصغرةٍ منها ، تحتوي على 99 مِنَ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ استجابةً لحديثِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي شجعَنا فيهِ على إحصائِها. واقتصرَ واحدٌ وثمانونَ اسماً في هذهِ القائمةِ على كلمةٍ واحدةٍ. أما الأسماءُ الثمانيةَ عشرَ الأخرى ، فهيَ أسماءٌ مُرَكَّبَةٌ من كلمتينِ أو أكثرَ ، كما وردتْ تماماً في القرآنِ الكريم.

وقد تمَّ اختيارُ الأسماءِ في هذهِ القائمةِ المصغرةِ من القائمةِ المطولةِ ، المقدَّمةِ في الفصلِ الرابعِ ، وذلكَ باستثناءِ الأسماءِ الأخرى ، المشتقةِ من نفسِ الفعلِ. فمثلاً ، تمَّ اختيارُ اسمِ "الرحيمِ" ممثِلاً للأسماءِ الأخرى ، المشتقةِ مِنْ نفسِ الفعلِ ، وهيَ: "أرحمُ الراحمينَ ، وخيرُ الراحمينَ ، وذو الرحمةِ."

وأُدْرِجَ اسمُ "الخالقِ" ممثِّلاً لأسماءِ الخلاقِ ، وأحسنِ الخالقينَ. واختيرَ "الغفورُ" ممثِّلاً لأسماءِ الْغَفَّارِ وخيرِ الغافرينَ ، وذي المغفرةِ ، وواسعِ المغفرةِ ، وأهلِ المغفرةِ. وكذلكَ كانَ الحالُ بالنسبة "للقهارِ" ، ممثِّلاً للقاهرِ. وهكذا أيضاً ، كانَ اسمُ "رَبِّ العالمينَ" ممثِلاً للأسماءٍ العشرةِ التي تحتوي على ذكرِ اسمِ "الرَّبِّ" ، في نهايةِ هذهِ القائمة.

وغنيٌ عن القولِ أنَّ هذا المؤلفَ لا يزعمُ أنَّ هذهِ القائمةَ هيَ الكاملةُ. وعلى العكسِ مِن ذلكَ ، فإنهُ يشجعُ الباحثينَ والقراءَ عموماً للاستمرارِ في دراُسةِ القرآنِ الكريمِ ، والتعرفِ على أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وفهمِ معانيها ، والدعاءِ إلى اللهِ بها ، والاستفادةِ منها في حياتِهِم الدُّنيا. فقد أشارَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لأسمائِهِ الحُسنى ، وأمرَنا أنْ ندعوهُ بها ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ التالية:

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 180).

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الإسْرَاءُ ، 17: 110).

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (طَهَ ، 20: 8).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كذلكَ ، فإنَّ النبيَ محمداً ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قد أوصانا بأنْ ندعو اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، بأسمائِهِ الحُسنى عندما نتوجهُ لهُ بالسؤال. وأضافَ بأننا نعلمُ عن بعضِ هذهِ الأسماءِ التي أخبرَنا عنها ربُّنا في القرآنِ الكريمِ ، ولكننا لا نعلمُ عن أسماءٍ أخرى لم يكشفْها لنا. 

فعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، قالَ: "اللهمَّ ... أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ ، سَمَّيْتَ به نفسَكَ ، أو أَنْزَلْتَه في كتابِكَ ، أو عَلَّمْتَهُ أحداً من خَلْقِكَ ، أو استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندكَ ، أنْ تَجعلَ القرآنَ ربيعَ قَلبي ، ونورَ صَدري ، وجلاءَ حُزْني ، وذَهابَ هَمِّي." [18]

وفي حديثٍ آخرَ ، حثَّ الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، المسلمينَ على إحصاءِ تسعةً وتسعينَ مِنْ أسماءِ اللهِ ، بهدفِ تشجيعِهِم لمعرفةِ ربِّهم ، حتى يفوزوا برضاهُ وجنةِ خُلدِه. فعن أبي هريرةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أنَّ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ." [19]

وقد قدَّمَ علماءُ المسلمينَ الأوائلِ ، مثلُ الغزالي والقرطبي وابنِ تيمية ، والمعاصرينَ مثلِ الشعراوي والقرضاوي والقحطاني ، جزاهمُ اللهُ كلَّ خيرٍ ، شرحاً مفيداً لهذا الحديثِ الشريفِ. فقالوا إنهُ لا يَعني أنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى مقتصرةٌ على هذهِ التسعِ والتسعينَ منها ، التي شَجَّعَنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، للتعرفِ عليها ودراستِها ، وذلكَ بالبحثِ عنها ، وتعلُّمِ معانيها ، والعملِ بما تعنيه. وأجمعوا بأنَّ التسعةَ والتسعينَ اسماً لم يردْ في تعيينِها حديثُ صحيحٌ ، وأيدَهُم في ذلكَ الألبانيُّ ، الذي ضَعَّف الحديثَ المنسوبَ إلى أبي هريرةَ ، المشتملَ على قائمةِ بهذهِ الأسماء. [20]

وإجمالاً ، هناكَ أربعةُ دلائلٍ على ضعفِ هذا الحديثِ. تَمَثَّلَ الدليلُ الأولُ في اضطرابِ الروايةِ عن أبي هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، الذي نُسِبَتْ إليهِ روايتانِ ، تشتملانِ على تباينٍ ظاهرٍ في الإبدالِ والتغيير.

وقد ذهبَ القرطبيُ إلى ما ذهبَ إليهِ الغزالي ، في ذِكْرِ آراءِ العلماءِ السابقينَ لهما ، في أنهُ مِنَ المرجحِ أنْ تكونَ قائمةُ الأسماءِ الملحقةِ بحديثِ أبي هريرةَ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، مِنْ قولِ الراوي ، لا مِنْ قولِ النبيِّ ، عليه الصلاةُ والسلامُ. كما أنَّ أصحابَ الصحيحينِ (البخاري ومسلم) لم يورِدا قائمةَ الأسماءِ معَ الحديثِ. وأضافَ ابنُ تيميةَ إلى ذلكَ قولَهُ بأنَّ "التسعةَ والتسعينَ اسماً لم يردْ في تعيينِها حديثٌ صحيحٌ عن النبي ، عليهِ الصلاةُ والسلام. وأشهرُ ما عندَ الناسِ فيها حديثُ الترمذي ، الذي رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن شعيبٍ ، عن أبى حمزة. وحُفاظُ أهلِ الحديثِ يقولونَ (أنَّ) هذهِ الزيادةَ مما جَمَعَهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ عنْ شيوخِهِ مِنْ أهلِ الحديثِ ، وفيها حديثٌ ثانٍ أضعفُ مِنْ هذا ، رواهُ ابن ماجه."

والدليلُ الثاني على ضعفهِ أنَّ هناكَ أسماءً قد وردتْ في القرآنِ الكريمِ ولم تردْ في الروايتينِ. ومن أمثلةِ ذلكَ المولى ، النصيرُ ، الغالبُ ، القريبُ ، الربُّ ، الناصرُ ، شديدُ العقابِ ، قابلُ التوبِ ، غافرُ الذنبِ ، ومخرجُ الميتِ مِنَ الحي.

والدليلُ الثالثُ أنَّ القائمةَ الملحقةَ بهِ تحتوي على 28 مِنَ الأسماءٍ التي لم يردْ نصٌ بها في القرآنِ الكريمِ.  وهذهِ الأسماءُ هيَ: القابضُ ، الباسطُ ، الخافضُ ، الرافعُ ، المعزُّ ، المذلُّ ، الحكمُ ، العدلُ ، الجامعُ ، الجليلُ ، الباعثُ ، المُحصي ، المبدئُ ، المعيدُ ، المميتُ ، الواجدُ ، الماجدُ ، المقدمُ ، المؤخرُ ، الوالي ، المقسطُ ، المغنيُ ، المانعُ ، الضارُّ ، النافعُ ، الباقي ، الرشيدُ ، الصبور.

ويتمثلُ الدليلُ الرابعُ في أنَّ سردَ الأسماءِ في الحديثِ يتناقضُ مع دعوةِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، للمسلمين ليقوموا بإحصائها ، وذلكَ لأنهُ يكونُ قد أحصاها وأخبرنا بها. [21]

أساليبُ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى

ذكرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لنا أنَّ لهُ أسماءٌ حُسنى ، أوردَها في آياتٍ عديدة من القرآنِ الكريمِ ، وأوصانا بأنْ ندعوهُ بِها (الأعْرَافُ ، 7: 180 ؛ الإسْرَاءُ ، 17: 110 ؛ طَهَ ، 20: 8). وعددَ لنا منها ثمانيةَ عشرَ اسماً بشكلٍ مباشرٍ في الآيات الكريمة 22-24 من سورة الْحَشْرِ (59) ، كما يلي:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾‏ (الْحَشْرُ ، 59: 22-24).

والأسماءُ التي شاءَ ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أنْ يَذْكُرَها لنا في كتابهِ الكريمِ ، هيَ التي يمكننا فهمَها وإدراكَها. أمَّا غيرُ ذلكَ مِنْ أسمائهِ ، فلم يَذْكُرْها لنا لأننا لا يُمكننا فهمَها إذا ما كانتْ تصفُ عِلْمَهُ وتدبيرَهُ ومشيئتَهُ في الأجزاءِ الأخرى مِنْ ملكوتِهِ الواسعِ ، من سماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ وما فيها ومَن فيها. كما أنَّ عِلْمَ اللهِ مُطْلَقٌ ، بما كان ويكونُ وما سيكونُ ، بينما عِلمُ مخلوقاتِهِ محدودٌ كمَّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً وحالاً ، فأنَّى لنا أنْ نفهمَ أسماءَهُ التي تُعَبِّرُ عن ذلك؟

وعليهِ ، فينبغي ذِكْرُ أسماءِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، كما أتتنا في كتابِهِ الكريمِ ، وعلى لسانِ نبيهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وعدمُ الألحادِ فيها ، أي بتغييرِها ، كما نهانا عنهُ في الآيةِ الكريمةِ (الأعراف ، 7: 180) المذكورةِ أعلاهُ ، حتى نتجنبَ ما فعلَهُ المشركونَ قبلَ البِعثةِ ، بتسميةِ أصنامِهم "باللاتِ والْعُزى ومَنَاةٍ" ، وذلكَ إلحاداً مِنَ "اللهِ العزيزِ المنان."

وقياساً على ذلكَ ، فإنهُ لا ينبغي استحداثُ مسمياتٍ للهِ غيرَ أسمائِهِ التي ذُكرتْ لنا نصاً مباشراً في القرآنِ الكريمِ والسُّنةِ المُشَرَّفَةِ. ولم ينتبهْ العديدُ مِنَ الباحثينَ لذلكَ ، أثناءَ انكبابِهم على إحصاءِ أكبرَ عددٍ من أسماءِ اللهِ الحُسنى في القرآنِ والسُّنة. ومِثالٌ على ذلكَ ابنُ الوزيرِ (المتوفي عام 822 هجرية ، 1419 ميلادية) ، جزاهُ اللهُ خيراً ، الذي أعدَّ قائمةً اشتملتْ على مائةٍ وخمسةٍ وخمسينَ اسماً ، ذَكرَ أنها وردتْ كنصٍ صريحٍ في القرآنِ الكريمِ ، دونَ اشتقاقٍ ، ما عدا "الأعز" ، الذي اشتقَهُ مِنَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ" (الْمُنَافِقُونَ ، 63: 8). والحقيقةُ أنَّ هناكَ واحداً وعشرينَ اسماً منها لم تَرِدْ نصاً في القرآنِ الكريم.  [22]

وقد اضطربَ بعضُ الذينَ كتبوا في موضوعِ أسماءِ اللهِ الحُسنى في تكييفهِم لهذهِ الأسماء ، هل هي صفاتٌ أم أسماءٌ؟ وكانَ سببُ اضطرابِهِم هو أنها صفاتٌ ، إذا ما أخضعناها لقواعدِ اللغةِ العربيةِ التي وضعها النحويونَ العرب. فكيفَ يشيرُ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، إليها على أنها أسماؤهُ ، مع أنها صفاتُهُ ، جلَّ وعلا؟

ومِنَ الطريفِ أنهُ قد سُهِيَ عليهِم أنَّ القرآنَ الكريمَ قد نزلَ بلسانِ العربِ آنذاك ، بما في ذلكَ لهجاتِ القبائلِ المختلفةِ. أما عِلْمُ النحوِ العربيِّ ، فقد نشاً بعدَ موتِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، بهدفِ تعليمِ اللغةِ العربيةِ للشعوبِ التي دخلتْ في الإسلامِ ، حتى يفهمَ المسلمونَ كتابَ اللهِ وسَنَّةَ رسولِهِ. 

وهكذا ، فإنَّ تقسيمَ الكلامِ إلى أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ ، ثمَّ تقسيمَ الأسماءِ إلى أسماءِ أعلامٍ وأسماءِ صفاتٍ وأسماءِ أفعالٍ كانَ مِنْ عملِ النحويينَ العربِ ، ابتداءً من أبي الأسودِ الدؤليِّ والخليلِ بنِ أحمدَ ومروراً إلى سيبَوَيهِ والمازني وابنِ السكيتِ ، ومَنْ تبعَهُم مِنْ علماءِ النحوِ العربيِّ حتى القرنِ السادسِ للهجرة. [23]

أما إشارةُ اللهِ ، جلَّ وعلا ، لأسمائهِ بأنها أسماؤه ، بدلَ الإشارةِ إليها بأنها صفاتُهُ ، فكانتْ منسجمةً معْ ما كانَ يعرفهُ ويفهمهُ العربُ آنذاك. أي أنَّ القرآنَ الكريمَ والحديثَ الشريفَ أصلانِ سابقانِ لعلمِ النحوِ ، وبالتالي فهما المرجعانِ اللذانِ كانَ ينبغي أنْ يسودا على ما فَعَلَهُ النحويونَ بعدهما ، بما في ذلكَ ما استطاعوا وضعَهُ منَ القواعدِ لتعليمِ لغةِ العربِ للمسلمينَ في كلِّ مكان.

وعلى ذلكَ ، فإنهُ حتى لفظُ الجلالةِ ، اللهُ ، هوَ اسمُ صفةٍ. فهوَ يعني "الإلهَ" ، حيثُ دخلتْ ألُّ التعريفِ على كلمةِ "إله" فأصبحتا "اللهَ" بالإدغام. ولكنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، قد مَيَّزَهُ مَعَ أربعةِ أسماءِ صفاتٍ أخرى لهُ بأنْ أشارَ إلى نفسِهِ بهِ ، باستخدامِ الضميرِ "أنا" ، في ثلاثٍ مِنَ الآياتِ الكريمةِ (طَهَ ، 20: 14 ؛ النَّمْلُ ، 27: 9 ؛ الْقَصَصُ ، 28: 30). وأشارَ لنفسهِ أيضاً باستخدامِ الضميرِ "أنا" ، بأنهُ "إلهٌ" (النَّحْلُ ، 16: 2) ؛ وأنهُ الغفورُ الرحيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49) ؛ والرَّبُّ (طَهَ ، 20: 12 ؛ الأنْبِيَاءُ ، 21: 92 ؛ الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 52). [24]

وقد اتفقَ علماءُ النحوِ على أنَّ الكلمةَ يُمكنُ فهمُها بعواملَ لفظيةٍ ، هيَ الأسماءِ والأفعالِ والحروف. كما أنَّ هناكَ عاملاً معنوياً ، يُدرَكُ بالعقلِ دونَ أنْ يُلفظَ ، وتقعُ علامتُهُ الإعرابيةُ ، ولكنهُ لا يوجَدُ في الكلامِ ولا يُكتبُ ، مثلَ الضميرِ المستترِ المقدَّر. كما اختلفتْ مدارسُ النحويين في أمورٍ كثيرةٍ. فمثلاً ، قالَ البصريونَ أنَ الاسمَ هو أصلُ الاشتقاقِ في اللغةِ. أمَّا الكوفيونَ ، فقالوا بأنَّ الفعلَ هوَ الأصلُ الذي تُشْتَقُّ منهُ الأسماءُ. [25]

كما قسَّموا العواملَ اللفظيةَ الثلاثةَ إلى فروعٍ أخرى ، فاعتبروا الصفةَ فرعاً مِنْ فروعِ الأسماءِ. وذكروا أنَّ الصفاتِ إما أنْ تكونَ مفردةً ، أو جملةً فعليةً ، أو اسميةً ، أو ظرفاً ، أو شبهَ جملةٍ مِنَ الظرفِ ، والجارِّ والمجرور.

وأضافوا بأنهُ يُمكنُ اشتقاقُ مجموعةٍ مِنَ الكلماتِ مِنْ مادةٍ لغويةٍ واحدة. فمِنَ الفعلِ "ضَرَبَ" ، يُمكنُنا استخراجَ اسمِ الفاعلِ: "ضارب" ، وكذلكَ صيغةِ المبالغةِ مِنهُ ، أي مِضْراب (مِفْعال). وهناكَ صيغُ مبالغةٍ أخرى على أوزانٍ مختلفةٍ ، بالإضافة إلى مِفعالٍ ، وهيَ فاعِلٌ ، وفَعِلٌ ، وفَعِيلٌ ، وفَعُولٌ ، وفَعَّالٌ.[26]


وبناءً على ذلكَ ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى هيَ أسماءُ صفاتٍ أو أسماءُ أفعالٍ لهُ ، عزَّ وجلَّ ، سواءٌ كانتْ مفردةً أو غيرَ ذلكَ. كما أنها يُمكنُ أنْ تأتيَ على هيئةِ اسمِ الفاعلِ ، مثلِ الخالقِ والبارئِ والقاهرِ ، وعلى سبيلِ المبالغةِ في صفاتِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، مثلِ الرحيمِ ، كصيغةِ مبالغةٍ مِنَ الرحمن ؛ والمليكِ مِنَ المَلِكِ ؛ والخلاقِ مِنَ الخالِقِ ؛ والقهارِ مِنَ القاهرِ ؛ والعلَّامِ والعليمِ مِنَ العالِم ، والغفورِ مِنَ الغافرِ ؛ والشكورِ مِنَ الشاكرِ.

وعبَّرَ الشعراوي ، رَحِمَهُ اللهُ ، عن رأيهِ في ضرورةِ الالتزامِ بأسماءِ اللهِ الحسنى كما وردتْ في القرآنِ الكريمِ ، سواءً كانتْ أسماءَ صفاتٍ أو أسماءَ أفعال ، وأنهُ لا يجوزُ اشتقاقُ أسماءٍ من أفعالِ الحقِّ ، تباركَ وتعالى ، مثلِ المُبتلي والماكرِ مِنَ الفعلينِ ابتلى ومكرَ. فأسماءُ الصفاتِ في هذهِ الحالةِ تنطبقُ على الحياةِ الدنيا فقط. أمَّا في الآخرةِ ، فلا ابتلاءَ ولا مكر. وعلى ذلكَ ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى ينبغي أنْ تنطبقَ على الحياةِ الدنيا والآخرةِ ، لأنَّ صفاتَهُ ، جلَّ وعلا ، دائمةٌ وأزلية. وأضافَ بأنهُ لا ينبغي اشتقاقُ اسمٍ مُكَوَّنٍ مِنْ كلمةٍ واحدةٍ مِنَ الأسماءِ المُضافةِ ، مثلِ الشديدِ والقابلِ والغافرِ ، من شديدِ العقابِ وقابلِ التوبِ وغافرِ الذنبِ ، أي أنَّهُ لا ينبغي اجتزاءُ هذهِ الأسماءِ الْمُرَكَّبَةِ ، بل إبقاؤها كما هيَ.

وهكذا ، فإنَّ أسماءَ اللهِ الحُسنى التي تمَّ إحصاؤها هُنا هيَ التي ذُكرتْ كنصٍ حَرْفِيٍّ مباشرٍ في كتابِ الله ، وقد تمتْ كتابتُها في القائمةِ المطولةِ كما هيَ ، دونَ تغييرٍ أو تبديل. أمَّا القائمةُ المصغرةُ ، فاستُبعدَ منها ما تكررَ من الأسماء ، التي تشتركُ في اشتقاقِها مِن فعلٍ واحدٍ. فمثلاُ ، تمَّ اختيارُ اسمِ "الغفورِ" ممثلاُ للستةِ الأخرى مِنَ الأسماءِ التي تشتركُ معهُ في اشتقاقِها مِنَ الفعلِ "غَفَرَ." كما استُبعدَ مِنَ القائمتينِ ما يُمكنُ تصنيفُهُ بأنهُ أسماءُ أفعالٍ ، أو مَمَادِحُ سلبيةِ أو أسماءٌ استنبطَها مؤلفونَ آخرونَ من القرآنِ الكريم والسنةِ المشرفةِ. وَوُضِعَتْ هذه المجموعاتِ الثلاثِ في آخِرِ القائمة.

*** *** ***

***


 

اللهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى

مَنْ هُوَ؟

وَمَاذَا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟

كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

***

الْفَصْلُ الرَّابِعُ

***

الْقَائِمَةُ الْمُطَوَّلَةُ لِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى

كَمَا ذُكِرَتْ مُبَاشَرَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

 

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

***

 

 

تشتملُ القائمةُ المطولةُ التاليةُ على 151 اسمٍ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تمكنَ هذا المؤلفُ مِنَ التعرفِ عليها وإحصائِها وجمعِها ، والتي تُمثلُ صِفَاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وقُدراتِهِ ، المذكورةِ مباشرةً في القرآنِ الكريم. وقد تمَّ توثيقُ كلِّ اسمٍ منها بذكرِ بعضِ الآياتِ الكريمةِ التي وَرَدَ فيها. وتلا ذلكَ شرحٌ لمعانيهِ بناءً على المعانيَ الواردةِ في تلكَ الآياتِ ، وتفسيراتِ المفسرينَ الثلاثةِ ، جزاهم اللهُ خيراً ، وما أوردوهُ مِنْ أحاديثَ شريفةٍ ، والكتبِ المُشارِ إليها آنفاً ، والتي تشرحُ أسماءَ اللهِ الحُسنى وصفاتِهُ.

والجديرُ بالذكرِ أنَّ مِنْ بينِ تطبيقاتِ العِلْمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعوةَ إلى اللهِ بها ، والعملَ بمقتضاها ، وتسميةَ المسلمينَ لأبنائِهِم بها ، وذلكَ بإضافةِ كلمةِ "عَبْدٍ" لتسبقَ اسمَ اللهِ ، عزَّ وجل. ومثالُ ذلكَ عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ ، أي الذي يعبدُ اللهَ والذي يعبدُ الرحمنَ ، كما مَرَّ شرحُهُ في الفصلِ السابعِ مِنْ كتابِ المؤلفِ: "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟"  [27]

1. اللهُ

"اللهُ" ، اسمُ صفةٍ اختصَّ بِهِ الخالِقُ العظيمُ ، وأطلقَهُ على نفسِهِ ، وهوَ وما عداهُ مِنْ أسماءٍ حُسنى ، أسماءُ صفاتٍ لهُ ، تباركَ وتعالى. ولغوياُ ، فإنَّ لفظَ الجلالةِ ، أي "اللهَ" ، يعني "الإلهَ" ، الذي حُذفتْ ألِفُهُ المهموزةُ لدخولِ أداةِ التعريفِ عليه ، فأصبحتا "اللهَ" بالإدغامِ. وقد كانَ اسمُ "اللهِ" هذا معروفاً أيضاً لرسلِهِ السابقينَ ، عليهمُ السلامُ أجمعين.

وأخذاً برأيِّ الكوفيينَ الذينَ قالوا باشتقاقِ الاسمِ مِنَ الفعل ، فإنَّ هذا الاسمَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلهاً ليعبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلهاً ، حتى يعرفَهُ خلقُهُ فيعبُدُونَهُ.

وقد ذُكِرَ لفظُ الجلالةِ ، "اللهُ" ، سبحانهُ وتعالى ، في القرآنِ الكريمِ 2669 مَرَّةً ، بصيغٍ مختلفةٍ. وذُكِرَ اسمُ "اللهِ" وحدَهُ 2247 مرةً في آياتِ كتابِ اللهِ ، و113 مرةً في بسملاتِ السورِ (حيثُ أنَّ سورةَ التَّوْبَةِ ليسَ لها بسملةٌ). كما جاءَ في 309 مراتٍ بصيغٍ أخرى ، وهي: اللَّهُمَّ (5 مرات) ، للهِ (143 مرة) ، تَاللهِ (9 مرات) ، فَاللهِ (6 مرات) ، بِاللهِ (139 مرة) ، فلَلهِ (6 مرات) ، أبِاللهِ (مرةً واحدةً). [28]

ومِنْ أمثلةِ ذِكْرِ اسمِ "اللهِ" ، ما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ "(الْفَاتِحَةُ ، 1: 1) ، و "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26) و "سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"ُ (الْحَدِيدُ ، 57: 1). 

وقد وَصَفَ الخالقُ العظيمُ نفسَهُ لنا بأنهُ "اللهُ" ، سبحانهُ وتعالى ، أي أنهُ الإلهُ الأوحدُ الذي أوجدَ الكونَ بما فيهِ ومَن فيهِ ، ولذلكَ توجبتْ عبادتُهُ على مخلوقاتِهِ ، وخاصةً بإقامةِ الصلاةِ لذكرِهِ أبداً ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 14 مِن سورةِ طَهَ (20). وذكرَ لنا ذلكَ أيضاً في الآيةِ 9 مِن سورةِ النَّمْلِ (27) ، التي تُقْرِنُ إلاهيتَهُ باسمينِ آخَرَيْنِ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، هما "العزيزِ" و "الحكيمِ." أما في الآيةِ 30 مِن سورةِ الْقَصَصِ (28) ، التي يصفُ ربُّنا ، جلَّ وعلا ، فيها نفسَهُ بأنهُ هوَ "اللهُ" ، فإنهُ يُخبرُنا بأنهُ ربُّ العالمينَ ، أي المُربي والحافظُ والمنعمُ على عوالمِ خلقِهِ.  ولذلكَ ، فهوَ أهلٌ للعبادةِ مِن قِبَلِ خلقِهِ ، كتعبيرٍ منهم عن شكرِهِم لَهُ على نِعَمِهِ التي لا تُحصى ، كنعمةِ الحياةِ ، والبرَكةِ ، والرحمةِ ، والحياةِ الأبديةِ في جنَّةِ خُلدهِ لعبادهِ المؤمنينَ الصالحينَ مِنَ الجنِّ والإنسِ. فيقولُ عزَّ وجل:

إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طَهَ ، 20: 14).

يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (النَّمْلُ ، 27: 9).

يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الْقَصَصُ ، 28: 30).

وذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانه وتعالى ، في الآيةِ الكريمةِ 56 مِن سورةِ الذَّارِيَاتِ (51) بأنهُ خَلَقَ الجنَّ والإنسَ ليعبدوهُ ، على الرغمِ مِن عدمِ حاجتِهِ لعبادتِهِم لهُ ، لأنهُ هوَ الغنيُ وهمُ الفقراءُ إليهِ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 57 ، فَاطِرُ ، 35: 15 ، الْحَجُّ ، 22: 37). وإنما فرضَ العبادةَ عليهِم لفائدتِهِا لهم أفراداً وجماعاتٍ ومجتمعاتٍ ، كما نعلمُ من الآياتِ الكريمةِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 184 ، 271-272 ، الإسْرَاءُ ، 17: 7 ، الْحَجُّ ، 22: 77 ، الْجُمُعَةُ ، 62: 9).

فَمِنْ حُبِّ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، وعطفِهِ على مخلوقاتِهِ مِنَ الجنِّ والإنسِ ، أنهُ أرسلَ لهم رسالاتِهِ ليهديَهُم إلى العيشِ في سعادةٍ ، في حياتِهِم الدُّنيا وفي الآخِرة. وإذا ما تأملنا فيما يَنتجُ عن القيامِ بالعباداتِ المفروضةِ ، أي الشهادتينِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وصومِ رمضانَ وحَجِّ البيتِ لِمَن استطاعَ إليهِ سبيلا ، بالإضافةِ إلى القيامِ بأعمالِ الخيرِ ، نجدْ أنها تؤدي إلى خيرِ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ والأرضِ كلِّها ، التي استُخلِفنا فيها ، كما مرَّ تفصيلهُ في الفَصْلِ الثَّامِنِ من كتابِ المؤلِّفِ ، "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّة لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "العَلَاقَةُ مَا بَيْنَ النَّوَاحِي الرُّوحِيَةِ وَالْجَسَدِيَّةِ فِي التَّعَاليمِ الإسْلَامِيَّةِ."

وقالَ الغزالي بأنّ هذا الاسمَ هوَ أعظمُ أسماءِ اللهِ وأخصُّها. وذكرَ القرطبيُّ أنَّ "اللهَ" ، سبحانهُ وتعالى ، قد انفردَ بهذا الاسمِ ، الذي لم يتسمَ بهِ أحدٌ غيرُهُ ، وأنَّ جميعَ أسمائِهِ الأخرى صفاتٌ لهُ ، ولذلكَ فهوَ اسمهُ الأعظمُ. واتفقَ ابنُ كثيرٍ معهُ على ذلكَ ، ولكنهُ رأى أيضاً أنَّ "القيومَ" ربما يكونُ اسمهُ الأعظمُ. وعرَّفه الشعراوي بأنهُ الاسمُ الدالُّ على الذاتِ الجامعةِ لصفاتِ الألوهيةِ.

كيفَ يستفيدُ المسلمُ مِنَ العِلْمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى؟

مِنْ تطبيقاتِ العلمِ بأسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِها إليهِ ، تباركَ وتعالى ، كما أمرَ في كتابِهِ الكريمِ: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا" (الأعْرَافُ ، 7: 180). فيبدأُ الدُّعاءُ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ وَحْدُكُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثُمَّ يدعو بما يشاءُ مِنْ خيرٍ لهُ ولأسرتِهِ وأقارِبِهِ ولِمَنْ يُحِبُّ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الأعظمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ اسمُ اللهِ الذي اختارَهُ لنفسهِ ، ولا ينطبقُ على غيرِهِ. فهوَ الخالقُ العظيمُ لكلِّ مَنْ هوَ في الوجودِ ، ولا إلهٌ غيرُهُ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ اللهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ الأعظمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

2. إِلَٰهٌ

"الإلَهُ" اسمُ صفةٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلَهَاً لِيَعْبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلَهَاً ، حتى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ فيعبُدُونَهُ. ومَنْ عَرَفَهُ بأنهُ إلَهَهُ ، فإنهُ يَألَهُ إليهِ ، أيْ يعتمدُ عليهِ ، ويَحْمَدُهُ في الرخاءِ ، ويفزَعُ إليهِ في الشدةِ ، أيْ أنهُ يُقِرُّ بعبادتِهِ ويقومُ بِها استجابةً لأمرِهِ ، جلَّ وعلا ، الذي قالَ فيهِ:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 25).

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الإلَهَ" هوَ الخالقُ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 91) والرَّبُّ (الصَّافَاتُ ، 37: 4-5) ، والرَّزاَّقُ (النَّمْلُ ، 27: 64) ، وباعثُ الحياةِ على الأرض ، مِن خلالِ تناوِبِ الليلِ والنهارِ عليها (الْقَصَصُ ، 28: 71-72). وهوَ إلَهٌ وَاحِدٌ (الصَّافَّاتُ ، 37: 4) ، وهوَ "رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" (الْمُزَّمِّلُ ، 73: 9).

وقد ذُكرتْ كلمةُ "إلَهٍ" ، في صيغتِها المفردةِ ، 97 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 17 مرةً بصيغةٍ محايدةٍ أو بالإشارةِ إلى إلهٍ زائفٍ ، مِنْ آلهةِ المشركين. [29]  كما ذُكرتْ في 80 مرةً منها كوصفٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، أو بالإشارةِ إليهِ ، أيْ كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مثلما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 84 مِنْ سورةِ الزُّخْرُفِ (43):

 وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 84).

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ،  فإنها جاءتْ أيضاً بصيغتِها المفردةِ ولكنْ للجمعِ المخاطَبِ ، "َإِلَٰهُكُمْ" ، 11 مرةً. وجاءتْ مرةً واحدةً للمفردِ المخاطَبِ ، "إِلَٰهَكَ" ، ومرةً أخرى لجمعِ المتكلمينَ "إِلَٰهُنَا" ، كما في الآياتِ الكريمةِ 2: 133 ، 2: 163 ، 29: 46.

قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 133).

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 46).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ الواحِدُ الأحَدُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثُمَّ يدعو بما يشاءُ مِنْ خيرٍ لهُ ولأسرتِهِ وأقارِبِهِ ولِمَنْ يُحِبُّ.  ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ الأعظمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لأنَّهُ لا إلهٌ غيرُهُ.

 ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفاُ أو مُنَكَّرَّاً. فهوَ الخالقُ العظيمُ لكلِّ مَنْ هوَ في الوجودِ ، ولا إلهٌ غيرُهُ ، سبحانهُ وتعالى. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الإلَهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

3. إِلَٰهُ النَّاسِ

"إلَهُ النَّاسِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٍ مِنْ كلمتينِ. أولاهُما "إلَهُ" ، وهي اسمُ صفةٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلَهَاً لِيَعْبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلَهَاً ، حتى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ فيعبُدُونَهُ. ومَنْ عَرَفَهُ بأنهُ إلَهَهُ ، فإنهُ يَألَهُ إليهِ ، أيْ يعتمدُ عليهِ ، ويَحْمَدُهُ في الرخاءِ ، ويفزَعُ إليهِ في الشدةِ ، أيْ أنهُ يُقِرُّ بعبادتِهِ ويقومُ بِها.

أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "النَّاسُ" ، فهيَ اسمٌ في صيغةِ الجمعِ ، ومفردُها "إنْسَانٌ. وهوَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "نَسِيَ" الذي يعني "فَقَدَ الْمَعْرِفَةَ بأمرٍ ما." فالنسيانُ مِنْ خواصِّ الإنسانِ ، كما جاءَ في آياتٍ عديدةْ مِنَ القرآنِ الكريمِ ، مِثلَ قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (طَهَ ، 20: 115).

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (الْكَهْفُ ، 18: 61).

كما أنَّ كلمةَ "النَّاسِ" مشتقةٌ أيضاً مِنَ الفعلِ "أَنِسَ" ، الذي يعني "أحَبَّ الصُّحْبَةَ" ، وألِفَهَا واطمأَنَّ إليها ، والذي جاءَ أحدُ مُشتقاتِهِ في صيغة الفعلِ المضارِعِ الجمعي ، "تَسْتَأْنِسُوا" (النُّورُ ، 24: 27). وجاءَ أيضاً في اشتقاقٍ آخَرَ ، في صيغةِ اسمِ الصفةِ الجمعي ، "مُسْتَأْنِسِينَ" (الأحْزَابُ ، 33: 53) ، مِمَّا يُشيرُ في الحالتينِ إلى الصفةِ الاستئناسيةِ للإنسانِ ، وميلِهِ إلى الأنسِ والصحبةِ والتفاعُلِ الاجتماعي معَ غيرِهِ مِنَ الناسِ ، مثلما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النُّورُ ، 24: 27).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (الأحْزَابُ ، 33: 53).

وهناكَ معنىً ثالثٌ لكلمةِ "النَّاسِ" ، يشيرُ إلى المخلوقاتِ الْمُكَلَّفَةِ بالعبادَةِ مِنْ إنسٍ وجِنِّ معاً ، كما دلَّنا على ذلكَ معنى الآيتين الكريمتين 5 و 6 مِنْ سورةِ النَّاسِ (114). وهكذا ، فإنَّ "إلَهَ النَّاسِ" كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي ذُكِرَ في القرآنِ الكريم مرةً واحدةً ، يعني أنهُ الإلهُ الذي تعبدُهُ مخلوقاتُهُ المكلَّفةِ من ملائكةٍ في السماءِ ، وإنسٍ على الأرضِ (الزخرف ، 43: 84) ، وجنٍ بينهما (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾‏ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾إِلَٰهِ النَّاسِ ﴿٣﴾‏ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿٦﴾‏ (النَّاسُ ، 114: 1-6).

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 84).

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 23-24).

وكما تخبرُنا آياتُ سورةِ الناسِ ، فإنَّ الاستعاذةَ بربِّ الناسِ وإلهِهِم ، تُذْهِبُ وسوسةَ الشيطانِ للجنِّ والإنسِ ، وتُبْطِلُ مفعولَها ، إذ ليسَ للشيطانِ سلطانٌ حقيقيٌ على عبادِ اللهِ المؤمنينَ بهِ ، والمتوكلينَ عليهِ. فهوَ وكيلُهُم الذي يكفيهِم شرَّ الْوَسْواسِ الخناسِ ، كما جاءَ في الآيتينِ الكريمتينِ 7: 65 و16: 99.

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 65).

لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (النَّحْلُ ، 16: 99).

والاستعاذةُ تكونُ لفظاً ، بقولِ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ، وكذلكَ بقراءةِ سورةِ الناسِ ، استجابةً لأمرهِ ، جلَّ وعلا ، في أولِ السورةِ: "قل أعوذ برب الناس" ، والذي جاءَ أيضاً في الآيةِ الكريمةِ 7: 200 ، التي قالَ فيها ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى:

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الأعْرَافُ ، 7: 200).

ومِن رحمةِ اللهِ بعبادِهِ أنهُ يعفو عَنِ المؤمنِ الذي تحدثُهُ نفسهُ عنْ وَسْوَسَةِ الشيطانِ لهُ ، ما لمْ يتكلمْ أو يعملْ بِها ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ ، عن رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في قولِهِ: "إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أَنْفُسَهَا ، ما لَمْ يَتَكَلَّمُوا ، أَوْ يَعْمَلُوا بهِ." [30]  

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ بقولِ: "يا الله" ، أو "اللَّهُمَّ" أو "يا إلَهَ الناسِ" ، إنَّكَ أَنْتَ الإلهُ الواحِدُ الأحَدُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. ثمَّ التوسُّلُ إليهِ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحميَ الداعي من شرورِ الناسِ ، وأنْ يُكْسِبَهُ حُبَّهُم بدلاً مِن ذلك. 

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، بل ينبغي إبقاؤهُ كما هوَ ، أي "إلَهُ النَّاسِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى." ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "إلهَ الناسِ" أو "إلهَ" أو "الإلهَ" ، أي مُنَكَّرَاً أو مُعَرَّفاً. ولكنْ يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الإلهِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بالإقرارِ بإلهيةِ خالِقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي بعبادتهِ ، وبطاعةِ أوامرهِ واجتنابِ نواهيهِ ، مما يؤدي إلى السعادةِ في الدارينِ ، الدُّنيا والآخرة.

4. الرَّحْمَـٰنُ

"الرَّحْمَـٰنُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ. واشْتُقَتْ "الرحمةُ" مِنْهُ ، وهيَ النِّعْمَةُ والْخَيْرُ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الرَّحْمَـٰنَ" يعني أنَّهُ القريبُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، الذي يَرِقُّ لأحوالِهِم ، ويَعْطِفُ عليهِم ، ويُحْسِنُ إليهم ، ويَرْزُقُهُم في بيئاتِهم المختلفةِ. ويشترِكُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ الفعلِ "رَحِمَ" مع أربعةِ أسماءٍ أخرى ، هيَ: الرَّحِيمُ ، وأرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وخَيْرُ الرَّاحِمِينَ ، وذُو الرَّحْمَةِ.

وقد اشتملتْ الآيةُ الأولى مِنَ القرآنِ الكريمِ ، أي البسملةُ ، على لفظِ الجلالةِ ، "اللهِ" ، سبحانهُ وتعالى ، وعلى اسمينِ آخَرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما الرَّحْمَـٰنِ والرَّحِيمِ ، وذلكَ في رَبْطٍ واضحٍ بينَ اسمِ اللهِ الأعظمِ ورَحْمَتِهِ بخلقِهِ ، تبارَكً وتعالى.

وأوردَ المفسرونَ الثلاثةُ ، الطبري و القرطبي وابنُ كثيرٍ ، شروحاً لهذينِ الاسمين ، رواها أبو علي الفارسي والعَرْزَمِيُ ، رَحِمَهُم اللهُ جميعاً وجزاهم خيراً على جهودِهِم في تفسيرِ كتابِ اللهِ. فذكروا أنهما يشتملانِ على الرحمةِ ، لكنَّ "رَحْمَنَ" أشدُّ مبالغةً مِن رَحِيمِ." وذلكَ يَعني أنَّ اسمَ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" يشيرُ إلى رحمةِ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، لجميعِ مخلوقاتِهِ ، مِن خلالِ توفيرِ الرزقِ لها ، والعنايةِ بها جميعاً. فهوَ الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" (الأنْعَامُ ، 6: 12) ، وهوَ الذي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156). أمَّا اسمُ "الرَّحِيمِ" ، فإنهُ يشيرُ إلى رحمةِ اللهِ الخاصةِ بعبادهِ المؤمنينَ ، والعنايةِ بِهِم في الدُّنيا والآخِرة ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 43 ، مِنْ سورةِ الأحْزَابِ (33).

قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 12).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 156).

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 43).

وفي تفسيرِه للآياتِ الأربعِ الأولى مِن سورةِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ (55) ، والتي تبدأُ باسمِ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" ، ذَكَرَ ابنُ كثيرٍ بأنَّ اللهَ ، سبحانه وتعالى ، يخبرُنا عن "فَضْله وَرَحْمَته بِخَلْقِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَاده الْقُرْآن وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ." أما الطبري ، فأضافَ بأنَّ معنى "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" أنهُ قد بسطَ رحمتَهُ للناسِ بتنزيلهِ القرآنَ عليهِم ، وتعليمِهِم ما بهِ الحاجةِ إليهِ مِن أمرِ دينِهِم ودنياهِم." وأوردَ القرطبيُ تفسيرَ سعيدٍ بنِ جُبير وعامرٍ الشعبي ، فقالَ بأنَّ اسمَ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" قد افتُتِحَتْ بهِ ثلاثُ سورٍ إذا جُمِعْنَ كُنَّ اسماً مِن أسماءِ اللهِ تعالى: "الر" و "حم" و "ن" ، فيكونُ مجموعُ هذهِ "ٱلرَّحۡمَـٰنُ." وذكرَ قولَ الزَّجَّاجِ بأنَّ معنى "عَلَّمَ القُرآنَ" أي سهلهُ لأنْ يُذَّكَّرَ ويٌقرأ. وأشارَ بأنهُ عَلَّمَ الإنسانَ أيضاً "بيانَ الحلالِ مِنَ الحرامِ ، والهُدى مِنَ الضلالِ."  وذَكرَ الغزالي أنَّ رحمةَ اللهِ تامةٌ ، بمعنى أنهُ أرادَ قضاءَ حاجاتِ المحتاجين وقضاها. وهي عامةٌ ، لشمولِها المستحقِ وغيرِ المستحقِ ، في الدُّنيا والآخِرة. وعَرَّفَ الشعراوي "الرَّحْمَـٰنَ" بأنهُ واسعُ الرحمةِ في خَلْقِهِ ، مؤمنِهِم وكافرِهِم ، في معاشِهِم ومعادِهِم.


أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الرَّحْمَـٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ (ٱلرَّحۡمَـٰنِ ، 55: 1- 4).

وجوهرُ القولِ أنَّ هذهِ الآياتُ الأربعُ الأولى مِن سورةِ "ٱلرَّحۡمَـٰنِ" تخبرُنا عَن أربعِ بركاتٍ أنْعَمَهَا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، على الإنسانِ. فالآيةُ الأولى تعلِّمُنا بأنَّ اللهَ هوَ "ٱلرَّحۡمَـٰنُ" ، الذي وسعتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ. وتشيرُ الآيةُ الثانيةُ إلى تنزيلِهِ للقرآنِ العظيمِ ، لهدايةِ الناسِ في الدُّنيا ولِينالوا حُسْنَ الثوابِ في الآخِرة. وتذكِّرُنا الآيةُ الثالثةُ بأنهُ هوَ الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ هيئةٍ وصورةٍ. وتشيرُ الآيةُ الرابعةُ إلى نِعْمَةِ البيانِ التي منحها "ٱلرَّحۡمَـٰنُ" للإنسانِ ، بخلقهِ للمتطلباتِ الجسديةِ الضروريةِ للكلامِ ، في الفمِ والحنجرةِ والدماغِ ، ولتسهيلِ حياتِهِ في بيئاتِ الأرضِ المختلفةِ ، كما مَرَّ شرحُهُ في الفصلِ الرابعِ مِنْ كتابِ المؤلِّفِ ، "الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّة لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ" ، بعنوانِ: "الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ."

وقد ذُكِرَ "الرَّحْمَـٰنُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، 170 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. جاءَ ذلكَ في الْبَسْمَلِةِ ، التي تُفتتحُ بها 113 سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ (حَيْثُ أنَّ سُورَةَ التوبةِ ليسَ لها بَسْمَلَةٌ) ، وكذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 30 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ (27). وبالإضَافَةِ إلى الْبَسْمَلِةِ ، جاءَ اسما "الرَّحْمَـٰنِ" و "الرَّحِيمِ" معاً في خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، تأكيداً لرحمةِ اللهِ بعبادِهِ ، وذلكَ في الآياتِ الكريمةِ 1: 3 ، 2: 163 ، 41: 2 ، 59: 22.       

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 1).   

الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 3).

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (فُصِّلَتْ ، 41: 2).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 22).

كما جاءَ اسمُ "الرَّحْمَـٰنِ" 47 مَرَّةً مَعَ ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وأفْضَالِهِ على عِبَادِهِ (الْفُرْقَانُ ، 25: 59) ، ومَعً ذِكْرِ وعدِهِ بالجنةِ لعبادِهِ المؤمنينَ (مَرْيمَ ، 19: 61) ، ومَعَ اصطفافِ الرُّوحِ والملائكةِ أمامَهُ في اليومِ الآخِرِ (النَّبَأُ ، 78: 38) ، ومَعً وعدِ اللهِ للمؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصالحات بِالْوُدِّ في قلوبِ المؤمنينَ (مَرْيَمُ ، 19: 96) ، ومَعَ ذِكْر الذينَ يكفرونَ بِهِ ، على الرغمِ مِنْ علمِهِم برسالتِهِ لهم (الرَّعْدُ ، 13: 30). وجاءَ تِسْعَ مَرَّاتٍ في صيغةِ "للرَّحْمَـٰنِ" ، مِنها سِتِ مَرَّاتٍ في سُورَةِ مَرْيمَ (19) ومَرَّتَانِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (43). [31]  

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 59).

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (مَرْيمَ ، 19: 61).

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النَّبَأُ ، 78: 38).

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (مَرْيَمُ ، 19: 96).

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (الرَّعْدُ ، 13: 30).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ ، بقولِ: "يا رَحْمَـٰنُ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حولَهُ ، مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ وعطفِهِ ورزقِهِ وعنايتِهِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الرَّحْمَـٰنَ" أو "رَّحْمَـٰنَ" ، أي لا مُنَكَّرَاً ولا مُعَرَّفاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، القادرُ على منفعةِ جميعِ خلقهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّحْمَـٰنِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُقَدِّمَ الشُّكرَ والعرفانَ "للرَّحْمَـٰنِ" على نِعَمِهِ التي لا تُحصى على جميعِ خلقِهِ ، وأنْ يؤمِنَ بهِ ويَعْبُدَهُ حقَّ العبادَةِ ، فينالُ السعادَةَ في الدارينِ ، الأولى والأخِرَةِ. كما أنَّ عليهِ تقديمَ العونِ والنصحِ والإرشادِ لكلِّ مَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهِم ، بما في ذلكَ الغافلينَ والعُصاةِ ، حتى يعودوا للرَّحْمَـٰنِ ، ليشملَهُم برحمتهِ.

5. الرَّحِيمُ

"الرَّحِيمُ" اسمُ صفةٍ للهِ ، تبارَكَ وتعالى ، وهيَ صفةُ الرحمةِ العامةِ التي كَتَبَهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ (الأنْعَامُ ، 6: 12) ، والتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156). وهوَ يشتركُ فيها معَ اسمِ "الرَّحْمَـٰنِ" ، ولكنهُ يتميزُ بِرَحْمَةٍ خاصةٍ مِنَ اللهِ للمؤمنينَ في حياتِهِم الدُّنيا ، وفي الآخِرَةِ.

واسمُ "الرَّحِيمِ" مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ. واشْتُقَتْ "الرحمةُ" مِنْهُ ، والتي تعني العطفَ والشفقةَ والرعايةَ والمغفرةَ والنِّعْمَةَ والْخَيْرَ.  وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يعني أنَّهُ القريبُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، وخاصةً المؤمنينَ مِنْهُم ، الذي يَرِقُّ لأحوالِهِم ، ويَعْطِفُ عليهِم ، ويُحْسِنُ إليهم ، ويَرْزُقُهُم في بيئاتِهم المختلفةِ. كما أنهُ الغفورُ ، التوابُ ، الرؤوفُ ، العزيزُ ، البَرُّ ، الودودُ لعبادِهِ المؤمنينَ.

وقد وَرَدَ اسمُ "الرَّحِيمِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، 146 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. جاءَ ذلكَ في الْبَسْمَلِةِ ، التي تُفتتحُ بها 113 سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ (حَيْثُ أنَّ سُورَةَ التوبةِ ليسَ لها بَسْمَلَةٌ) ، وكذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 30 مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ (27). كما جاءَ أربعَ مَرَّاتٍ مُقْتَرِنَاً مَعَ اسمِ "الرَّحْمَـٰنِ" ، في غيرِ الْبَسْمَلِةِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163). وجاءَ اسمُ "الرحيمِ" أيضاً مقترناً مَعَ اسمِ "الْبَرِّ" مّرَّةً واحِدَةً (الطُّورُ ، 52: 28) ، ومَعَ اسمِ "التَّوَّابِ" سِتِّ مَرَّاتٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 160) ، ومَعَ اسمِ "الْغَفُورِ" ثَمَانيَ مَرَّاتٍ (الْحِجْرُ ، 15: 49) ، ومَعَ اسمِ "الْعَزِيزِ" ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً (الدُّخَانُ ، 44: 42). وهكذا ، فإنَّ رَحْمَةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بعبادِهِ إنما هيَ تعبيرٌ عَنْ عِزَّتِهِ وبِرِّهِ بهِم ، وتوبتِهِ عليهِم ، ومغفرَتِهِ لهم. [32]

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 163).

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (الطُّورُ ، 52: 28).

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 160).

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤١﴾‏ إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 42).

كما وّرَدَ هذا الاسمُ 81 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ وَحْدَهُ ، أيْ "رَحِيماً" ثَلاثَ مَرَّاتٍ (الأحْزَابُ ، 33: 43). كما جاءَ مُقْتَرِنَاً مَعَ أسماءٍ أُخرى ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هي: "رَبٌ" مّرَّةً واحِدَةً (يَس ، 36: 58) ، و "وَدُودٌ" مّرَّةً واحِدَةً (هُودُ ، 11: 90) ، و "تَوَّابٌ" مّرَّةً واحِدَةً ، و "تَوَّابَاً" مّرَّتَيْنِ ، و "رَؤوفٌ" تِسْعَ مّرَّاتٍ ، و "غَفُورَاً" 15 مَرَّةً ، و "غَفُورٌ" 49 مَرَّةً. وهكذا ، فإنَّ رَحْمَةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بعبادِهِ إنما هيَ تعبيرٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ لهم ، و وَدُودِهِ نَحْوَهُم ، ورَأفَتِهِ بِهِم ، وتوبتِهِ عليهِم ، ومغفرَتِهِ لهم.

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (الأحْزَابُ ، 33: 43).

سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (يَس ، 36: 58).

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (هُودُ ، 11: 90).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 12).

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (الْحَدِيدُ ، 57: 9).

فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (المائدةُ ، 5: 39).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ بِهِ ، بقولِ: "يا رَحِيمُ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حولَهُ ، مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ وعطفِهِ ورزقِهِ وعنايتِهِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الرَّحِيمَ" أو "رَحِيمَ" ، أي لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، القادرُ على إسباغِ رحمتِهِ على جميعِ خلقهِ ، وخاصةً على المؤمنينَ منهم. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِم لخالقِهِم ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُقَدِّمَ الشُّكرَ والعرفانَ "للرَّحِيمِ" ، على نِعَمِهِ التي لا تُحصى على جميعِ خلقِهِ ، وعلى المؤمنينَ بصفةٍ خاصةٍ. كما أنَّ التخلقَ بمعانيَ هذا الاسمِ يعني معاملةَ خَلْقِ اللهِ بالرحمةِ والعطفِ والرعايةِ والمساعدةِ ما أمكنْ ، ويشملُ ذلكَ الإنسانَ والحيوانَ بصفةٍ عامةٍ ، والضعفاءَ والقاصرينَ على وجهِ الخصوصِ.

6. أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

"أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أرْحَمُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي تمَّ تناوُلُهُ في اسمي "الرَّحْمَـٰنِ" و "الرَّحِيمِ." أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّاحِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ أيضاً مِنَ نفسِ الفعلِ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ أكثرُ رحمةً على خَلْقِهِ عامةً ، وعلى عبادِهِ المؤمنينَ بشكلٍ خاصٍ ، مِنْ أيٍّ مِنهُم.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلك في دُعَاءِ موسى ، عليهِ السلامُ ، لربِّهِ بأنْ يُدخلَهُ هوَ وأخاهُ في رحمتِهِ ، ويغفرَ لهما ، وذلك حتى لا يقعُ غضبُهُ عليهِما نتيجةً لعبادةِ قومِهِما للعجلِ ، أثناءَ غيابِ موسى. فكانَ دعاؤه لربِّهِ ، "أرْحَمِ الرَّاحِمِينَ" ، حتى يُعَظِّمَ الاستجابةَ بالرحمةِ لهما (الأعْرَافُ ، 7: 151).

كما أنَّ يعقوبَ ، عليهِ السلامُ ، دعا ربَّهُ باسمِ "أرْحَمِ الرَّاحِمِينَ" ، حتى يضمنَ أكبرَ قدرٍ من رحمةِ اللهِ وحفظهِ لولدِهِ ، بنيامين ، الذي طلبَ أخوتُهُ أنْ يرافقَهم إلى مصرَ. فكانَ يعقوبُ غيرَ مرتاحٍ لذلكَ الطلبِ ، لأنهم لم يحافظوا على أخيهِ ، يوسفَ ، مِن قبلُ (يُوسُفُ ، 12: 64).

كذلكَ ، دعا يوسفُ ، عليهِ السلامُ ، ربَّهُ باسمِ "أرحمِ الراحمينَ" ، ليغفرَ لإخوتِهِ ويرحَمَهُم على ما فعلوهُ بهِ وهو صغير ، مِنَ التخلصِ منهُ ، بإلقائِهِ في الجُّبِّ (يُوسُفُ ، 12: 92). ومثلُهُ فعلَ أيوبُ ، عليهِ السلامُ ، الذي نادى "أرحمَ الراحمينَ" ، بأنْ يشفيَهُ من مرضِهِ الذي أصابَهُ لوقتٍ طويلٍ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 83).

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 151).

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 92).

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأنْبِيَاُء ، 21: 83).

وقد جعلَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، "الرَّحْمَةَ" في قلوبِ الكثيرينَ من البشرِ والجنِّ والملائكةِ ، ولكنَّ رحمتَهُ لمخلوقاتِهِ أكبرُ بكثيرٍ مِنْ رحمتِهِم لبعضهِم ، فهوَ "أرحمُ الراحمينَ." ولذلكَ ، فَمِنَ الأجدى الدعاءُ إلى اللهِ بهذا الاسمِ ، الذي سمَّى بهِ نفسَهُ ، عندَ طلبِ رحمتِهِ التي "وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ" ، كما أخبرَنا في كتابِهِ الكريمِ (الأعْرَافُ ، 7: 56). ويكونُ التوجهُ بالدعاءِ إلى اللهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحسنى ، بقولِ: "يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ" ، ثمَّ سؤالِهِ ، جلَّ وعلا ، بأنْ يحفظَ الداعيَ ومَنْ حَوْلَهُ مِن كلِّ سوءٍ ، وأن يشملَهُم برحمتِهِ.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أَرْحَمِ" أو "الرَّاحِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل. ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "أرحمَ الراحمينَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، القادرُ على إسباغِ رحمتِهِ على جميعِ خلقهِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِم لخالقِهِم ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تبارَكَ وتعالى.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، فيعاملُهم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ما أمكنهُ ذلكَ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ دائمَ السؤالِ لربِّهِ بالرحمةِ لهُ ولِمَن يُحِبُّ ، وألَّا يقنطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مهما كانتْ الظروفُ ، كما أوصاهُ رَبُّهُ في كتابِهِ العزيزِ:

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الزُّمَرُ ، 39: 53).

7. خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

"خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّاحِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ.

ويشتركُ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ في اسمِ التفضيلِ ، "خَيْرُ" ، معَ تسعةِ أسماءٍ مُرَكَّبَةٍ أخرى ، هيَ: خَيْرُ الْغَافِرِينَ ، وخَيْرُ الرَّازِقِينَ ، خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ، وخَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، وخَيْرُ النَّاصِرِينَ ، وخَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، وخَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، وخَيْرُ الْوَارِثِينَ ، وخَيْرُ الْمُنْزِلِينَ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الرَّاحِمِينَ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الأكثرُ والأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ رحمةً لِخَلْقِهِ عامةً ، ولِعِبَادِهِ المؤمنينَ بشكلٍ خاصٍ ، مِنْ أيٍّ مِنهُم ، لأنَّ رحمتَهُ صِفَةٌ فيهِ ، يُنْزِلُهَا على خَلْقِهِ ، بمعزلٍ عنْ أفعالِهم. وهي أوسعُ وأشملُ وأدومُ مِنْ صِفَةِ الرحمةِ التي وضعها فيهِمِ ، كما يتجلى ذلكَ في قُرْبِهِ منهم ، وإشْفَاقِهِ وعَطْفِهِ عليهِم ، وإحْسَانِهِ إليهم ، ورِزْقِهِ لهم في بيئاتِهم المختلفةِ.

وقد ذُكرَ "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرتينِ في سياقٍ واحدٍ في القرآنِ الكريمِ ، حيثُ يخبرُنا رَبُّنَا ، سبحانهُ وتعالى ، في الآياتِ الكريمةِ 101-111 مِن سورةِ "المُؤْمِنُونَ" (23) ، عمَّا سيجري لفريقينِ مِنَ الناسِ في اليومِ الآخِر. يتكونُ الفريقُ الأولُ مِنَ المؤمنينَ الذينَ كانوا يعبدونَهُ في الحياةِ الدنيا ، وكانوا يدعونَهُ ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، وذلكَ بالتوجِهِ إليهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، وهوَ "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 109). فجزاؤهم الفوزُ بجنتِهِ ، خالدِينَ فيها أبداً. فهؤلاءِ هُمُ الذينَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُم ، "فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 102).    

ويتكونُ الفريقُ الثاني مِنَ الذينَ كانوا يُكَذِّبُونَ بآياتِ اللهِ ، ويسخرونَ مِنَ المؤمنينَ الصابرينَ ، ويضحكونَ عليهِم ، لا لشيءٍ إلا لأنهم كانوا يعبدونَ ربَّهُم ويدعونَهُ ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، بالتوجهِ إليهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فهؤلاءِ هم ُ الذينَ خَفَّتْ مَوَازِينُهُم ، "فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 103). ويختمُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، السورةَ الكريمةَ بالتأكيدِ للمؤمنينَ على أهميةِ التوجهِ لهُ بالدعاءِ ، ليغفرَ لهم ويرحمَهم ، وذلكَ بذكرِ اسمِهِ ، "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" (المُؤْمِنُونَ ، 23: 118) ، حتى يكونوا مِنَ الفائزينَ برضائِهِ وجنةِ خُلْدِهِ.

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (المُؤْمِنُونَ ، 23: 109).

وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (المُؤْمِنُونَ ، 23: 118).

وقد وَرَدَتْ الإشارةُ إلى اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، أنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أيِّ شَيْءِ أو أحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وذلكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريم. فجاءَ ذلكَ في سياقِ إعلانِ السَّحَرَةِ بأنَّهم قد آمنوا بِرَبِّهِم ، الذي وصفوهُ بأنَّهُ خَيْرٌ وأبقى لهم. وذلك َ يعني أنَّهُ ، جَلَّ وعَلا ، أفضلُ وأحسنُ وأنفعُ لهم مِنْ فرعونَ ، لأنَّهُ وَعَدَ المؤمنينَ بالمغفرةِ لخطاياهُم ، وبالخلودِ في الجنةِ . أمَّا فرعونُ ، فلمْ يَعِدْهُمْ إلا بما مَلَكَ في هذهِ الدُّنيا الزَّائلةِ (طه ، 20: 73). وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً في سياقِ ذِكْرِ قصةِ صاحِبِ الجَنَّتيْنِ الذي كَفَرَ بأنْعُمِ اللهِ عليهِ ، وتَكَبَّرَ على صاحِبِهِ ، فعاقبَهُ اللهُ بتدميرِهِما. أمَّا صاحِبُهُ المؤمنُ ، فقد وعَدَهُ اللهُ بأنَّهُ خَيْرٌ لهُ ، وذلك بالثوابِ الدَّائمِ وحُسْنِ العاقبةِ في الآخِرَةِ (الكهف ، 18: 44).

إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (طه ، 20: 73).

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (الكهف ، 18: 44).

كما جاءَ هذا الوصفُ للهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، في سياقِ ما قالَهُ يعقوبُ ، عليهِ السلامُ ، لبنيهِ ، عندما طلبوا منهُ السماحَ لهم بأخذِ أخيهم معهم إلى مصرَ. فأجابَهم بأنهُ لا يأمنُهم عليه ، لكنهُ يأمنُ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لأنهُ خَيْرٌ منهم في الحفاظِ عليهِ (يُوسُفُ ، 12: 64). وجاءَ أخيراً معَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ خَيْرٌ مِمَّن أشركَ بهِ المشركونَ ، أي أنهُ أفضَلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ لِمخلوقاتِهِ منهم (النَّمْلُ ، 27: 59).

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (النَّمْلُ ، 27: 59).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ." أنتَ خَيْرٌ حَافِظًا ، وَخَيْرٌ ثَوَابًا ، وَخَيْرٌ عُقْبًا. أللهمَّ احفظني مِنْ كُلِّ سوءٍ ، واكتبْ لي خَيْرَ الثوابِ على ما أقومُ بهِ مِنْ عملٍ في طاعتِكَ ورضاكَ ، واجعلْ الجنَّةَ عُقْبَى الدَّارِ لي ولأهلي وللمؤمنينَ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "خَيْرَ الرَّاحِمِينَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في رحمتِهِ لِخَلْقِهِ مِنْ أيِّ رَحِيمٍ آخَرَ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادَتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الرَّاحِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على ثقةٍ تامةٍ بأنَّ اللهَ هو "خَيْرُ الرَّاحِمِينَ" ، فيتوجَهُ إليهِ بطلبِ رحمتِهِ لهُ ولِمَنْ يُحِبُّ ، في كل حال. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، نافعاً لهم ، يُعَامِلُهُم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ، ما أمكنهُ ذلكَ.

8. ذُو الرَّحْمَةِ

"ذُو الرَّحْمَةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، التي تَجُرُّ ما بعدَها ، والَّتِي تُرْفَعُ بالواوِ ، وتُنْصَبُ بالأَلفِ ، وُتَجَرُّ بالياءِ ، ويعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، وَهيَ: ذُو الرَّحْمَةِ ، وَذُو مَغْفِرَةِ ، وَذُو الْقُوَّةِ ، وَذُو الْفَضْلِ ، وَذُي الطَّوْلِ ، وَذُو عِقَابٍ ألْيمٍ ، وَذُو انْتِقَامٍ ، وَذُي الْمَعَارِجِ ، وَذُو الْعَرْشِ ، وَذُو الْجَلالِ وَالْإكْرَامِ. [33]

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّحْمَةُ" ، فإنها تعني العطفَ والشفقةَ والرعايةَ والمغفرةَ والنِّعْمَةَ والْخَيْرَ. وهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَحِمَ" ، الذي يعني رَقَّ ، وعَطَفَ ، وأحْسَنَ إلى ، ورَزَقَ ، وقَرُبَ مِنْ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذا الرَّحْمَةِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مالِكُ الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِهِ ، ينشرُها عليهِم كيف يشاءُ ، فيعطِفُ عليهِم ، ويرعاهُم ، ويغفرُ لِمَن يشاءُ منهُم ، ويرزقُهم ، ويوفرُ لهم ما يحتاجونَهُ للحياةِ في بيئاتِهِم المُختلفةِ.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مرتينِ مُعَرَّفَاً ، ومرةً واحدةً مُنَكَّرَاً ، وذلك في سياقِ التذكيرِ بأنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ الغنيُّ عن إيمانِ مخلوقاتِهِ بِهِ وعبادتِهِم لهُ. فعلى الرغمِ من ظلمِ وعصيان الكثيرينَ مِنَ الناس ، فإنهُ "ذُو الرَّحْمَةِ" ، الذي أبقى على الجنسِ البشريِّ ، مع أنهُ قادرٌ على عقابِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى استخلافِ غيرِهِم على الأرضِ (الأنْعَامُ ، 6: 133).

وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً في سياقِ تذكيرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للناسِ ، بأنهُ "ذُو الرَّحْمَةِ" ، ولولا مغفرتُهُ ورحمتُهُ ، لعجَّلَ العذابَ للمعاندينَ الذينَ يرفضونَ آياتِ ربِّهِم في هذهِ الدنيا ، ولكنهُ شاءَ أن يؤجلَ عذابَهم إلي الآخِرةِ ، عسى أنْ يرجعوا عن عصيانِهم ويتوبوا إليه (الْكَهْفُ ، 18: 58).

كما جاءَ هذا الاسمُ في سياقِ تخفيفِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، عَنْ رسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، عندما كذَّبَهُ قومُهُ. فقالَ لَهُ أنهُ لا ينبغي أنْ تذهبَ نفسُهُ حسراتٌ عليهِم (فَاطِرُ ، 35: 8). فما عليهِ نحوَهُم إلَّا "الْبَلَاغُ الْمُبِينُ" (النَّحْلُ ، 16: 82). وليسَ عليهِ أنْ يُكْرِهَ الناسَ على الإيمانِ بربِّ العالَمينَ (يُونُسُ ، 10: 99).  [34]

ولذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، أوصى رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنْ يقولَ للذينَ كذَّبوهُ بأنَّ اللهَ "ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ" ، لِيُحَبِّبَهُم في الإيمان بِهِ. ولكنَّ عذابَهُ سيقعُ على المجرمينَ مِنْهُم ، لا محالةً ، في اليومِ الآخِر (الأنْعَامُ ، 6: 147).

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 133).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا (الْكَهْفُ ، 18: 58).

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 147).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا الله! أنتَ ذُو الرَّحْمَةِ." ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بالرحمةِ للداعيَ ومَن حولَهُ ، ومَنْ ماتَ مِنَ الأقاربِ والأعزاءِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "ذَا الرَّحْمَةِ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ. فهوَ مالِكُ الرحمةِ الواسعةِ لجميعِ خلقِهِ ، ينشرُها عليهِم كيف يشاءُ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ المخلوقِ "عبدَ الرَّحِيمِ" ، اعترافاً بعبادَتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "ذُو" أو "الرَّحْمَةِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قَبْلُ.  

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على ثقةٍ تامةٍ بأنَّ رحمةَ اللهِ واسعةٌ ، تكفي لإسباغِها على جميعِ خلقِهِ ، إنْ شاءَ. ولذلكَ ، فعليهِ ألَّا يترددَ في لهُ ولِمَنْ يُحِبُّ ، في كل حال. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ رحيماً بخلقِ اللهِ ، فَيُعَامِلُهُم بالحُسنى والعطفِ والرعايةِ ، ويَمُدُّ لهم يَدَ المساعدةِ ، ما أمكنهُ ذلكَ.  

9. الْمَلِكُ

"الْمَلِكُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يعني استولى على شيءٍ ، واستحوذَ عليهِ ، وتمكنَ مِنْهُ ، وقدِرَ عليهِ ، وأصبحَ لهُ التصرُّفُ فيهِ. كما يعني أنهُ سيطرَ وتغلَّبَ عليهِ ، وتحكَّمَ فيهِ. وهوَ يشترِكُ في هذا الاشتقاقِ معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هيَ: "الْمَلِيكُ" ، و "مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ" ، و "مَالِكُ الْمُلْكِ" ، كما سيأتي بيانُهُ لاحِقاً.  

وكأحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَ "الْمَلِكَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هُوَ الحاكمُ المُطْلَقُ ، مِن غيرِ منازعٍ ، في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما في ذلكَ السماواتِ والأرضينَ والكُرسيِّ والعرشِ ، وما فيهم مِن مخلوقات. وهوَ "القَدِيرُ" على كُلِّ شيءٍ (الْمُلْكُ ، 67: 1) ، وهو الْقَهَّارُ لخلقِهِ جميعاً ، في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَةِ. وعندما يقفُ خلقُهُ أمامَهُ للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، فإنهُ يسألُهُم: "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟" فلا يُجيبُهُ أحدٌ مِنْهُم. فَيُجِيبُ هوَ بأنهُ "لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (غَافِرُ ، 40: 16) ، ويقولُ بأنهُ لهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "الْمَلِكُ" ، "الْجَبَّارُ" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [35]

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

وقد ذُكِرَ "الْمَلِكُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، وهوَ "الْحَقُّ" ، ليعني أنهُ بالفعلِ "مَلِكُ" السماواتِ والأرضِ ، ومَنْ فيها ، الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ (طَهَ ، 20: 114). كما أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "الْمَلِكُ الْحَقُّ" الذي يحكمُ بينَ خلائقِهِ ، بما فيهم الملائكةِ الحافينَ بعرشِهِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 59). وجاءَ اسمُ "الْمَلِكِ" معَ أسماءٍ أخرى من أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي تُضفي معانيَ وصفاتٍ أخرى لهُ ، وهيَ: "الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ" (الْحَشْرُ ، 59: 23). وجاءَ مُقترناً أيضاً معَ "الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طَهَ ، 20: 114).

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 59).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

والجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ أسمَ "الْمَلِكِ" جاءَ كأولِ أسماءِ اللهِ الحُسنى في الآيةِ 23 من سورةِ الْحَشْرُ (59) ، وهيَ السورةُ التي تتضمنُ 19 اسماً مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في الآياتِ الثلاثِ الأخيرةِ مِنها ، كما يلي:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾‏ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾‏ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾‏ (الْحَشْرُ ، 59: 22-24).

وأجادَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، في تطبيقِهِ لمعنى هذا الاسمِ من أسماءِ اللهِ الحُسنى على البشرِ. فقال بأنَّ الْمَلِكَ من العبادِ هوَ الذي لا يملُكُهُ إلا الله ، أي أنهُ الذي لا يَدَعُ شهوتَهُ وغضبَهُ وهواهُ مِن أنْ تملُكَهُ. بل هوَ الذي يملُكُها ويسيطرُ عليها ، وعلى لسانهِ وعينيةِ ويديهِ وسائرِ أعضائِهِ. فإذا مَلَكَهَا ولم تَمْلُكْهُ ، وأطاعتْهُ ولم يُطِعْها ، فقد نالَ درجةَ الْمُلْكِ في حياتِهِ ، وتقرَّبَ بها إلى اللهِ ، سبحانه وتعالى ، بعدَ مماتِهِ. 

ويُمْكِنُ التوجهُ بالدعاءِ إلى اللهِ بهذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحسنى ، بقولِ: "يا مَلِكَ المُلُوكِ ، وصاحبَ الملكوتِ" ، ثمَّ سؤالُهُ ، جلَّ وعلا ، بالحمايةِ مِن جَوْرِ الحكامِ وطغيانِهِم. ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "المَلِكَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وَحْدَهُ ، المَلِكُ على مملكتِهِ كلِّها ، بما في ذلكَ مِن عرشٍ وكُرسيٍ وسماواتٍ وأرضين. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَلِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، عزَّ وجل. وعلى الرغمِ مِن أنَّ أحداً مِنَ الناسِ يمكنُ أن يصبحَ مَلكاً ، إلا أنَّ ذلكّ لقبٌ لهُ ، ولا ينبغي أن يكونَ اسماً ، لا مُعرفاً ولا مُنكراً.

والتخلقُ بمعاني هذا الاسمِ يعني الرأفةَ والرعايةَ للرعيةِ ، والحكمَ بينَ الناسِ وعليهِم بما أنزلَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى. كما يعني أنْ تتحكمَ النفسُ في أهوائِها ، فلا تشطُطُ يميناً أو يساراً ، وإنما تَبْقَى على صراطِ اللهِ المستقيمِ.

10. الْمَلِيكُ

"الْمَلِيكُ" أسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، كما تمَّ ذِكْرُهُ مِنْ قبلُ. وهوَ في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرَ ، هو "مَالِكُ" ، وفي صيغةِ تعظيمٍ مِنَ اسمِ "الْمَلِكِ."

وكأحدِ أسماء الله الحسنى ، فإنَّ "الْمَلِيكَ" يعني أنهُ ، عزَّ وجلَّ ، عزيزُ المُلكِ وواسِعُهُ. وقد جاءَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في وصفِ مكانةِ المتقينَ في الجنةِ ، بأنهم سيكونونَ بالقربِ من ربِّهمِ ، القادرِ على كلِّ شيءٍ يريدُهُ (الْقَمَرُ ، 54: 54-55).

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾‏ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴿٥٥﴾‏ (الْقَمَرُ ، 54: 54-55).

ويمكنُ الاستفادةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى بالرجوعِ إلى ما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْمَلِكِ" أعلاهُ.

11. مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ

"مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثلاثِ كلماتٍ. أوَّلُها "مَالِكُ" ، وهوَ اسم صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، والذي يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يملكُ ، أي يحكمُ ، ويسيطرُ ، ويستحوذُ على ، ويتصرفُ في ، ويقدِرُ على ما في الْكَوْنِ ومَنْ فيهِ. أما كَلِمَتَا "يَوْمِ الدِّينِ" فهما تشيرانِ إلى ظرفِ زمانٍ ، هوَ "اليومُ الآخِرُ" ، "يَوْمُ الْحِسَابِ" ، الذي تُقضى فيهِ دُيُونُ الخلقِ أمامَ مَالِكِ ذلكَ اليومِ ، وهوَ خالِقُهُم العظيمُ.

وقد ذُكرَ اسمُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الرابعةِ من سورةِ الفاتحةِ ، التي تفتتحُ كتابَ اللهِ بتعريفِ خلقِهِ بأنهُ هوَ اللهُ ، الرَّحْمَٰنُ ، الرَّحِيمُ ، رَبُّ الْعَالَمِينَ ، مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾‏ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾‏ (الْفَاتِحَةُ ، 1: 4).

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ" يعني أنهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ وحدَهُ الذي لهُ الحكمُ والسيطرةُ والتصرفُ والقُدرةُ في ذلكَ اليومِ. فهوَ المالكُ الوحيدُ لملكوتِهِ الواسعِ في يومِ الدين. فعلى الرغمِ مِن أنَّ خلقَهُ يملكونَ أشكالاً مختلفةً مِنَ الْمِلْكِيَاتِ أثناءَ حياتِهم الدُّنيا ، مِنْ عقاراتٍ وأموالٍ ونفوذٍ وسلطانٍ ، إلا إنهم يأتونَ في يومِ الدينِ لا حولَ لهم ولا قوةً ، مجردينَ مِن أيةِ ملكيةٍ كانتْ لهم مِن قبلُ ، إلا مِنْ أعمالِهِم. فإنْ كانتْ صالحةً ، فلهم جناتُ النعيمِ ، التي وَعَدَهُم بها مالكُ ذلكَ اليومِ. أما إنْ كانوا مِنَ الذينَ كفروا باللهِ وآياتِهِ في الحياةِ الدُّنيا ، فلهم العذابُ المُهينُ في نارِ جهنمَ ، التي تَوَعَدَهُم بِهِ ربُّ العالمينَ ، كما جاءَ في كتابِهِ الكريمِ (الْحَجُّ ، 22: 56-57).

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٥٦﴾‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥٧﴾‏ (الْحَجُّ ، 22: 56-57).

كما أنَّ يومَ الدينِ هوَ أيضاً يومَ الفصلِ بينَ الناسِ مِنَ الإنسِ والجنِّ وبينَ الملائكةِ فيما اختلفوا فيهِ في الحياةِ الدُّنيا ، حيثُ يقفونَ أمامَ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" للفصلِ بينهُم ، ولا يتكلمُ أحدٌ منهُم إلا بعدَ أنْ يأذنَ لهُ الرَّحْمَـٰنُ ، ولا يقولُ إلا الحقَ والصوابَ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 22: 17 ، 55: 39 ، 39: 75 ، 78: 38 ، كما يلي:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْحَجُّ ، 22: 17).

... وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (هُودُ ، 11: 119).

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الزُّمَرُ ، 39: 75).

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النَّبَأُ ، 78: 38).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ" ، ثمَّ رجاؤُهُ ، جلَّ وعلا ، بالرحمةِ والرفقِ والمغفرةِ للداعي ومَن حولَهُ ، عندَ الوقوفِ أمامَهُ في يومِ الدينِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ " ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ في ذلكَ اليومِ العظيم ، الذي تقفُ فيهِ مخلوقاتُهُ المكلَّفةُ كلُّها أمامَهُ للحسابِ ، مِن ملائكةٍ وجنٍ وإنس ، لا حولَ لهُم جميعاً ولا قوةً. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَالِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، عزَّ وجل. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "مَالِكِ" أو " يَوْمِ الدِّينِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى جاهداً لكي تتحكمَ نَفْسُهُ في أهوائِها ، فلا تَشْطُطُ يميناً أو يساراً ، وإنما تَبْقَى على صراطِ اللهِ المستقيمِ. كما أنَّ عليهِ الحُكمَ بينَ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم بما أنزلَ اللهُ مِنْ عدلٍ ورأفةٍ ورعايةٍ ، "فَكُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسؤولٌ عَنْ رعيتِهِ" ، كما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. [36]

 

12. مَالِكُ الْمُلْكِ

"مَالِكُ الْمُلْكِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ مشتقتينِ مِنَ الفعلِ "ْمَلَكَ" ، الذي يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، والذي يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يملكُ ، أي يحكمُ ، ويسيطرُ ، ويستحوذُ على ، ويتصرفُ في ، ويقدِرُ على ما في الْكَوْنِ ومَنْ فيهِ.

وذَكرَ المفسرونَ الثلاثة أن "مَالِكَ الْمُلْكِ" ، عزَّ وجلَّ ، قد أنزلَ آخِرَ رسالاتِهِ على خاتَمِ رسلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، تكريماً وتشريفاً لهُ وللعربِ الذينً آمنوا بِهِ ، بعد أنْ نزعَ ذلكَ الشرفَ العظيمَ مِنْ بني إسرائيلَ ، الذينَ كانتْ رسالاتُهُ تتنزلُ على أنبيائِهِم ورُسُلِهِم ، وذلكَ لعصيانِهِم ، وقتلِهِم الأنبياءِ ، وتكذيبِهِم لرسولِ اللهِ عيسى ، عليهِ السلام. ونقلَ القرطبيُّ تفسيرَ مُجاهدٍ والزَّجَّاجِ ، لِلْمُلْكِ بأنهُ النبوةُ والغلبةُ والمالُ والعبادُ وما ملكوا في الدُّنيا والآخرة. وأضافَ بأنَّ ذلكَ إشارةٌ إلى إعطاءِ ممتلكاتِ الدولتينِ الفارسيةِ والرومانيةِ إلى المسلمينَ ، ليحكموا فيها بدينِ الله.

وقد ذُكرَ اسمُ "مَالِكُ الْمُلْكِ" مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، مَالِكٌ لجميعِ أشكالِ المِلْكِياتِ ، يُعطي منها لِمَنْ يشاءُ ويَنْزِعُها مِمَّنْ يشاءُ. كما أنهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ ، فَيُعِزُّ مَن يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ ، وهوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

ووردتْ كلمةُ "الْمُلْكِ" ، مُعَرَّفَةً ، عشرينَ مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها إحدى عشرةَ مرةً في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كمالكٍ للمُلْكِ كُلَّهِ في الدُّنيا والآخرةِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26). كما وردتْ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنَّ: "لَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ" (الأنْعَامُ ، 6: 73) ، وأنَّهُ "لَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" (الإسْرَاءُ ، 17: 111) ، وأنَّ "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ" (الْحَجُّ ، 22: 56) ، وأنَّهُ "الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ" (مرتانِ في "الْفُرْقَانُ" ، 25: 2) ، وفي قولِهِ: "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ" (الْفُرْقَانُ ، 25: 26) ، و "رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ" (فَاطِرُ ، 35: 13) ، و "ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ" (الزُّمَرُ ، 39: 6) ، و "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (غَافِرُ ، 40: 16) ، و "لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التَّغابُنُ ، 64: 1) ، وفي قولِه: "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمُلْكُ ، 67: 1).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 111).

كما وردتْ هذهِ الْكَلِمَةُ مُنَكَّرَةً ثمانٍ وعشرينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريم ، منها تِسْعَ عشرةَ مَرَّةً في الإشارةِ إلى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، لَهُ ”مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ( مثلما جاءَ في آلِ عِمْرَانَ ، 3: 189) ، وأنَّ لَهُ "مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" (الْمَائِدَةُ ، 5: 17). كما جاءتْ في وصفِ الجنَّةِ: "وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا" (الإنْسَانُ ، 76: 20) ، وفي ذِكْرِ أنَّ اللَّهَ "يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 247).

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 189).

... وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا مَالِكَ الْمُلْكِ" ، ثمَّ الطلبُ منه ، جلَّ وعلا ، التوفيقَ فيما يسعى إليهِ الطالبُ من متاعِ الدُّنيا الزائلِ. والأهمُّ من ذلكَ الاتعاظُ مِن تداولِ المُلْكِ بينَ الناسِ ، كلما نُزِعَ مِن بعضِهِم وأُعطِيَ لآخرين.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "مَالِكَ الْمُلْكِ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ في ذلكَ اليومِ العظيم ، الذي تقفُ فيهِ مخلوقاتُهُ المكلَّفةُ كلُّها أمامَهُ للحسابِ ، مِن ملائكةٍ وجنٍ وإنس ، لا حولَ لهُم جميعاً ولا قوةً. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ المَالِكِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، عزَّ وجل. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "مَالِكِ" أو "الْمُلْكِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يتذكرَ دائماً بأنَّ مُلْكَ السماواتِ والأرضِ كُلَّهُ للهِ ، تبارّكَ وتعالى ، فلا يَغُرَّنَهُ امتلاكُ المالِ والعقارِ في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، لأنهُ زائلٌ لا محالةَ. أمَّا ما لهُ عندَ اللهِ ، مِنْ عملٍ صالحٍ ، فهوَ باقٍ ودائمٌ لهُ في ميزانِ حسناتِهِ ، وفي الثوابِ الذي ينتظرُهُ عندّ "مَالِكِ الْمُلْكِ" ، في جَنَّةِ خُلْدِهِ.

13. الْقُدُّوسُ

"الْقُدُّوسُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "قَدَّسَ" ، الذي يعني صَلَّى للهِ ، وَعَظَّمَهُ ، وَبَجَّلَهُ ، وَنَزّهَهُ عَمَّا لا يَلِيقُ بِألُوهيِّتِهِ. وَقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "الْمَلِكِ" ، في الآيتينِ الكريمتينِ اللتينِ تشتملانِ على عشرةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الحشر ، 59: 23) ، والْحَكِيمُ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

.هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (الْجُمُعَةُ ، 62: 1).

و "الْقُدُّوسُ" هوَ المُطْلَقُ في كمالِهِ وجمالِهِ وجلالِهِ. وهو المتنزهُ "عن كلِّ وصفٍ يُدْرِكُهُ حسٌ أو يتصورُهُ خيالٌ ، أو يسبقُ إليه وهمٌ ، أو يختلجُ بهِ ضميرٌ أو يقضي بهِ تفكيرٌ" ، كما قال الغزالي. وذكرَ المفسرونَ الثلاثةُ أنَّ "الْقُدُّوسَ" هوَ "المُبَارَكُ" و "الطَّاهِرُ" ، الذي تقدسهُ الملائكةُ. واستدلَّ القرطبيُّ في كتابِهِ ، "الأسنى" ، على ذلكَ مِن وصفِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للأرضِ المقدسةِ بأنها الأرضُ المباركةُ. فقد ذَكَرَ "الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ" (في المائدة ، 5: 21) ، ثُمَّ وصفها بأنها التي بَارَكَ فيها (الأنْبِيَاءُ ، 21: 81).

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 21).

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 81).

كما أنَّ "الْقُدُّوسَ" هوَ الذي تُقَدِّسُهُ الملائِكَةُ ، تسبيحاً وتحميداً وتعظيماً ، اعترافاً منهم بإلهيتِهِ وربوبيتِهِ لهم ، ولكلِّ مَنْ هوَ في ملكوتِهِ العظيمِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 2: 30 ، وفي الآيةِ الكريمةِ 62: 1 الآنفةِ الذكرِ.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 30).

وهناكَ كلمةٌ أخرى مشتقةٌ مِنَ الفعلِ "قَدَسَ" ، وهيَ "الْقُدُسُ" التي جاءتْ في الإشارةِ إلى جبريلَ ، عليهِ السلامُ. فقد وصفهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، مَرَّةً بأنهُ "رُوحُ الْقُدُسِ" (النَّحْلُ ، 16: 102) ، ومَرَّةً أخرى "رُوحَنَا" ، تكريماً وإشادةً بهِ (مَرْيَمُ ، 19: 17).

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (النَّحْلُ ، 16: 102).

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 17).

وهكذا ، فإنَّ "الْقُدُّوسَ" هُوَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المباركُ ، الطاهرُ ، المطلقُ في صفاتِ الكمالِ والجمالِ والجلالِ. وهوَ أهلٌ للعبادةِ والحمدِ والتسبيحِ والتعظيمِ والتبجيلِ والتنزيهِ مِن خلقهِ جميعاً ، وخاصةً المُكلَّفينَ منهم ، مِن ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍ ، اعترافاً بإلاهيتِهِ وربوبيتِهِ وأفضالِهِ ونِعَمِهِ عليهِم ، التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "يا "ْقُدُّوسُ" ، وذلكَ ثناءً وحمداً وتنزيهاً لهُ ، تباركَ وتعالى ، ثمَّ بطلبِ الحصولِ على بركتِهِ والمزيدِ مِنْ نعمتِهِ في هذهِ الدُّنيا ، وعلى جزائهِ الأوفى في الآخِرةِ. وكانَ النبيُّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، يقولُ في ركوعِهِ وسجودِهِ ، بعدَ التسبيحِ: "سبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائِكةِ والرُّوحِ." [37]

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْقُدُّوسَ" أو "قُدُّوسَ" ، أيْ لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرّاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، الذي تُسَبِّحُ لهُ السماواتُ والأرضُ ومَنْ فيهِنَّ (الإسْرَاءُ ، 17: 44) ، وتقدسهُ ملائكتُهُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 30) ، ويَحْمَدَهُ ويثني عليهِ المؤمنونَ مِن خلقهِ ، مِنْ جنٍ وإنس ، وتُسَبِّحُ له الطيرُ والجبالُ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 79). ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولاد "عبدَ "الْقُدُّوسِ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، وحدَهُ لا شريكَ له.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يَبْذُلَ ما في وسعهِ ليجعلَ أعمالَهُ تتحلى بالكمالِ والجمالِ والإتقانِ والوقارِ ، ما أمكنَهُ ذلك. ويُمْكِنُهُ ذلكَ أيضاً إذا ما تحكَّمَ في إشباعِ حاجاتِ نفسِهِ في حدودِ ما سمحَ لهُ ربُّهُ بِه ، وإذا ما كانَ دائمَ التفكيرِ في صِفاتِ الخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، وفي الكونِ ، وفي اليومِ الآِخِرِ. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ قائماً على عبادةِ ربِّهِ وطاعتِهِ في هذهِ الدُّنيا ، لا يُلهِهِ عن ذلكَ لَعِبٌ أو لهوٌ أو خيالٌ. وذلك تطبيقٌ لقول النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنَّ "اللهَ تعالى جَميلٌ يحبُّ الجَمالَ ، ويحبُّ مَعالِيَ الأَخلاقِ ، ويكرَهُ سَفسَافَهَا." [38]

14. السَّلَامُ

"السلامُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "سَلِمَ" ، الذي يعني نَجَا مِنَ الخطرِ ، وأَمِنَ على نفسِهِ ومَالِهِ ، وبَرِءَ مِنَ العيوبِ والآفاتِ والأذى. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "السلامَ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ مصدرُ السلامِ لخلقه. والسلامُ هوَ جوهرُ رسالاتِهِ لعبادِهِ ، التي أرسلها لهم من خلالِ رسلِهِ ، عليهم السلامُ أجمعين. وإذا ما أطاعَ الناسُ أوامرَهُ واجتنبوا نواهيهِ ، فإنهم سيتمتعونَ بالسلامِ ، أي بالأمنِ والاطمئنانِ في حياتِهِم الدُّنيا ، ويدخلونَ جنتهُ التي وصفها لهم بأنها "دارُ السلامِ" ، في الآخِرَة.

ومن معاني "السلامِ" سلامتُهُ ، عزَّ وجل ، من كلِّ نقصٍ أو عيبٍ ، مما استوجبَ تسبيحَ مخلوقاتِهِ لهُ في السماواتِ والأرضِ (الإسْرَاءُ ، 17: 44). وهو الذي سَلِمَ الخلقُ من ظلمهِ (يُونُسُ ، 10: 44) ، وهوَ المُسَلِّمُ على عبادِهِ في الجنةِ (الأحْزَابُ ، 33: 44). [39]

وقد ذُكرَ "السَّلَامُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "الْقُدُّوسِ" ، في الآيةِ الكريمةِ التي تشتملُ على تسعةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وذُكرت كلمةُ "السلامِ" ستَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، مما أظهرَ لنا جوانبَ مختلفةً من معانيها ، حسبَ كلِّ سياق. فجاءتْ لتعني التحيةَ (النِّسَاءُ ، 4: 94) ، والهدايةَ بالقرآنِ الكريمِ (الْمَائدَةُ ، 5: 16) ، وإلى تسميةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للجنةِ على أنها "دارُ السلامِ" (الأنعامُ ، 6: 127 ؛ يُونُسُ ، 10: 25). وجاءتْ أيضاً لتعني البركةَ التي جعلَها اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، في المسيحِ ، عليهِ السلامُ (مَرْيَمُ ، 19: 33). وجاءتْ كَبُشْرَى للذينَ يتَّبعونَ هُدى اللهِ بالسلامِ ، أي بالأمنِ والاطمئنانِ ، في الدنيا والآخرة (طَهَ ، 20: 47).

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (النِّسَاءُ ، 4: 94).

(وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (الْمَائدَةُ ، 5: 16).

لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 127).

وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (يُونُسُ ، 10: 25).

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (مَرْيَمُ ، 19: 33).

وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ (طَهَ ، 20: 47).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ." كما كان يفعلُ نبيُنا ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وذلكَ ثناءً وحمداً وتنزيهاً لهُ ، تباركَ وتعالى ، وطلباً للحصولِ على السلامِ مِن مصدرِ السلامِ ، في هذهِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ. [40]

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "السَّلَامَ" ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، في الدنيا والآخِرة. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ السَّلَامُ" ، بما يفيدُ العبادةَ للهِ ، لا إلهَ إلَّا هوَ ، وحدَهُ لا شريكَ له.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، إذا ما جاهدَ ليكونَ في سلامٍ داخليٍ في نفسِهِ وسلامٍ خارجيٍ مَعَ غيرهِ. والسلامُ في النفسِ يكونُ في تصالُحِ الجزئينِ المكونينِ لها ، بما يخدمُ النزوعَ إلى الحُلولِ الخيِّرةِ والقناعةِ والرضا ، وفي تنقيتِها منَ المشاعرِ السلبيةِ تجاهَ الأبرياءِ الغافلين. [41]

والسلامُ معَ الآخَرينَ يكونُ بعدمِ إلحاقِ الضررِ بهم. فالمسلمُ هوَ "مَنْ سلِمَ الناسُ مِنْ لسانِهِ ويدِهِ" ، والمؤمنُ هوَ "مَنْ أمِنَهُ الناسُ على دمائِهِم وأموالِهِم" ، كما جاء في الحديثِ الشريف. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فالأعمالُ الطيبةُ الخيِّرَةُ ، مِن إفشاءِ السلامِ وإطعامِ الطعامِ ووصلِ الأرحامِ وقيامِ الليلِ ، هي التي تُدخُلُ الناسَ الجنةَ ، أي دارَ السلامِ ، كما أخبرنا بذلكَ النبيُّ ، عليه الصلاةُ والسلام. [42]

15. الْمُؤْمِنُ

"الْمُؤْمِنُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "آمَنَ" بمعنى صَدَّقَ واتَّبَعَ ، ومِنَ الفعلِ "أمَّنَ" بمعنى حَافَظَ على ، وأعْطَى الأمَانَ ، وضَمِنَ السلامةَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي وصفَ اللهُ نفسَهُ بها ، فإنهُ يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مؤمنٌ بإلاهيتِهِ ، أي بأنَّهُ "لَا إلَهَ إلَّا هُوَ" ، وشَهِدَ على ذلكَ "هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18).

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 18).

وقد ذُكرَ "الْمُؤْمِنُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومُباشرةً بعدَ اسمِ "السَّلَامِ" ، في الآيةِ الكريمةِ التي تشتملُ على تسعةٍ مِنَ الأسماءِ الحُسنى ، هيَ: اللهُ ، الْمَلِكُ ، الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وَذَكَرَ الطبريُّ أنَّ "الْمُؤْمِنَ" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ الذي آمنَ بأنهُ الحقُّ ، جلَّ وعلا (آل عمران ، 3: 18). وأضافَ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ بأنهُ قد أمَّن خلقَهُ من أن يَظلِمَهُم (يُونُسُ ، 10: 44). وقال القرطبيُّ أنَّ أصلَ هذا الاسمِ هوَ الفعلُ "أمَّنَ" ، أي أنَّ اللهَ ، "الْمُؤْمِنَ" ، عزَّ وجل ، هو الذي أعطى الأمانَ للمؤمنينَ مِن ظلمهِ ومِنَ الخوفِ (قريش ، 106: 3-4) ، وأمَّنَ للمؤمنينَ الجنةَ ، التي وعَدَهُم بها (النِّسَاءُ ، 4: 122) ، وللكافرينَ النارَ التي توعَّدَهُم بها (التَّوْبَةُ ، 9: 68).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يُونُسُ ، 10: 44).

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾‏ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾‏ (قُرَيْشُ ، 106: 3-4).

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (النِّسَاءُ ، 4: 122).

وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (التَّوْبَةُ ، 9: 68).

وقد وردَ في الحديثِ الشريفِ ، أنَ "الْمُؤْمِنَ" هو "مَن أمِنَه المؤمنونَ على أنفُسِهم وأَموالِهم." وهكذا ، فإنَّ هذا المعنى يتفقُ مَعَ المعنى الذي تضمنتهُ الآيةُ الكريمةُ 106: 4 المذكورةُ أعلاه ، أي أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أمَّنَ المؤمنينَ بإعطائِهِم الأمانَ مِنْ أنْ يقعَ عليهِم ظلمٌ أو خوفٌ منهُ.

فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو ، رصيَ اللهُ عنهُ ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، يقولُ: "تَدرونَ مَن المُسلمِ؟ قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: مَن سلِمَ المُسلمونَ مِن لِسانِه ويدِه. قالَ: تَدرونَ مَن المؤمنُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: مَن أمِنَه المؤمنونَ على أنفُسِهم وأَموالِهم. والمُهاجِرُ مَن هجَرَ السُّوءَ فاجْتنَبَه." [43]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُؤمِنُ" ، بأنهُ لا إلهَ إلَّا أنتَ. اللهمَّ تقبلْ إيمانَنا وصالِحَ أعمالِنا خالِصَيْنِ لوجهكَ الكريمِ. اللهمَّ أمِّنَّا وسلِّمْنا مِن شرورِ الدنيا وعذابِ الآخِرةِ.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْمُؤمِنَ" لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو القادرُ على تأمين خلقهِ ورعايتهم ، في الدنيا والآخِرةِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْمُؤمِنِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ دائمَ الشهادةِ على أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، لا إلهَ إلُّا هوَ ، كما شهدَ اللهُ والملائكةِ وألو العلمِ بذلك. كما أنَّ عليهِ أنْ يكونَ دائمَ الحرصِ على أموالِ المؤمنينَ وأرواحِهِم ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [44]

16. الْمُهَيْمِنُ

"الْمُهَيْمِنُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "هَيْمَنَ" ، الذي يعني سَيْطَرَ وحَكَمَ وغَلَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، جلَّ وعَلا ، هوَ المسيطرُ على مخلوقاتِهِ كلِّها ، من عرشٍ وكُرسيٍ وسماواتٍ وأرضينَ ، وما فيهنَّ مِنْ ملائكةٍ وجنٍ وإنس. وهو الحاكمُ على سلوكِ مخلوقاتِهِ المكلَّفَةِ في الحياةِ الدُّنيا ، فيوفيهِم أجورَهم على ذلكَ في الآخِرة (غَافِرُ ، 40: 48). وهوَ المطَّلِعُ على أقوالِهِم وأفعالِهم ، سِرِّها وعلَنِها ، وسجَّلَ ذلكَ في كتابٍ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (الْكَهْفُ ، 18: 49) ، وهوَ الغالبُ على أمرِهِ (يُوسُفُ ، 12: 21).

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرُ (59) ، معَ ثمانيةٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ مِنْ قبلُ.  

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وقد وردتْ كلمةُ "مُهَيْمِنٍ" مرةً أخرى ، ولكنْ بدونِ ألِّ التعريفِ ، في الآيةِ الكريمةِ 5: 48 ، كوصفٍ للقرآنِ الكريم في علاقتِهِ بالكتبِ السماويةِ التي سبقتْهُ. فهوَ مُهَيْمِنٌ عليها ، كما يُهَيْمِنُ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، على مخلوقاتِهِ كلِّها (الْمَائِدَةُ ، 5: 48).

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ (الْمَائِدَةُ ، 5: 48).

أوردَ الطبري العديدَ مِنْ تفسيراتِ مَنْ سبقهُ لكلمةِ "مُهَيْمِنَاً" ، المذكورةٍ في الآيةٍ الكريمةٍ 48 مِنْ سورةِ الْمَائِدَةِ (5) ، التي تصفُ علاقةَ القرآنِ الكريمِ بكتبِ اللهِ التي سبقتهُ. فذكرَ مِنها أنَّ القرآنَ الكريمَ مصدّقٌ للكتبِ التي جاءتْ قبلَهُ ، وشهيدٌ عليها أنها حقٌ مِنْ عندِ اللهِ ، أمينٌ عليها ، حافظٌ لها ، ومؤتَمَنٌ عليها. ثمَّ ذكرَ أنَّ ابنَ عباسٍ قالَ بأنَّ "أمينًا عليهِ" يعني أنهُ "يحكمُ على ما كانَ قبلَهُ مِنَ الكتب."

وقالَ القرطبي بتفسيرٍ مماثلٍ ، فذكرَ أنَّ "مُهَيْمِنَا عليهِ" يعني "حافظاً لهُ" ، ولكنهُ "عالياً عليهِ ومرتفعاُ" عنهُ. ووافقَ ابنُ كثيرٍ مَعَهُما على ما ذكراهُ ، وأضافَ أنَّ معنى "أمينٌ" على ما قبلِهُ مِنَ الكتبِ أنهُ "حاكمٌ" عليها ، نقلاً عَنْ ابنِ عباس. وهذا يعني أنَّ "ما وافقَهُ منها فهوَ حقٌ ، وما خالفَهُ منها فهوَ باطل" ، كما قالَ جُرَيج.

والسببُ الرئيسُ في هيمنةِ القرآنِ الكريمِ على ما سبقَهُ مِنْ كتبِ اللهِ أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد تعهدَ بحفظِهِ  (الْحِجْرُ ، 15: 9). أما الكتبُ السابقةُ ، فقد اعتراها الكثيرُ مِنَ التغييراتِ ، نتيجةً لتدوينِها بعدَ موتِ الرُّسٌلٍ بوقتٍ طويلٍ ، مثلما حدث لكتب العهد القديم ، خاصة التوراة ، أو بسببِ الترجماتِ مِنْ عدةِ لغاتٍ متعاقبةٍ ، مثلما حدثَ للأناجيلِ ، التي لم تصلُنا باللغةِ الآراميةِ التي تحدثَ بها المسيحُ ، عليهِ السلام. وإنما كُتبتْ باليونانيةِ ، ثم تُرجمتْ إلى اللغاتِ الأوروبيةِ القديمةِ ، وأخيراً إلى اللغاتِ الحديثةِ ، مما أدى إلى حدوثِ الكثيرِ مِنَ التغييراتِ فيها. [45]

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ "الْمُهَيْمِنُ" على مخلوقاتِكَ كلِّها ، فنجِّنا وأحفظنا مِن شرورِ الطُغاةِ والظالمينَ في هذه الدنيا ، واقتصْ لنا منهم في الآخِرة.

 ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْمُهَيْمِنَ" ، لا مُعَرَّفاً ولا مُنَكَّرَاً، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو المسيطرُ والرقيبُ والحاكمُ على كلِّ مخلوقاتِهِ ، في الدنيا والآخِرةِ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْمُهَيْمِنِ" ، بما يفيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يراعيَ اللهَ فيمن يسيطر عليهِم مِنَ الناسِ ، فلا يظلمُهم ، ولا يحكمُ عليهِم وبينهم إلا بما أنزلَ اللهُ ، المهيمنُ ، ربُّ العالمينَ.

17. الْعَزِيزُ

"الْعَزِيزُ" هوَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ من الفعل "عَزَّ" ، الذي يعني قَوِيَ ، ونَدَرَ ، وتعالى ، وارتفعَ مكانةً وموقعاً ، وبَرِئَ مِنَ الذُّلِّ ، كما جاءَ في معجم المعاني الجامع. ومنهُ جاءَ "العزيزُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أي القويُ المنيعُ ، تعالى شأنهُ ، وارتفعت مكانتُهُ على جميعِ خلقِهِ ، سبحانهُ ، الذي تَنَزَّهَ عنْ أيةِ نقائصٍ. وجاءتْ العزةُ أيضاً ، أي القوةُ والمجدُ والسؤددُ ، كما جاء في قواميس اللغة ، وكما توضحُ لنا الآياتُ الكريمةُ 3: 26 ، 4: 139 ، 63: 8. [46]

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 26).

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 139).

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (الْمُنَافِقُونَ ، 63: 8)

وذكرَ الطبريُّ أن "الْعَزِيزَ" هوَ القويُّ الذي لا يُعجزهُ شيءٌ أرادَهُ ، واتفقَ معهُ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ ، وزادَ بقولِهِ أنهُ القادرُ على كلِّ شيء. وأضافَ القرطبيُّ أقوالَ السابقينَ ، أي أنَّ "الْعَزِيزَ" هوَ الغالبُ ، الذي لا يُنالُ ولا يُغالَبُ ، الذي لا مِثلَ له. وزادَ على ذلكَ بأنهُ الشريفُ ، الجليلُ ، المُعِزُّ لغيرِهِ ، وهوَ النادرُ في وجودِهِ ، ولكنهُ فعالٌ لِما يُريدُ ، بالمقارنةِ مع ما ندرَ من خلقِهِ. وقالَ الغزالي بمثلِ ذلكَ ، فعرَّفَ "الْعَزِيزَ" بأنهُ الخطيرُ الذي يقِلُّ وجودُ مثلِهِ ، وتشتدُ الحاجةُ إليهِ ، ويصعبُ الوصولُ إليهِ.

والخُلاصةُ أنَّ العزةَ ، كصفةٍ للهِ عزَّ وجلَّ ، هيَ الرفعةُ والمنعةُ والكمالُ والقوةُ المطلقةُ. ومَنْ يَطلبُها مِنْ غيرِ اللهِ فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا. أمَّا مَنْ يَطلبُها مِنْ مالكِها ، مالكِ المُلكِ ، فهوَ على الصراطِ المستقيم. وصدقَ تباركَ وتعالى في قولِهِ: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ " (فَاطِرُ ، 35: 10).

وقد ذُكِرَ "الْعَزِيزُ" كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفَاً ، 60 مرةً في القرآن الكريم ، جاءَ فيها مقترناً مَعَ اسمٍ آخَرَ أو أكثرَ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، تباركَ وتعالى ، تعريفاً وتوضيحاً له. فقد اقترنَ معَ "الْحَكِيمِ" 29 مرةً ، ومعَ "الرَّحِيمِ" 13 مرةً ، ومعَ "الْعَلِيمِ" 6 مراتٍ ، ومعَ "الْحَمِيدِ" 3 مرَّاتٍ ، ومعَ "الْغَفَار" 3 مرَّاتٍ أيضاً ، ومعَ "الْقَوِّيِّ" مرَّتينِ. وجاءَ مرَّةً واحدَةً معَ كلِّ مِنَ "الْغَفُورِ" و "الْوَهَّابِ." كما جاء مرَّتينِ في الآيتينِ الكريمتين 23 و24 من سورة الحشرِ (53) ، اللتينِ تشتملانِ على 18 اسماً مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. وهكذا ، فإنَّ عِزَّتَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد ارتبطت بحكمتِهِ ورحمتِهِ وعلمِهِ وغفرانِهِ وقوتِهِ وكرمِهِ ووهبِهِ ومغفرَتِهِ لعبادِهِ ، مما يستحق عليهِم حمدِهِ وشكرِهِ والثناءِ عليهِ ، ، كما توضحهُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ.

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 118).

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤١﴾‏ إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾‏ (الدُّخَانُ ، 44: 42).

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزُّخْرُفُ ، 43: 9).

الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 1).

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (غَافِرُ ، 40: 42).

أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (ص ، 38: 9).

وذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُنَكَّرَاً ، أي "عَزِيزُ" ، 20 مرةً في القرآن الكريم ، جاءَ فيها مقترناً مَعَ اسمٍ آخَرَ مِن أسمائِهِ الحُسنى ، تباركَ وتعالى ، تعريفاً وتوضيحاً له. فقد اقترنَ معَ "ْحَكِيمِ" 8 مرَّاتٍ ، ومعَ "قَوِّيٍّ" 5 مرَّاتٍ ، ومعَ "ذُو انْتِقَامٍ" 5 مرَّاتٍ أيضاً ، ومعَ كلٍّ مِنْ "غَفُورٍ" و "مُقْتَدِرٍ" مرَّةً واحدَةً. وهكذا ، فإنَّ عِزَّتَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد جاءت مرتبطةً معَ حكمتِهِ وقوتِهِ وانتقامِهِ واقتدارِهِ وغفرانِهِ ، كما توضحهُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ:

بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 158).

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 21).

كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (الْقَمَرُ ، 54: 42).

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 28).

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ" ، أعزَّنا بِعزَّتكَ ، وأمِدَّنا بِقوتِكَ ، حتى لا نحيدَ عن صراطِكَ المستقيمِ في هذهِ الدُّنيا ، ونفوزَ بجنةِ خُلدِكَ في الآخِرة.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "الْعَزِيزَ" ، مُعَرَّفاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنَّ هذهِ صفةٌ للهِ وحدَهُ ، ، فهو القويُّ القادرُ الغالبُ ، الذي لا يُعجزهُ شيءٌ أرادَهُ ، سبحانهُ ، جلَّ شأنُهُ ومُقامُهُ. ولكنْ ، يمكنُ تسميةُ الذكورِ مِنَ الأولادِ "عبدَ الْعَزِيزِ" ، بما يُفِيدُ العبادةَ لهُ ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يستعملَ صفاتِ القوةِ والقُدرَةِ والغُلبِ ، التي يُمَكِّنُهُ اللهُ مِنَ الحصولِ على بعضِها ، فيما يُرضي ربَّ العزةِ ومصدرَها وواهبَها.

18. الْجَبَّارُ

"الْجَبَّارُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ من الفعلِ "جَبَرَ" ، الذي يعني قَوَّى وقَوَّمَ وصَحَّحَ ، كما يحدث في حالةِ تجبيرِ الذراعِ المكسورةِ ، مما يؤدي إلى تقويةِ عظامِها وتقويمِها وتصحيحِها ، فتصبحُ قادرةً على أداءِ وظائفِها مرةً أخرى. وكذلك يعنى "أكْرَهَ" أو "أرْغَمَ" أحداً على فعلِ شيءٍ. وفي عِلْمِ الْجَبْرِ ، فإنهُ يعني استبدالَ عَدَدٍ بحرفٍ أو رَمْزٍ لِيَحِلَّ محلَّهُ.

وهكذا ، "فالْجَبَّارُ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ الذي يُجْبِرُ أجزاءَ ملكوتِهِ الواسعِ على العملِ طبقاً للقوانينِ الكونيةِ التي وضعها لها ، وهوَ الذي سيجبرُ مخلوقاتَهُ المكلَّفةِ على الوقوفِ أمامَهُ للحسابِ في اليومِ الآخرِ ، بعدما أعطاها الخيارَ في الحياةِ الدُّنيا ، من خلالِ رسالاتِهِ التي تهدفُ إلى هدايتِهِم وإصلاحِهِم ، حتى يفوزوا بجنةِ خُلدِهِ في الآخِرة. وهو المُنتقمُ الجبارُ مِنَ الطغاةِ والعصاةِ الذين يكفرونَ بآياتِهِ ، فيرغمُهُم على الخلودِ في العذابِ المُهينِ بنارِ جهنمَ ، وساءتْ مصيرا.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْجَبَّارِ" مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرِ (59) ، معَ ثمانيةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

وقد ذُكرتْ كلمةُ "جَبَّارٍ" أو "جَبَّارِينَ" مُنَكَّرَةً (بدون أل التعريف) في تسعِ آياتٍ من الذكرِ الحكيمِ ، وذلكَ في وصفِ قدماءِ الفلسطينيينَ بأنهم جبارونَ ، أي ذُو قوةٍ (الْمَائِدَةُ ، 5: 22) ، وفي وصفِ عادٍ ، قومِ هودٍ ، عليهِ السلامُ ، بأنهم اتَّبعوا كلَّ جبارٍ عنيد (هُودُ ، 11: 59) ، وفي وصفِ كلِّ جبارٍ عنيد (إبْرَاهِيمُ ، 14: 15) ، وفي وصفِ يَحيى ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ لم يكن جباراً عصياً (مَرْيَمُ ، 19: 14) ، وفي وصفِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، بأنه لم يكنْ جباراً شقياً (مَرْيَمُ ، 19: 32) ، وفي وصفِ عادٍ ، قومِ هودٍ ، عليهِ السلامُ ، بأنهم كانوا جبارينَ في بطشِهِم ، أي كانوا يُكثرونَ القتلَ بغيرِ حقٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 130) ، وفي تذكيرِ المِصريِّ لِموسى ، عليهِ السلامُ ، بألا يكونَ جباراً في الأرضِ ، أي مُفسداً فيها ، إنْ هوَ قتلَهُ (الْقَصَصُ ، 28: 19) ، وفي وصفِ الذي يجادِلُ في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطانٍ ، بأنهُ متكبرٌ جبار (غَافِرُ ، 40: 35) ، 50: 45 وفي وصفِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لمُهمَّةِ الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنها تذكيرٌ للناسِ بالقرآنِ الكريمِ ، لا إجبارٌ لهم. فلهمُ الخَيارُ في الدُّنيا ، ويحاسَبونَ على ذلكَ الاختيارِ في الآخِرة (ق ،  50: 45).

وعلى ذلك ، "فالجبارُ" هو اللهُ وحدَهُ ، القادرُ على إجبارِ خلقهِ كلِّهِم ، ليقفوا أمامَه للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، بما في ذلك رُسُلِهِ ، كالمسيحِ عليهِ السلامُ ، وحتى الملائكةِ المقربينَ ، كما تخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 4: 172.

لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 172).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْجَبَّارُ" ، المنتقمُ مِنَ الطغاةِ والعصاةِ في يومِ الدينِ ، قِنا شرورَهم ومكائدَهم في هذهِ الدُّنيا ، واهدِنا إلى سَوَاءِ السبيل.

 ولا ينبغي لبشرِ أنْ يتسمَى باسمِ "الْجَبَّارِ" ، مُعَرَّفَاً ، وذلك لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، جلَّ وعلا. فهوَ الجبَّارُ وَحْدَهُ ، ولا جبَّارَ غيرَهُ. ولا ينبغي لأحدٍ أيضاً أنْ يتسمى "جبَّارَ" ، مُنَكَّرَاً ، لأنَّ ذلكَ وصفٌ للكافرينَ مِنَ الطغاةِ والعُصاةِ والمعانِدين. وإنما يُمكنُ للمسلمِ أنْ يُسَمَّى "عبدَ الْجَبَّارِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْجّبَّارَ" ، مثلما هوَ الحالُ في استعمالِ أسماءِ اللهِ الحُسنى الأخرى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يتجبرَ على خلقِ اللهِ ، فلا يطغى على الناسِ ، ولا يكونُ عنيداً ولا شقياً ، وإنما عطوفاً رحيماً ، ليسَ فقط تجاهَ أفرادِ أسرتِهِ ، بل للناسِ بصفةٍ عامةٍ ، عاملاً بما يُرضِي ربَّهُ "الْجَبَّارَ" ، جلَّ وعلا ، الذي سيجبرُهُ يوماً للمثولِ أمامَهُ للحسابِ ، يومَ لا يكونُ "جَبَّارٌ غيرُهُ.

19. الْمُتَكَبِّرُ

"الْمُتَكَبِّرُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَبُرَ" ، الذي يعني عَظُمَ وتَرَفَّعَ في صفاتِهِ كلِّها. وكأحدِ الأسماءِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ أعظمُ وأعلى مَقَاَماً وَقُدْرَةً منْ مخلوقاتِهِ ، مهما عَظُمَتْ وارتفعتْ في قُدُرَاتها. ولذلكَ ، توجبَ عليها عبادَتَهُ بالحمدِّ والشكرِ على خلقهِ لها ، وعلى التفضُّلِ عليها بنعمهِ التي لا تحصى.

وَذَكَرَ الطبريُّ ، في تفسيرِهِ لهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أنَّ "المُتَكَبِّرَ" هوَ الذي تَكَبَّرَ عن كلِّ شيءٍ ، وتبعهُ في ذلكَ ابنُ كثيرٍ. أمَّا القرطبيُّ ، فقالَ إنَّ "المُتَكَبِّرَ" هوَ العالي ، الكبيرُ ، وهوَ الذي "تكبرَ بربوبيتِهِ ، فلا شيءَ مثلُهُ. وهوَ المتكبرُ عن كلِّ سوءٍ ، المتعظمُ عما لا يليقُ مِن صفاتِ الحدثِ والذمِّ."

وقد وَرَدَ اسمُ "الْمُتَكَبِّرِ" مرةً واحدةً ، في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ الْحَشْرِ (59) ، معَ ثمانيةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، وذلكَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى:

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (الْحَشْرُ ، 59: 23).

أمَّا في الإشارةِ لغيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فقد جاءتْ كلمةُ "مُتَكَبِّرٍ" ، مفردةً ومُنَكَّرَةً ، كصفةٍ ذميمةٍ لكلِّ مَنْ لا يؤمنُ بيومِ الحسابِ (غَافِرُ ، 40: 27) ، ولِمن يجادلُ في آياتِ اللهِ بغيرِ سلطان (غَافِرُ ، 40: 35). وجاءتْ كلمةُ "المتكبرينَ" ، مُعَرَّفَةُ وبصيغةِ الجمعِ ، كصفةٍ ذميمةٍ للكافرينَ (غَافِرُ ، 40: 72) ، الذين يظلمونَ أنفسَهم (النَّحْلُ ، 16: 29) ، والذين يكذبونَ بآياتِ اللهِ (الزُّمَرُ ، 39: 60) ، والذين يكذبونَ بِرُسِلِهِ (الزُّمَرُ ، 39: 72). وقد توعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هؤلاء المتكبرين بالعذاب في نار جهنم ، كذلكَ ذكرَ لنا النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنَّ المستكبرينَ ، الذين يحتقرونَ الناسَ ، لا يدخلونَ الجنةَ. [47]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُتَكَبِّرُ" عَنْ كلِّ سوءٍ ، عَظُمْتً وتَرَفَّعْتَ مَقاماً وقَدْرَاً وقُدْرَةً ، فلكَ الحمدُ والشكرُ على نِعَمَكَ التي لا تُحصى ، وخاصةً نعمةِ التواضعِ لكَ ولعبادِكَ المؤمنين. اصرفْ عَنَّا يا ربُّ كيدَ المستكبرينَ.

 ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يتسمَى "الْمُتَكَبِّرَ" ، مُعَرَّفَاً ، وذلك لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، جلَّ وعلا. ولا ينبغي لأحدٍ أيضاً أنْ يُسمى "مُتَكَبِّرَ" ، مُنَكَّرَاً ، لأنَّ ذلكَ وصفٌ للكافرينَ المستكبرينَ على اللهِ وعلى عبادِهِ الصالحين. وإنما يُمكنُ للمسلمِ أنْ يُسَمَّى "عبدَ الْمُتَكَبِّرِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْمُتَكَبِّرَ" ، سبحانهُ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يتكبرَ على خلقِ اللهِ ، ولا يحتقرُهم ، ولا يفخرُ عليهِم بأوصافِ جِسمهِ أو بنسبهِ أو بمالِهِ ، فكلُّهم خلقُ اللهِ ويعودونَ في أنسابِهِم إلى أصلٍ واحدٍ هوَ آدمَ ، عليهِ السلامُ. أمَّا المالُ ، فإنهُ لا يدومُ لأحدٍ ، خاصةً بعدَ أنْ يُوارَى الذي كانَ صاحبُهُ تحتَ التراب. وعلى العكسِ مِن ذلكَ ، ينبغي أنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً ، ومُدركاً ومعترفاً بأنَّ "الْمُتَكَبِّرَ" هوَ اللهُ وحدَه ، الذي خَلَقَ الْخَلْقَ وبَرَأَ الكونَ ، سبحانهُ وتعالى.

20. الْخَالِقُ

"الْخَالِقُ" ، اسمُ صفةٍ ، مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي يعني أوْجَدَ شيئاُ مِنَ غيرِ شيءٍ ، وأنشأهُ وصَوَّرَهُ. وهذا لا ينطبقُ إلا على اللهِ ، تبارَكَ ، الذي يَخْلُقُ ، أي يُوجِدُ شيئاً مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ (الطُّورُ ، 52: 35) ، وهو "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنْعَامُ ، 6: 102) ، بما في ذلكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (الطُّورُ ، 52: 36).

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (الطُّورُ ، 52: 35).

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنْعَامُ ، 6: 102).

أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (الطُّورُ ، 52: 36).

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الخَالِقَ" يعني أنهُ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الْمُقَدِّرُ والْمُقَرِّرُ لِما يريدُ خلقَهُ ، كما في مثالِ خَلْقِ السماواتِ والأرض. وهوَ يشترِكُ في تبيانِ موضوعِ الخلقِ معَ أربعةِ أسماءٍ أخرى ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. فاللهُ هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي قَرَّرَ خَلْقَهُنَّ وقّدَّرَ خَصَائِصَهُنَّ. وهوَ الْفَاطِرُ ، الذي كانَ أولَ مَنْ ابتدأَ باخْتِرَاعِهِنَّ. وهوَ الْبَارِئُ ، الذي نّفَّذّ قَرَارَهُ بإبْرَازِهِنَّ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَدِيعُ ، الذي أخرجَهُنَّ إلى الوجودِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، الذي شَكَّلّهُنَّ على هيئاتٍ تناسبُ الوظائفَ التي خَلَقَهُنَّ لأدائِها.

وَقَدْ ذَكَرَ الطبريُّ أنَّ "الْخَالِقَ" هوَ الذي لا معبودَ تصلحُ عبادتُهُ غيرَهُ ، مستنداً في هذا التفسيرِ للآيةِ الكريمةِ 24 مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (59) ، على آياتِ الخلقِ الأخرى التي تتضمنُ التقديرَ (الْفُرْقَانُ ، 25: 2) ، والقضاءَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117) ، والإرادةَ ، والكينونةَ (يَس ، 36: 82).

وقالَ القرطبيُّ أنَّ "الْخَالِقَ" هو المُقَدِّرُ ، وتبعهُ في ذلكّ ابنُ كثيرٍ ، الذي قالَ أنَّ الخلقَ هوَ التقديرُ. واتفقَ القرطبيُّ وابنُ كثيرٍ مع الطبريِّ على أنَّ الخلقَ يمرُّ بثلاثِ مراحلٍ ، هي: التَّقْدِيرُ ، والْقَضَاءُ ، والْبَرَاءُ (الذي يبدأُ بكلمةٍ "كُنْ" ، التي تؤدي إلى الوجودٍ ، "فَيَكُونُ").

... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 2).

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117).

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ (يَس ، 36: 81-82).

وفَسَّرَ الطبريُّ الفعلَ "قَضَى" ، في الآية الكريمة 117 مِن سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، بمعنى "حَكَمَ" ، والفعلَ "كُنْ" على أنهُ أمرٌ لِما هوَ غيرِ موجودٍ أنْ يوجَدَ. وهذا يعني أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، عالمٌ بكلِّ ما هوَ كائنٌ قبلَ كونِهِ. أي أنهُ يأمرُ الأشياءَ بالخروجِ مِن حالةِ العدمِ إلى حالةِ الوجودِ ، لعلمِهِ بها في حالةِ العدمِ.

وفَسَّرَ القرطبيُّ "إذا قضى أمراً" أي إذا أرادَ "خَلْقَ" وإحكامَ وإتقانَ أمرٍ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا" (فُصِّلَتْ ، 41: 12) ، أي فخلقهُنَّ في يومينِ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْخَالِقِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ 24 مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (59) ، وذلكَ معَ اسمينِ آخَرَيْنِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، لهما صلةٌ بعمليةِ الخلقِ ، هما "الْبَارِئُ" و "الْمُصَوِّرُ."

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كما ذُكرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أرْبَعَ مَرَّاتٍ أخرى ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" ، "وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" (الأنْعَامُ ، 6: 102 ؛ الزُّمَرُ ، 39: 62) ، وهُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الرَّعْدُ ، 13: 16) ، وهُوَ "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" (غَافِرُ ، 40: 62).

وجاءَ هذا الاسمُ في سياقِ ذِكْرِ سؤالَيْنِ بلاغيَّيْنِ ، كانَ أولُهُما في قولِهِ تعالى: "أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾‏ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ" ﴿٥٩﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 58-59). وكانَ الثاني في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ" (فَاطِرُ ، 35: 3).

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فقد ذُكرَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً أيضاً مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ولكنْ كاسمِ فعلٍ ، وذلكَ في قولِهِ تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ "(الْحِجْرُ ، 15: 28) ، وفي قولِهِ: "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ" (ص ، 38: 71) ، وفي سؤالِهِ البلاغيِّ ، عزَّ وجلَّ:

والجديرُ بالملاحظةِ أنَّ اسمَ الخالقِ يشترِكُ في الاشتقاقِ مِنْ نفسِ الفعلِ مع اسمينِ آخرينِ ، هما: "الْخَلَّاقُ" و "أحْسَنُ الْخَالِقِينَ." كما أنَّ هناكَ عدةَ أسماءٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، تتعلقُ بالخلقِ ، مثلِ الْبَارِئِ وَالْفَاطِرِ وَالْبَدِيعِ وَالْمُصَوِّرِ ، والتي سيتم تناوُلُها فيما يلي.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَالِقُ" لكلِّ شيءٍ ، فلكَ الحمدُ والشكرُ على نِعَمَتي الخلقِ والحياةِ. اللهمَّ بارِكْ لنا فيهِما ، بالهدايةِ إلى عبادتِكَ وإلى صالحِ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، حتى نفوزَ برضاكَ وجنتَكً في الآخِرة.

ولا يصحُّ ، ولا ينبغي ، أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَالِقِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فالخالقُ هو اللهُ وحدَهُ ، الذي يوجِدُ الموجوداتِ التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ. ولكنَّ الولَدَ يمكنُ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْخَالِقِ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ "الْخَالِقَ" ، سبحانهُ وتعالى ، اعترافاً بعبادتِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ عل يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ ، الذي يُوجِدُ مخلوقاتِهِ مِنَ العدمِ ، إنْ شاءَ. أمَّا ما عداهُ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فإنهم يوجِدونَ موجوداتِهِم مِنَ الموجودِ. ويتبعُ ذلكَ عبادةَ الخالِقِ ، وعدَمَ الشِّركِ بهِ ، واللجوءَ إليهِ ، والرأفةَ بخلقِهِ ، وعدَمَ التكبرِ عليهِم.

21. الْخَلَّاقُ

"الْخَلَّاقُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ الفاعلِ "خَالِقٍ" ، المشتقِ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي سبقُ تناولُهُ في اسمِ "الْخَالِقِ." و "الْخَلَّاقُ" أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي ذُكرَ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً مرَّتينِ ، ومُقترناً معَ اسمٍ آخَرَ من أسمائهِ الحُسنى ، هوَ "العليمُ" (الْحِجْرُ ، 15: 86) ، الذي يعلمُ ما كانَ مِنْ خلقِهِ ، وما يكونُ منهم ، وما سيكونُ.  وهوَ الذي "إِذَا أَرَادَ شَيْئًا" ، فما عليهِ إلَّا "أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (يَس ، 36: 81-82).

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 86).

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾‏ (يَس ، 36: 81-82).

لغوياً ، "الْخَلَّاقُ" هوَ المُبدعُ والمُبْتَكِرُ والمُنشئُ. وذكرَ الطبريُّ أنهُ الخلاقُ لِمَا يشاءُ ، الفعَّالُ لِما يُريدُ. وقالَ القرطبيُّ بأنَّ الْخَلَّاقَ صيغةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ "الخالِقِ" ، لأنهُ يَخْلُقُ خلقاً بعدَ خلقٍ ، والخلقُ فعلُهُ ، وهو المُقَدِّرُ للخلقِ. وأشار ابنُ كثيرٍ إلى نفس المعنى بقولِهِ أنَّ "الْخَلَّاقَ" تقريرٌ للمعادِ ، وأنهُ تعالى قادرٌ على إقامةِ الساعةِ ، فإنهُ الخلاقُ الذي لا يُعْجِزُهُ خلقَ ما يشاء.

وهكذا ، "فالْخَلَّاقُ" هوَ اسمُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي يشير إلى صفةِ الديمومة في القدرةِ على الخلقِ ، بما في ذلكَ أنهُ يبدأُ الخلقَ ثم يعيدهُ ، مثلَ خلقهِ للسماواتِ والأرضِ ومَن عاشَ فيهِما ، ويخلقُ خلقاً آخرَ إذا أراد ، متى وأينما وكيفَما شاء.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدعاءُ بِهِ إليهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ" ، القادرُ على الخلقِ وإعادةِ الخلقِ متى تشاءُ ، أنتَ العليمُ بِمَنْ تَخْلُقُ قبلَ أنْ تَخْلُقَ ومتى! اللهمَّ إني أسألُكَ خيرَ الدُّنيا والآخِرة.

ولا يصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَلَّاقِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فالخلَّاقُ هو اللهُ وحدَهُ ، الذي أوجِدَ الموجوداتِ ، التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ ، كما فعلَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ، وهوَ القادرُ على خلقِهِنَّ من جديد. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الخلَّاقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ ، الْقادرٌ على إقامةِ الساعةِ والحسابِ ، وما يعقُبُ ذلكَ مِنْ ثوابٍ أو عقابٍ. ويتبعُ ذلكَ أن يستعدَّ المؤمنُ لذلكَ اليومِ بالعبادةِ والطاعةِ لخالقِهِ ، والتقرُّبِ إليهِ بالنوافِلِ وصالِحِ الأعمالِ.

22. أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

"أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتين. أولاهما "أحْسَنُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أحْسَنَ" ، الذي يعني أجَادَ الشَّيْءَ وجَعَلَهُ أفضلَ. وإذا جاءَتْ هذهِ الكلمةُ في موقعِ المُضافِ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليها ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأحْسَنُ ، أي الأفْضَلُ والأجْوَدُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْخَالِقِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَلَقَ" ، الذي يعني أوْجَدَ شيئاُ مِنَ غيرِ شيءٍ ، وأنشأهُ وصَوَّرَهُ ، كما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْخَالِقِ" ، مِنْ قبلُ.

وهكذا ، فإنَّ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أولاً أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الأوحدُ في قُدرَتِهِ على خلقِ الأشياءَ مِنَ العدمِ. أمَّا غيرُهُ ، فإنهم يَخْلُقُونَ مما هو موجودٌ ، قد خلقهُ هُوَ مِنْ قبلُ. وهُوَ في ذلكَ الأفضلُ والأجودُ فيما يقومُ بهِ مِنْ خلقٍ ، إذا ما قورنَ معَ ما يقومُ بهِ غيرُهُ مِنْ خلقٍ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" مرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ. جاءَ في المرَّةِ الأولى في معرِضِ ذِكْرِ مراحلِ خلقِ الإنسانِ في الرَّحِمِ ، مِنْ نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضغةٍ إلى عِظَامٍ إلى لَحْمٍ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 14) ، في إعجازٍ علميِّ لم تكتشفُهُ البشريةِ إلَّا بعدِ اكتشافِ الوسائلِ الطبيةِ الحديثةِ. وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ على لسانِ إلياسَ ، عليهِ السلامُ ، في تذكيرهِ لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ، بدلاً مِنْ بعلٍ ، الذي لا يملُكُ لهم ضراً ولا نفعاً (الصَّافَاتُ ، 37: 125).

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 14).

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾‏ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾‏ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴿١٢٥﴾ (الصَّافَاتُ ، 37: 125).

وفي تفسيرِهِ للآيةِ الكريمةِ 23: 14 ، نقلَ الطبريُّ عن مجاهدٍ قولَهُ أنَّ الناسَ "يصنعونَ ، ويصنعُ اللهُ ، واللهُ خيرُ الصانعينَ." وذلك لأنَّ العربَ كانوا يقولونَ عن الصانعِ خالقاً. فالنجارُ ، مثلاً ، يقيسُ الخشبَ ويُقَدِّرُهُ على ما يريدُهُ لهُ ، ثُمَّ يقطِّعهُ بعدَ التقديرِ. وقد يكونُ ذلكَ قبلَهُ ، بأنْ يقطعَ الصانعُ قطعةً من جلدٍ أو ثوبٍ قَطعًا مقاربًا ، ثم يُصلِحُها ويسويها بالحسابِ والتقديرِ ، على ما يريدُهُ. كذلكَ ، فاللهُ سبحانهُ وتعالى ، أحسنُ الخالقينَ بالمقارنة مع عبدِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، الذي كان يخلُقُ من الطينِ كهيئة الطيرِ ثم ينفخُ فيهِ "فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ " (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 49). فأينَ ذلكَ من خلقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ؟ تباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ.

وأشارَ الطبريُّ في تفسيرهِ للآيةِ الكريمة 37: 125 إلى قصةِ نبيِّ اللهِ إلياسَ ، عليهِ السلامُ ، الذي نصحَ بني إسرائيلَ بالعودةِ إلى عبادةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، أحسنَ الخالقينَ ، بدلاً من عبادةِ الصنمِ الذي كانوا يصنعونهُ ويسمونهُ بعلاً ، والذي لم يكن بقادرٍ على نفعِهِم أو ضُرِّهِم بشيء.

وأضافَ القرطبيُّ إلى ما ذكرهُ الطبريُّ ، أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يختلفُ عن الخالقينَ من البشرِ ، بما فيهم عيسى ، عليهِ السلامُ ، في أنهُ يَخْلُقُ شيئاً مِنَ العدمِ ، بينما هُم يَخلِقون َمِن أشياءٍ موجودةٍ أمامَهم. كما أنهُ ، جلَّ وعلا ، "أتقنُ صُنْعَ كُلِّ شَيْءٍ" ، كما جاء في الآية الكريمة 27: 88.

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (النَّجْمُ ، 27: 88).

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" ، خلقتَ الخلقَ مِنْ غيرِ شيءٍ ، بينما غيرُك يخلُقون مِمَّا خلقتَ لهم مِنْ قبلُ! اللهمَّ إني أسألُكَ خيرَ الدُّنيا والآخِرة.

وهذا يعني أنهُ لا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فاللهُ وحدَهُ هوَ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، فهوَ الذي أوجِدَ الموجوداتِ التي لم تكنْ في الوجود مِنْ قبلُ ، كما فعلَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ. أمَّا غيرُهُ ، فإنهم يخلُقون مِمَا خلقَ لهم مِنْ قبلُ. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْخَالِقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ التَّغييرُ فيهِ ، أو اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أحْسَنِ" أو "الْخَالِقِينَ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ على يقينٍ بأنَّ اللهَ وحدَهُ هُوَ "أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ." فهوَ الذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ ، فأحسنَ صُورَتَهُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3) ، وهوَ الذي وهبَ لهُ الحياةَ ، فاستحق بذلكَ العبادةَ والطاعةَ والشُّكرَ مِنْهُ. كما على المؤمنِ أنْ يقومَ بإتقانِ ما يقومُ بهِ مِنْ عملٍ ، أي أنُ يقومَ بأدائهِ على أكملِ وجهٍ ممكنٍ ، فَيُحَسِّنَهُ ما استطاعَ ، ويَزِيدُ مِنْ فائدَتِهِ ما أمكنَهُ ذلكَ.

23. الْبَارِئُ

"الْبَارِئُ" اسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "بَرَأَ" ، الذي يعني عَمِلَ وصنعَ ، بصفةٍ عامةِ. أمَّا في الإشارةِ إلى فعلِ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، فإنهُ يعني نّفَّذّ وأبرزَ شيئاً للوجودِ بعدما خَلَقَهُ ، أي بعدما قَدَّرَهُ وقَرَّرَهُ ، كما قالَ ابنُ كثيرٍ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً مرَّةً واحدةً ، معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في تسلسلٍ واضحٍ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي يُقَدِّرُ ويُقَرِّرُ أنْ يُوجِدَ الموجوداتِ مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَارِئُ ، أي الذي يُنَفِّذُ ما يُقَدِّرُهُ ويُقَرِّرُهُ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، أي الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، وبما يناسبُ كُلَّاً مِنْها ، في أدائِها لوظائفِها (الْحَشْرُ ، 59: 24).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

كما ذُكرَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً مرتينِ ، في آيةٍ واحدةٍ ، في سياقِ خطابِ موسى ، عليهِ السلامُ ، إلى قومِهِ الذينَ أشركوا باللهِ ، باتخاذِهِم العجلِ مِنْ بعدهِ ، فأمرَهم بالتوبةِ إلى بَارِئِهِم ، وبقتلِ أنفسِهِم ، حتى يَقْبَلَ اللهُ توبَتَهُم (الْبَقَرَةُ ، 2: 59).

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 59).

وفي تفسيرهِ للآية الكريمةِ 59: 24 ، ذكرَ الطبريُّ أنَّ "الْبَارِئَ" هوَ الذي "بَرَأَ" الخلقَ ، فأوجدَهم بقدرتِهِ. وزادَ ابنُ كثيرٍ على ذلكَ بقولِهِ أنَّهُ المُنَفِّذُ والمُبْرِزُ للوجودِ ما قدَّرَهُ وقرَّرَهُ. وهو متفردٌ في ذلكَ لأنهُ "ليسَ كلُّ مَنْ قدَّرَ شيئاُ ورتبَهُ بقادرٍ على تنفيذهِ وإيجادِهِ سِوى اللهُ ، عزَّ وجل."

أمَّا القرطبيُّ ، فقد توسعَ في الشرحِ ، وخاصةً في "الأسنى" ، فقالَ أنَّ "الْبَارِئَ" هو المُنشئُ المُبدعُ المخترعُ ، فلا يُسمى ولا يوصَفُ بهِ أحدٌ غيرُ اللهِ ، سبحانه وتعالى. فاللهُ هو البارئُ ومخلوقاتُهُ مِنَ البشرِ هي البريئةِ (البرية). وكذلكّ فإنهُ ميزَ بينَ معاني البارئِ والخالقِ والبديعِ والمُصور. فقالَ بأنَّ "الْبَارِئَ" يختلفُ عَنِ "الخالقِ" في أنهُ يعني الإيجادَ. وبينما "الْبَارِئُ" يعني الذي يوجِدُ كلَّ مُبْرَأ ، أي كلَّ ما وُجِدَ بعدَ أنْ لم يَكُنْ ، فإنَّ "المُصورَ" يختصُّ بكلِّ خلقٍ لهُ صورةٌ ، أي بعدَ أن يوجَدَ.

كذلكَ ، فإنَّ "الْبَارِئَ" هوَ الذي أبدعَ ، أي أوجدَ ، الماءَ والترابَ والنارَ والهواءَ ، من غيرِ شيءٍ ، ثُمَّ خلقَ منها الأجسامَ المُختلفةَ ، أي إنهُ "البديعُ" أيضاً. لكنهُ ، أي "الْبَارِئُ" عزَّ وجلَّ ، يختلفُ عن "الْبَدِيعِ" في أنهُ كانَ عالِماً بما أبدعَ قبلَ أنْ يُبدعَ.

وهناكَ معنىً أخَرَ لاسمِ "الْبَارِئ" ، سبحانهُ وتعالى ، وهوَ الشافي المُعافي ، الذي يدعوهُ بهِ المؤمنونَ عندما يتوسلونَ إليهِ لشفائِهِم مِنَ الأمراضِ. وهوَ في هذه الحالةِ مشتقٌ مِنِ الفعلِ "بَرَأَ" الذي ذُكرتْ لهُ صيغتانِ في القرآن الكريم ، في الإشارة إلى قيامِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، بشفاءِ الأكمهَ والأبرصَ ، كما جاءَ في الآيتينِ الكريمتينِ 3: 49 و5: 110.

وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ (آلِ عِمران ، 3: 49).

وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ (المائدة ، 5: 110).

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَارِئُ" ، سبحانكَ ، خلقتَ مِنَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيِّ ، وخلقتَ الإنسانَ مِنْ طينٍ! اللهمَّ إني أسألُكَ التوفيقَ والسدادَ في هذا الأمر الذي أنوي القيامَ به. وأسألُكَ الشفاءَ مِن هذا الداءِ ، فأنتَ الشافي وأنتَ المُعافي ، يا أرحمَ الراحمين.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَارِئِ" ، لا مُنَكَّرَاً ولا مُعَرَّفَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنسِ. فاللهُ وحدَهُ هوَ الذي خلَقَ العناصرَ الأوليةَ ، التي أوجِدَ الموجوداتِ منها. ولكنَّ الولدَ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَارئِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يقومَ بالاستفادَةِ مِمَّا هوَ موجودٌ حولَهُ ، للانتفاعِ بهِ ، والوصولِ إلى ما يَسُدُّ حاجَتَهُ ، ويُمَكِّنُهُ مِنْ تحقيقِ أهدافِهِ ، على أنْ يكونَ ذلكَ كُلَّهُ في طاعةِ الْبَارِئُ ، تبارَكَ وتعالى ، والتَّقَرُّبَ إليهِ.

24. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ. الكلمةُ الأولى ، "بَدِيعُ" ، هيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "بَدَعَ" ، الذي يعني أحِدَثَ وأنْشَأَ وأوْجَدَ واخْتَرَعَ الأشياءَ على غيرِ مِثالٍ سابقٍ ، أي الذي لم يسبقْهُ إلى ذلكَ أحدٌ. وكاسمٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ اللهَ هوَ "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، أيْ الذي "بّدّعَ" خَلْقَهُنَّ ، فلم يسبقْهُ إلى خلقِهِنَّ أحدٌ ، وهوَ الذي أبدعَهُما جَمَالاً وضَبطاً ووظائفاً. فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ.

وقد ذُكِرَ اسمُ "الْبَدِيعِ" مرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، قد خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ، بأمرهِ لهما أن يكونا ، فكانتا (الْبَقَرَةُ ، 2: 117). وهوَ وحدَهُ الذي خَلْقَ كُلَّ شيءٍ ، بما في ذلكَ السماواتِ والأرضِ. وهوَ الذي "لَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ" ، وبالتالي فإنهُ ليسَ لهُ ولدٌ (الأنْعَامُ ، 6: 101) ، سبحانهُ وتعالى ، عَمَّا يَأْفِكُونَ.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 117).

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الأنْعَامُ ، 6: 101).

واتفقَ القرطبيُّ معَ الطبريِّ على أنَّ "بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ يعني مُبْدِعُهَا ، أي مُنْشِئُهَا ومُوجِدُهَا ومُخْتَرِعُهَا. وأيدَهما في ذلكَ ابنُ كثيرٍ ، الذي قال أنَّ بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ هوَ خالِقُهما على غيرِ مثالٍ سبقَ ، أي أنهُ المُبدِعُ والمُنشئُ والمُحْدِثُ ، الذي لم يسبقْهُ إلى ذلكَ أحد.

واستطردَ القرطبيُّ في معنى "البديعِ" ، فذكرَ أنَّ أصلَ هذا الاسمِ هوَ الفعلُ "بَدَعَ" الذي يعني أبدعَ الأشياءَ وأحدثها ، أي أنَّ "البديعَ" هوَ الأولُ فيما يفعلُ ، وهوَ الذي يبدأُ الخلقَ على ما يريدُ ، على غيرِ مثالٍ قبلهُ. كما أن "البديعَ" هوَ "المُبتدِعُ" ، أي أنهُ المُحْدِثُ لأمرٍ عجيبٍ لم يُعْرَفْ قبلَ ذلكَ ، ومنهُ قولُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى: "قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ" (الأحقاف ، 46: 9). وهكذا ، فإنَّ "بَدِيعَ" السماواتِ والأرضِ هوَ الذي لم يسبقهُ إلى خلقِهِما أحدٌ.

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَدِيعُ" ، سبحانكَ ، أبدعتَ ما خلقتَ جمالاً وضبطاً ، لم يسبقُكَ إلى ذلكَ أحد! اللهمَّ إني أسألُكَ التوفيقَ والسدادَ في هذا الأمر الذي أنوي القيامَ به ، ليكونَ على أفضلِ وجهٍ ممكنٍ.  

ولذلكَ ، لا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَدِيعِ" أو "بَدِيعِ" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس ، لأنهُ مُرتبطٌ بخلقِ اللهِ للسماواتِ والأرضِ ، الذي لم يسبقُهُ إلى ذلكَ أحدٌ. ولكنَّ الولدَّ يُمْكِنُ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَدِيعِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يعملَ ما في وسعهِ ليكونَ مُبدعاً فيما يقومُ بهِ مِنْ أعمالٍ ، الأمرُ الذي يشجعُ على الاختراعِ والابتكارِ ، بما يعودُ بالفائدةٍ عليهِ ، وعلى الناسِ ، وعلى البيئةِ التي يعيشُ فيها.

25. فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

"فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولها "فَاطِرُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "فَطَرَ" ، الذي يعني ابتدأَ واخترعَ الشيءَ ، كما قالَ الْقُرْطُبِيُّ ، الذي نقلَ عَنْ ابنِ عباسٍ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنهُ قالَ: "كنتُ لا أدري ما فَاطِرُ السماوات ِوالأرضِ ، حتى أتانيَ أعرابيانِ يختصمانِ في بئرٍ ، فقالَ أحدُهُما (لِصاحبِهِ): أنا فَطَرْتُهَا ، أنا بَدَأتُهَا."

وكاسمٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ الذي ابتدأ خَلْقَ السماواتِ والأرض. فهوَ الْخَالِقُ ، أي الذي قَرَّرَ خَلْقَهُنَّ وقّدَّرَ خَصَائِصَهُنَّ. وهوَ الْفَاطِرُ ، الذي كانَ أولَ مَنْ ابتدأَ باخْتِرَاعِهِنَّ. وهوَ الْبَارِئُ ، الذي نّفَّذّ قَرَارَهُ بإبْرَازِهِنَّ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَدِيعُ ، الذي أخرجَهُنَّ إلى الوجودِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، الذي شَكَّلّهُنَّ على هيئاتٍ تناسبُ الوظائفَ التي خَلَقَهُنَّ لأدائِها.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ سِتَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، جاءّ فيها جميعاً بأنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، الذي "يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ" (الأنْعَامُ ، 6: 14) ، وَلِيُّ المؤمنينَ "فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (يُوسُفُ ، 12: 101) ، الذي يَدْعُو خُلْقَهُ إلى الإيمانِ بهِ ، ليغفرَ لهم ذُنوبَهُم (إبْرَاهِيمُ ، 14: 10) ، "جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ" ، وهوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (فَاطِرُ ، 35: 1) ، عَالِمُ "الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" (الزُّمَرُ ، 39: 46) ، "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشُّورَى ، 42: 11).

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (الأنْعَامُ ، 6: 14).

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ (يُوسُفُ ، 12: 101).

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى (إبْرَاهِيمُ ، 14: 10).

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فَاطِرُ ، 35: 1).

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزُّمَرُ ، 39: 46).

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشُّورَى ، 42: 11).

واسمُ "الفَاطِرِ" مشتقٌ من الفعلِ "فَطَرَ" ، أيْ ابْتَدَأَ الخَلَقِ ، والذي ذُكرَ 8 مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. كانت اثنتانِ منهما في الإشارةِ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، الذي "فَطَرَ" السماواتِ والأرضَ (الأنعام ، 6: 79 ، الأنبياء ، 21: 56) ، وكذلكَ في الإشارةِ إلى النبيَّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (هود ، 11: 51) ، والناسَ في الحياةِ الدُّنيا (الإسراء ، 17: 51 ، الروم ، 30: 30) ، والسحرةَ (طه ، 20: 72) ، والرجلَّ المُؤمِنَ الذي جاءَ مِن أقصى المدينةِ يسعى ، لينصحَ قومَهُ باتباعِ المُرسلينَ (يس ، 36: 22) ، وإبراهيمَ ، عليهِ السلامُ (الزخرف ، 43: 27).

وجاءَ فعلُ الانفطارِ مرتينِ بصيغةِ المضارعِ: "يَتَفَطَّرْنَ" (مريم ، 19: 90 ، الشورى ، 42: 5) ، ومرةً واحدةً بصيغةِ المستقبلِ: "إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ" (الانفطار ، 82: 1) ، ومرةً أخرى كصفةٍ: "السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ" (المزمل ، 73: 18). [48]  

ومِنْ فوائدِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِهِ ، بقولِ:  "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، خالِقُ كلَّ شيءٍ! اللهمَّ اهدِنا واهدِ بِنا إلى صراطِكَ المستقيم ، وآتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً ، وفي الآخِرَةِ حسنةً ، وقِنا عذابَ النار.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْفَاطِرِ" أو "ْفَاطِرِ" ، أيْ لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. فاللهُ وحدَهُ هو الذي فَطَرَ السماواتِ والأرضِ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْفَاطِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بألَّا يؤجلَ العملَ في شيءٍ مطلوبٍ منهُ ، أو خَطَرَ ببالِهِ ، ما دامَ ذلكَ مشروعاً وحلالاً لهُ. بلْ عليهِ أن يبدأ في عملهِ بدونِ تأخيرٍ ، متوكلاً على اللهِ ، وطالباً منهُ التوفيقَ والعَوْنَ.

26. الْمُصَوِّرُ

"الْمُصَوِّرُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "ًصَوَّرَ" ، الذي يعني رَسَمَ أو جَسَّمَ أو شَكَّلَ شيئاً على هيئةٍ مُعَيَّنَةٍ. وقد ذُكرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في القرآنِ الكريمِ ، مرَّةً واحدةً ، مُعَرَّفَاً. جاءَ فيها مَعَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، المُتَعَلِّقَةِ بالْخَلْقِ ، وفي تسلسلٍ واضحٍ. فاللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ الْخَالِقُ ، أي الذي يُقَدِّرُ ويُقَرِّرُ أنْ يُوجِدَ الموجوداتِ مِنْ غيرِ الوجودِ إلى الوجودِ. وهوَ الْبَارِئُ ، أي الذي يُنَفِّذُ ما يُقَدِّرُهُ ويُقَرِّرُهُ. وهوَ الْمُصَوِّرُ ، أي الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، وبما يناسبُ كُلَّاً مِنْها ، في أدائِها لوظائفِها (الْحَشْرُ ، 59: 24).

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْحَشْرُ ، 59: 24).

وفي تفسيرهِ للآية الكريمةِ 59 ، مِنْ سورةِ الْحَشْرِ (24) ، ذكرَ الطبريُّ أنَّ "الْمُصَوِّرَ" هوَ الذي خلقَ خلقَهُ كيفَ شاءَ وكيفَ يشاءُ. وقالَ القرطبيُّ أنَّ "الْمُصَوِّرَ" هو "مصورُ الصورِ ومُرَكِّبِها على هيئاتٍ مختلفةٍ ، والتصويرُ هوَ التخطيطُ والتشكيلُ." ووَافَقَهُ على ذلكَ ابنُ كثيرٍ في شرحهِ لمعانيَ الأسماءِ الثلاثةِ (الخالقُ ، البارئُ ، المصورُ) معاً ، بقولهِ: "الذي إذا أرادَ شيئاُ ، قالَ لهُ كنْ ، فيكونُ ، على الصفةِ التي يريدُ ، والصورةِ التي يختارُ."

ويمثلُ "التصويرُ" المرحلةَ الرابعةَ مِنَ الخَلقِ الأولِ ، أي بعدَ بثِّ الحياةِ في الخليةِ والتسويةِ والاعتدالِ (الانْفِطَارُ ، 82: 7-8) ، وهيَ المرحلةُ التي سبقتْ الخلافةَ الإنسانيةَ على الأرضِ ، والتي عبَّرَ عنها سُجودُ الملائكةِ لآدمَ (الأعْرَافُ ، 7: 11).

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾ (الانْفِطَارُ ، 82: 7-8).

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 11).

و "التصويرَ" إشارةٌ إلى أنَّ الخالقَ ، عزَّ وجلَّ ، شاءَ أن يَجْعَلَ (يُصَوِّرَ) الإنسانَ في أحسنِ صورةٍ ، بالمقارنةِ مَع مخلوقاتِهِ الأخرى (غَافِرُ ، 40: 64 ؛ التَّغَابُنُ ، 64: 3). أمَّا "التصويرُ" في الخلقِ الثاني ، في الرَّحِمِ ، فإنهُ يعني مشيئةَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، في انتقاءِ الصفاتِ الوراثيةِ للجنينِ مِنَ الوالدينِ والأقاربِ ، لِتُشَكِّلَ صفاتِهِ الداخليةِ وصورتَهُ الخارجية (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 6). [49]

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ (غَافِرُ ، 40: 64).

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3).

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 6).

وأوردَ الْقُرْطُبِيُّ ، في كتابِهِ "الأسْنَى" تعريفَ ابنِ العربيِّ لاسمِ "الْمُصَوِّرِ" بأنهُ الذي أنشأ خلقَهُ على صورٍ مختلفةٍ. وعللَ ذلكَ الْخَطَّابِيُّ ، بقولهِ أنَّ ذلكَ حتى يتعارفوا بها. وذكرَ ابنُ الْحَصَّارِ أنَّ هذا الاسمَ يتضمنُ جميعَ الصفاتِ التي لا يتمُّ التصويرُ إلَّا بِها ، مِنْ اقتدارٍ وعلمٍ واختيارٍ وخبرةٍ وحكمةٍ بالغةٍ. وهذهِ الصفاتُ كلُّها ضروريةٌ للتصورِ والاختراعِ والتقديرِ والتصويرِ. وهذا يعني أنَّ التصويرَ لاحِقٌ للخلقِ والبرايةِ ، كما قالَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ" (الأعْرَافُ ، 7: 11).

وهكذا ، "فَالْمُصَوِّرُ" ، عزَّ وجلَّ ، هوَ الذي يُشَكِّلُ مخلوقاتِهِ كيفَ يشاءُ ، في نظامٍ داخليٍّ بديعٍ ، يُمَكِّنُها مِنْ أداءِ وظائِفِها على أكملِ وجهٍ ممكنٍ ، وفي أحسنِ شكلٍ خارجيٍّ ممكنٍ ، سواءً كانتْ كائناتٍ حيةٍ ، أو أجراماً سماويةً.

ومن الطريفِ أنَّ اسمَ "الْمُصَوِّرِ" في عصرِنا الحاليِّ ، أيْ في القرنِ الخامسِ عَشَرَ الهجريِّ (الحادي والعشرينَ للميلادِ) لهُ معنىً آخرَ. فهوَ يشيرُ إلى الذي يَكْسِبُ قوتَهُ باستخدامِ آلةِ التصويرِ. وبالنظرِ إلى ما ينتُجُ عن ذلكَ ، فالأصحُ أن يُسمى بمسجِّلِ الصورِ ، أو الْعَكَّاسَ الذي تَعكِسُ آلتُهُ صورَ الناسِ والحيواناتِ والنباتاتِ والمناظرِ الطبيعيةِ. وهو فيما يفعلُ لا يَمُتُّ بِصَلَةٍ "لِلْمُصَوِّرِ" ، عزَّ وجلَّ ، الذي يُشكِّلُ مخلوقاتِهِ في الطبيعةِ وفي الأرحامِ ، قلباً وقالِباً ، كيفَ يشاءُ. وحتى المَثَّالُ ، الذي يَصنعُ التماثيلَ ، لا تَصحُ تسميتُهُ بِالْمُصَوِّرِ أيضاً ، كما قالَ القرطبيُّ ، لأنه يُحاكي أشكالَ الناسِ في صُوَرِهِم الخارجيةِ ، وتماثيلُهُ جامدةٌ ساكنةٌ ، لا حياةَ فيها ، بالمقارنةِ مع تصويرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لمخلوقاتِهِ الحيةِ ، وعلى رأسِها الْبَشَرُ ، حيثُ يشكِّلُها داخلياً وخارِجياً كيفَ يشاء.

والأقربُ لمعنى هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الْحُسْنَى ، ما يقوم ُبهِ مُصَمِّمُو الآلاتِ ، مثلَ السياراتِ ، وليسَ مُسَجِّلُو الصِّوَرِ والْمَثَّالونَ. فهناكَ الذينَ يأتونَ بالأفكارِ التي يريدونَ أنْ تكونَ الآلةُ عليها. وهناكَ الذينَ يُقَدِّرُونَ مقاديرَ وأحجامَ مُكَوِّناتِ الآلةِ. وهناكَ الذينَ يُحَوِّلونَ تلكَ المقاديرِ والأحجامِ إلى رسوماتٍ. وهناكَ الذينَ يقومونَ بتنفيذِ تلكَ الرسوماتِ فيما يُعْرَفُ بتصنيعِ تلكَ الآلةِ. وأخيراً ، هناكَ الذينَ يفحصونَ الآلةَ للتأكدِ من سلامةِ أدائِها لوظيفتِها على الشكلِ المطلوبِ.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِهِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُصَوِّرُ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! اللهمَّ اجعلْ ذريتَنا في أحسنِ صورةٍ ، وأقومِ هيئةٍ ، وأفضلِ صحةٍ ، حتى يعبدونكَ حقَّ العبادةِ ، ويقومونَ بصالحِ الأعمال.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْمُصَوِّرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُصَوِّرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بانْ يقومَ بالتحضيرِ للعملِ الذي يُريدُ القيامَ بِهِ ، وذلكَ بوضعِ أفضلَ تَصَوِّرٍ لِما يرغبُ أنْ يكونَ ذلكَ العملُ عليهِ ، قلباً وقالِباً. وذلك يعني أنْ يكونَ مُحتَواهُ الداخليِّ مناسباً لأداءِ الوظائفِ المرجوةٍ منهُ ، كما يعني أن يكونَ شكلُهُ الخارجيِّ مَبْعَثاً للغبطةِ ومُحَفِّزَاً للتفاؤل.

27. غَافِرُ الذَّنْبِ

"غَافِرُ الذَّنْبِ" هوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، وجميعُها مُشتقةٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، وهذهِ الأسماءُ هيَ غَافِرُ الذَّنبِ والغفورُ والغفارُ وخيرُ الغافرينَ وأهلُ المغفرةِ وواسعُ المغفرةِ وذو مغفرة. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي تجبُ الإشارةُ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّه "غَافِرُ الذَّنْبِ."  

ولغوياً ، "غَفَرَ" يعني سامَحَ وعفا عَنْ ، وغَفَرَ الشّيءَ أي سترَهُ وخبَّأهُ ، وغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ أي سَتَرَهُ وَعَفَا عَنْهُ ، لِما سَلَفَ مِنَ الذنبِ ، كما ذكرَ ابنُ كثيرٍ. وهذا هوَ وعدُ اللهِ ، سبحانه وتعالى ، للمؤمنينَ ، الذين يشهدونَ أنَّ لا إلهَ إلَّا هوَ ، كما قالَ القرطبي ، الذي أضافَ في "الأسنى" أنَّ "الغَافِرَ" هو المُسامِحُ الساتِرُ. أمَّا الغفارُ ، فهوَ المُبالِغُ في السَّترِ والمغفرةِ ، والغفورُ هوَ الذي يفعلُ ذلك مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يحصى من السَّترِ والغفران.

أولُ هذهِ الأسماءُ السبعةُ هوَ "غَافِرُ الذَّنْبِ" ، الذي ذُكِرَ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ ثلاثةِ أسماءٍ مركبةٍ أخرى ، تُشِيرُ إلى مغفرتِهِ وكَرَمِهِ لعبادِهِ ، وقبولِهِ التوبةَ مِنهُم ، وإلى شِدَّةِ عقابِهِ للكافرينَ الجاحدينَ لفضلِهِ (غَافِرُ ، 40: 3).

غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غَافِرُ ، 40: 3).

وقد ذَكرَ لنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ يغفرُ الذنوبَ جميعاً مهما كانتْ ، لِمن يشاءُ ، إلَّا الشركَ بهِ ، لأنَّ الاعتقادَ بوجودِ شركاءَ له هوَ محضُ افتراءٍ ، وبالتالي فهوَ إثمٌ عظيمٌ لا يُغتفرُ (النِّسَاءُ ، 4: 48) ، كما أنَّهُ ضلالٌ بعيدٌ (النِّسَاءُ ، 4: 116).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 48).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (النِّسَاءُ ، 4: 116).

والحكمةُ من مبدأ المغفرةِ استقامةُ حياةِ الفردِ والمجتمعِ. ومِن غيرِ ذلكَ ، يستمرُّ ارتكابُ المعاصيَ والذنوبِ ، فَيَفْسَدُ الناسُ وتنهارُ الحضارةُ الإنسانيةُ. ولكنَّ الوعدَ بالمغفرةِ يُعطِي الأمَلَ للعُصاةِ والمُذنبينً في العفوِ عنهم ، فيتوقفونَ عن ارتكابِ الذنوبِ ويرجعونَ إلى ربِّهم الذي وعدَهم بالمغفرةِ إنْ هم توجهوا لهُ بالدعاءِ والرجاءِ ، مهما كانتْ ذنوبُهم ، ما داموا لا يشركونَ بهِ. وذلكَ كما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في حديثهِ القدسيِّ: يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعَوتَني ورجَوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي." [50]

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإن وَعْدَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بالمغفرةِ يشجعُ الناسَ على القيامِ بالعباداتِ وصالحِ الأعمالِ ، لِما لها مِن فوائدَ عظيمةٍ تعودُ على الفردِ والمجتمعِ ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وقالَ فيهِ أنَّ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ." [51]

وبَشَّرَ النبيُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، المذنبينَ بمغفرةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لهم ، قائلاً: "ما من رجلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ، ثُمَّ يصلِّي ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ ، إلَّا غفرَ اللهُ لهُ." جاءَ ذلكَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ أبو بكرٍ الصديقِ ، رضيَ اللهُ عنه ، والذي خُتِمَ بالآيةِ الكريمةِ: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 135). [52]

وقد ذُكِرَ الفعلُ "غَفَرَ" أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في الإشارةِ إلى مغفرةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لموسى ، عليهِ السلامُ ، عندما اعترفَ بأنهُ ظلمَ نفسَهُ بقتلِ المصريِّ ، وطلبَ المغفرةَ مِنَ الغفورِ الرحيم (الْقَصَصُ ، 28: 16) ، وكذلكَ في التذكيرِ بمغفرةِ اللهِ لداوودَ ، عليهِ السلامُ ، الذي أدركَ تعجُّلَهُ في الحُكمِ ، فاستغفرَ ربَّهُ ، فغفرَ لهُ (ص ، 38: 25) ، وفي مديحِ اللهِ للمؤمنينَ الصابرينَ ، الذينَ يَغفرونَ لِمَن ظلمَهم ، بأنَّ ذلكَ مِن عزمِ الأمورِ (الشورى ، 42: 43) ، وفي الرجلِ الصالحِ الذي نصحَ لقومهِ باتباعِ المُرسلينَ ، فغفرَ لهُ ربُّهُ وأدخلَهُ الجنةَ وجعلَهُ من المُكْرَمِينَ (يَس ، 36: 27). [53]

وذُكِرَتْ مُشتقاتُ الفعلِ "غَفَرَ" 132 مرة في 121 آيةً ، مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ. ومِن أمثلةِ ذلكَ أنهُ تعالى شأنهُ "يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 129) ، وأنهُ أمرَ رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، بقولِهِ: "وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 106) ، وكذلكَ وعدُ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بالاستغفارِ لأبيهِ ، حيث "قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" (مَرْيَمُ ، 19: 47) ، واستغفارُ موسى ، عليه السلام ، قائلاً: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي" (الأعْرَافُ ، 7: 151) ، ونُصْحُ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بذلكَ ، في قولهِ: "وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ" (هُودُ ، 11: 90). وقد وعَدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنَّ المؤمنينَ لهم "مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" (الأنْفَالُ ، 8: 4) ، وأنهُ لا يُعَذِّبُ الناسَ "وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" ‎‎(الأنْفَالُ ، 8: 33).  [54]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا : "اللَّهُمَّ يا غَافِرَ الذَّنْبِ" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! ثُمَّ القولُ بدعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، وبدعاءِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ: " رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" (نُوحُ ، 71: 28).

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على كلمةِ "غَافِرِ" أو كلمةِ "الْذَّنْبِ" مُنْفَرِدَتَيْنِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ ، في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى."

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكِّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "َعَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفُورِ" أو "َعَبْدَ الْغَفَارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى ، حيثُ أنهُ الوحيدُ القادرُ على مغفرةِ الذنوبِ ، في يومِ الحساب.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

28. الْغَفُورُ

"الْغَفُورُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "غَافِرُ." وهوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، المشتقةُ جميعاً مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غَافِرُ الذَّنْبِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْغَفُورَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يغفرُ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يحصى من السَّترِ والغفرانِ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ 91 مرةَ في القرآنِ الكريمِ ، جاءَ مُعَرَّفَاً في إحدى عشرةَ آيةً منها ، مثلما هوَ الحالُ في الآيةِ الكريمة 49 مِنْ سورةِ الْحِجْرِ (15). وجاءَ مُنَكَّرَاً في الآياتِ الأخرى. وذُكِرَ وحدَهُ مرةً واحدة في الآيةِ الكريمةِ 25 مِنْ سورةِ الإسراء (17) ، ولكنهُ ذُكِرَ في التسعينِ آيةٍ الأخرى مع اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحُسنى. ودلَّ ذلكَ على أنَّ مغفرةَ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، لعبادِهِ التائبينَ المستغفرينَ الشاكِرينَ مرتبطةٌ برحمتِهِ وحِلمِهِ وعفوِهِ ووُدِّهِ وربوبيتِهِ لهم ، كما يُفهمُ من ذكرهِ معطوفاً على أسماءٍ اللهِ الحُسنى الأخرى ، مثلما هوَ الحالُ في الآياتِ التاليةِ: [55]

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (الإسْرَاءُ ، 17: 25).

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 225).

فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (النِّسَاءُ ، 4: 99).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ (الْكَهْفُ ، 18: 58).

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الْمُلْكُ ، 67: 2).

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 30).

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (الْبُرُوجُ ، 85: 14).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا غَفُورُ يا رَحِيمُ " سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! ثُمَّ القولُ بدعاءِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاِهيمُ ، 14: 41) ، وبدعاءِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ: " رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" (نُوحُ ، 71: 28).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْغَفُورِ" ، سَواءً كانَ مِنَ الملائكةِ أو الجنِّ أو الإنس. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى ، حيثُ أنهُ الذي يغفرُ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، مرةً بعدَ أخرى ، إلى ما لا يُحصى من السَّترِ والغفران.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

29. الْغَفَّارُ

"الْغَفَّارُ" اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِنْ اسمٍ آخرً ، هوَ "غَافِرُ." وهوَ أحدُ سبعةٍ مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى ، التي ذُكرتْ مباشرةً في القرآنِ الكريم ، وجميعُها مُشتقةٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." و "الْغَفارُ" هو اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي يُبالِغُ في السَّترِ والمغفرةِ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ليشملَ ذلكَ كافةَ أنواعِ الذنوبِ والخطايا ، ما دام المستغفرُ لا يُشْرِكُ بِرَبِّهِ أحداً. وهذا الاسمُ أكثرُ تعبيراً عن صفةِ المغفرةِ منَ الأسماءِ الأخرى ، يليهُ في ذلك الغفورُ ثُمَّ الغافرُ.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً في ثلاثِ آياتٍ منها ، هي 38: 66 ، 39: 5 ، 40: 42 ، والتي اقترنَ فيها معَ اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحسنى ، هوَ "الْعَزِيزُ." وهكذا ، فهو ، عزَّ وجلَّ ، يغفرُ لعبادِهِ المستغفرين من موقعِ العزةِ والقوةِ والمقدرة. كما وردَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً في آيتينِ أخريين ، هما 20: 82 و71: 10 ، وعدَ فيهما ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، المؤمنينَ الذينَ يعملونَ الصالحات بالمغفرة ، إذا ما تابوا إليهِ وطلبوا مغفرته.

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (ص ، 38: 66).

... وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (الزُّمَرُ ، 39: 5).

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (غَافِرُ ، 40: 42).

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (طَهَ ، 20: 82).

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (نُوحُ ، 71: 10).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا أيها الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاِهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْغَفَّارِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عبدَ الْغَفَّارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من خلقهِ.

30. خَيْرُ الْغَافِرِينَ

"خَيْرُ الْغَافِرِينَ" اسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خَيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ ، يعني الأفضَلَ والأحْسَنَ والأنْفَعَ. وهوَ مُشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ واخْتَارَ وانتقى. أمَّا الكلمةُ الثانيةُ ، "الْغَافِرِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْغَافِرِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هو أفضلُ وأحسنُ الغافرينَ لعبادِهِ التائبينً المُستغفرينَ ، لشمولِ مغفرَتِهِ كافةَ أنواعِ الذنوبِ والخطايا ، ما دام المستغفرُ لا يُشْرِكُ بِرَبِّهِ أحداً.

وقد ذُكرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلك في سياقِ الإشارةِ إلى غضبِ الله ، عزَّ وجلَّ ، على بني إسرائيلَ ، لأنهم أشركوا بهِ ، بعبادتِهِم للعجلِ (الأعْرَافُ ، 7: 152-154). فاختارَ موسى ، عليهِ السلامُ ، سبعينَ رجلاً من قومِهِ ، ليعلنوا التوبةَ ويطلبوا الصفحَ والغفرانَ مِن ربِّهِم ، الذي غفرَ لهم بعد توبتهم إليه ، لأنهُ "خَيْرُ الْغَافِرِينَ" (الأعْرَافُ ، 7: 155).

وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (الأعْرَافُ ،7: 155).

ثمَّ ذَكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أن رحمتَهُ "وسعَتْ كلَّ شيءٍ" ، كتبَها للمؤمنينَ الذينَ يتقون ويؤتون الزكاة ويؤمنون بآخر رسلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، الذي ذكره مِن قبلُ في التوراةِ والإنجيل. وفي ذلكَ دعوةٌ لليهودِ والنصارى للدخولِ في الإسلامِ ، حتى يكونوا من الْمُفْلِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 156-157).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾‏ (الأعْرَافُ ، 7: 156-157).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا خَيْرَ الْغَافِرِينَ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "خَيْرِ الْغَافِرِينَ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خِيْرِ" أو "الْغافِرِينَ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى مَعَ مَنْ أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ. وقد ذَكَرَ لنا رسولُ الله ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنهُ "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ (لَيالٍ). يَلْتَقِيانِ ، فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا ، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ." [56]

31. ذُو الْمَغْفِرةِ

"ذُو الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "ذُو" ، وهوَ اسمٌ مِنَ الأسماءِ الخمسةِ ، الذي يعني صاحِبَ الشيءِ أو مالِكَهُ. وهناكَ عشرةٌ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى التي تبدأُ بهذهِ الكلمةِ ، وجميعُها موجودةٌ في هذهِ القائمةِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "ذِي الرَّحْمَةِ"

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةُ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا ، كما مَرَّ بيانُهُ في اسمِ "غافِرِ الذّنْبِ." وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "ذَا الْمَغْفِرةِ" يعني أنهُ ، تبارَكَ وتعالى ، صاحبُ المغفرةِ ومصدرُها ، الذي وَعَدَ عبادَهُ بها ، عند توبتِهِم وعودتِهم إليه ، جلَّ وعلا ، كما جاءَ في الأحاديثِ الشريفةِ ، التي تمتْ الإشارةُ إليها آنفاً ، في اسمِ "غَافِرِ الذَّنْبِ."

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرتينِ في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ معَ ذِكْرِ مغفرةِ اللهِ للناسِ على الرغمِ من ظلمهِم لأنفسهِم ولبعضِهِمِ البعضِ ، مع أنهُ شديدُ العقابِ للعتاةِ والطغاةِ الذينَ يُصرُّونَ على معاصيهِم (الرَّعْدُ ، 13: 6). وهوَ ، سبحانهُ وتعالى ، ذو مغفرةٍ لعبادِهِ المستغفرين ، وذو عِقابٍ أليمٍ للكافرين (فُصِّلَتْ ، 41: 43). كما أنَّ مغفرتَهِ لعبادِهِ التائبينَ المستغفرينَ هيَ فضلٌ مِنْهُ عليهِم ، لأنهُ ، جلَّ وعلا ، ذو الفضلِ العظيمِ على جميعِ مخلوقاتِهِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (الرَّعْدُ ، 13: 6).

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 43).

سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (الْحَدِيدُ ، 57: 21).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا ذُا الْمَغْفِرةِ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41) ، ثُمَّ الدعاء بما شاءَ ولِمن شاء.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "ذُو الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "ذُو" أو "الْمَغْفِرَةِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى مَعَ مَنْ أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، وما أوصى بهِ رسولُهُ الكريمُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كما تمَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "خَيْرِ الْغَافِرِينَ."

32. وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ

"وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "وَاسِعَ الْمَغْفِرةِ" يعني أنَّ مغفرَتَهُ ، تبارَكَ وتعالى ، رَحْبَةٌ وكثيرةٌ ، يَبْسُطُهَا لعبادِهِ عند توبتِهِم وعودتِهم إليه. فهوَ يغفرُ الذنوبَ جميعاً لمن شاء مِنْ عِبادِهِ ، ما داموا لا يشركونَ معهُ أحداً غيرَه (الزمر ، 39: 53 ؛ النساء ، 4: 48 ؛ التحريم ، 66: 8).

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، "وَاسِعُ الْمَغْفِرةِ" ، أي أنَّ مغفرَتَهُ رحبةً وكثيرةً وتَطَالُ مخلوقاتِهِ المكلفةِ كُلِّها ، في سماواتِهِ وأرضِهِ ، من ملائكةٍ وجنٍ وإنسٍ (النجم ، 53: 31). لكنَّ مغفرتَهُ مشروطةٌ بتجنبُ كبائرِ الإثمِ ، مثلِ الشركِ باللهِ ، والفواحشِ ، أي الذنوبِ الكبيرةِ ، كالزنا والسرقةِ وشُرْبِ الخمرِ. أمَّا اللممُ ، أي الذنوبِ الصغيرةِ ، فاللهُ "وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ" ، إذا ما أقلعَ عنها مرتكبوها ، وتابوا إلى ربِّهم واستغفروه (النجم ، 53: 32).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴿٣١﴾‏ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴿٣٢﴾‏ (النَّجْمُ ، 53: 32).

ولخصَ المفسرونَ الثلاثةَ أقوالَ من سَبَقَهُمْ في شرحِ معنى كلمةِ "اللممِ" ، الواردةِ في الآيةِ الكريمةِ 32 مِن سورةِ النَّجْمُ (53) ، فقالوا بأنها تشملُ الذنوبَ الصغيرةَ. فالزنا ، مثلاً ، يكونُ بحدوثِ الجِماعِ ، وهوَ فاحشةٌ ، أي مِنَ الذنوبِ الكبيرةِ. أمَّا مَا يؤدي إليهِ مِن استخدامِ أعضاءِ الجسمِ المختلفةِ فهو زنىً أيضاً ، ولكنهُ مِنَ اللممِ ، أي مِنَ الذنوبِ الصغيرةِ التي تتسعُ لها مغفرَةُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ورحمتُهُ. وكما قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "فالعينُ زِناها النظرُ ، واليدُ زِناها اللمْسُ ، والنفْسُ تَهوَى وتُحَدِّثُ." وهكذا فالنفسُ تزني بالتفكيرِ بالفاحشةِ والعينُ تزني بالنظرِ إلى الحرامِ ، والأذُنُ تزني بالاستماعِ إلى ما يثيرُ الغرائزِ ، والشفةُ تزني بالقبلةِ المحرمةِ ، واليدُ تزني بلمسِ ما ليسَ بحلالٍ ، والرِّجلُ تزني بالسيرِ إلى مكانٍ تُرتكبُ فيهِ الآثامُ.[57]

وقد ذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أنهُ الغفورُ الرحيمُ ، أي أنَّ صفتَهُ كغفورٍ قد اقترنتْ مَعَ صفتِهِ كرحيمٍ  (الْحِجْرُ ، 15: 49 ؛ الْكَهْفُ ، 18: 58). وعلى الرغم مِنْ أنَّ رَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ ، فإنَّ عذابَهَ واقعٌ لا محالةَ بالذين يُكَذِّبُونَ رُسَلَهُ (الأنْعَامُ ، 6: 147) ، وأنَّ رَحْمَتَهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (الأعْرَافُ ، 7: 156 ؛ غَافِرُ ، 40: 7). وهكذا ، فإنَّ صفتَهُ كواسعِ المغفرةِ (النَّجْمُ ، 53: 32) تلتقي مع صفتُهُ كواسعِ الرحمةِ ، وأنَّهُ غفورٌ ورحيمٌ بمخلوقاتِهِ ، لأنهُ كذلكَ وأهلٌ لذلكَ ، وخاصةً إذا ما أطاعَهُ عبادُهُ ، وتجنبوا نواهيهِ ، وتابوا إليهِ ، وطلبوا مغفرتَهُ ، حتى ينالوا ما وعدَهُم مِنْ رحمةٍ ومغفرة.

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ (الْكَهْفُ ، 18: 58).

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 147).

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾‏ (الأعْرَافُ ، 7: 156).

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (غَافِرُ ، 40: 7).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ يا وَاسِعَ الْمَغْفِرةِ" سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ! "أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ"(الأعْرَافُ ، 7: 155).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "وَاسِعِ الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "وَاسِعِ" أو "الْمَغْفِرَةِ" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مَرَّتْ مُنَاقَشَتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ له ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ ، وطاعةً لرسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

33. أهْلُ الْمَغْفِرةِ

"أهْلُ الْمَغْفِرةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أهْلُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ يعني الأسرةَ والأقارِبَ ، كما يعني الذَّوِيِّ والْوَلِيِّ. وهوَ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "أهَلَ" ، الذي يعني عَمِرَ ، وأصبحَ ولياً على ذَوِيهِ مِنْ أقاربَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمَغْفِرةِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَفَرَ" ، الذي يعني سامحَ وسترَ وعفا. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أهْلَ الْمَغْفِرةِ" يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، ولِيُّ المؤمنينَ ومَصْدَرُ المغفرةِ لهم ، الذي يسامِحُهم ، ويسترُ على أخطائِهِم ، ويعفوا عَنِ الكثيرِ مِنْ ذنوبِهِم.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ مَصْدَرُ المغفرةِ ، خاصةً لعبادِهِ الأتقياءِ ، الذينَ يداومونَ على ذِكْرِهِ وطاعتِهِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56).

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56).

وذكرَ الطبري أنَّ مِنْ معانيَ "أهْلُ الْمَغْفِرةِ" ، أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، شاءَ أن تكونَ مغفرتُهُ حَقٌ عليهِ للتائبينً والمستغفرينً مِنْ عبادِهِ ، والطائعين لهُ ، والذاكرينَ لكتابِهِ ، والعاملينَ لِما فيهِ. وأضاف القرطبي ما قالهُ محمدٌ بنُ نصرٍ عن معناهُ ، كأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: "أنا أهلٌ أنْ يتقيني عبدي ، فإنْ لم يفعلْ ، كنتُ أهلاً أنْ أغفرَ لهُ وأرحمَهُ ، وأنا الغفورُ الرحيمُ." وأوردَ ابنُ كثيرٍ قولَ قتادةَ: "هوَ أهلٌ أنْ يخافَ (عبادُهُ) منه ُ، وهوَ أهلٌ أنْ يغفرَ ذنبَ مَنْ تابَ إليهِ وأنابَ."

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، سُبْحَانَكَ ، إنَّكَ أنتَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ. "أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ"(الأعْرَافُ ، 7: 155).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أهْلِ الْمَغْفِرةِ" ، ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْغَافِرِ" أو "عبدَ الْغَفَّارِ" أو "عَبْدَ الْغَفُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على كلمةِ "أهْلِ" أو كلمةِ "الْمَغْفِرَةِ" مُنْفَرِدَتَيْنِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبلُ ، في قسمِ "أساليبِ البحثِ في أسماءِ اللهِ الحُسنى.".

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يكونَ غفوراً رحيماً حتى لِمَن أخطأ بحقهِ ، خاصةً مِنْ ذويهِ وأهلِ بيتِهِ ومَنْ يتعاملُ معهم. فلا يجدُ في نفسهِ حرجاً في أنْ يغفرَ لهم ، خاصةً إذا ما طَلَبَ منهُ المخطئُ العفوَ والمغفرةَ ، وذلكَ اتباعٌ لسنَّةِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، في المغفرةِ للمستغفرينَ من عبادِهِ ، وطاعةً لرسولِهِ الكريمِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

43. أهْلُ التَّقْوَى

"أهْلُ التَّقْوَى" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أهْلُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ يعني الأسرةَ والأقارِبَ ، كما يعني الذَّوِيِّ والْوَلِيِّ. وهوَ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "أهَلَ" ، الذي يعني عَمِرَ ، وأصبحَ ولياً على ذَوِيهِ مِنْ أقاربَ.

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "التَّقْوَى" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "اتَّقَى" ، الذي يعني حَذِرَ مِنْ شَيْءٍ وتَجَنَّبَهُ ، وقايةً للنفسِ وحمايةً لها مِنْهُ. وهكذا ، فالتقوى هيّ خشيةُ اللهِ حمايةً للنفسِ مِنْ غضبِهِ وعقابِهِ‏.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أهْلَ التَّقْوَى" يعني أنَّهُ ، تبارَكَ وتعالى ، جديرٌ بأنْ يتقيهِ عِبَادُهُ ، وذلكَ بطاعتِهِ فيما أمَرَ بهِ ، وباجتنابِ ما نَهى عنهُ ، وبالقيامِ بصالحِ الأعمالِ. فقد أمرَنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بأنَّ نبذُلَ الصدقاتِ ، مهما كانتْ صغيرَةً ، للنجاةِ مِنْ عذابِ النارِ ، فقالَ: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تَمْرَةٍ." [58]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، وذلكَ في سياقِ إخبارِنا بأنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هو مصدرُ التقوى ، خاصةً لعبادِهِ الذينَ يداومونَ على ذِكْرِهِ وطاعتِهِ ، حتى يصلوا إلى درجةِ التقوى ، التي تؤهلهم لتلقي مغفرتِهِ (الْمُدَّثِرُ ، 74: 56). كذلكَ فإنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليةِ وسلمَ ، قالَ: " إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ" ، أيْ أنَّ تكريمَ اللهِ للناسِ والْمُفاضَلَةَ بينَهُم لا يكونانِ إلْا على أساسِ تقوى كلٍّ مِنهُم ، بغضِّ النظرِ عن أنسابِهم وألوانِهم. [59]

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (الْمُدَّثِرُ ، 74: 56).

وقد أخبرنا ربُّنا ، عزَّ وجلَّ ، في الآيةِ الكريمةِ 2: 177 أن التقوى درجةٌ يصلُ إليها العبدُ المؤمنُ بقيامِهِ بصالحِ الأعمالِ ، التي توصلُهُ إلى البرِّ ، الذي يوصله إلى رضى اللهِ وجنتِهِ ، فقالَ في كتابِهِ الكريمِ:

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 177).

وذكرَ الطبري أنَّ مِنْ معانيَ "أهْلُ التَّقْوَى" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، أنَّهُ من حَقَّهِ ، جلَّ وعلا ، على عبادِهِ أن يتقوا عقابَهُ ، بالطاعةِ وبذكرِ كتابِهِ والعملِ بما فيهِ ، وبالتوبةِ والاستغفار لذنوبِهم. وأضاف القرطبي ما قالَهُ محمد بن نصر: "أنا أهلٌ أنْ يتقيني عبدي ، فإنْ لم يفعلْ ، كنتُ أهلاً أنْ أغفرَ لهُ وأرحمَهُ ، وأنا الغفورُ الرحيمُ." وأوردَ ابنُ كثيرٍ قولَ قتادة: "هو أهلٌ أنْ يخافُ (عبادُهُ) منه ُ، وهوَ أهلٌ أنْ يغفرَ ذنبَ مَنْ تابَ إليهِ وأنابَ."

وقد وردتْ كلمةُ "التقوى" 15 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مقترنةً مع طاعةِ اللهِ باجتنابِ الرفثِ والفسوقِ والجدالِ في الحَجِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 197) فذلكَ مِنَ التَّقوَى ، كما جاءَ ذكرُها معَ العفوِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 237) ، ومعَ التعاونِ على أعمالِ البرِّ (الْمِائِدَةُ ، 5: 2) ، ومع العدلِ (الْمِائِدَةُ ، 5: 8) ، ومع سَترِ العوراتِ (الأعْرَافُ ، 7: 26) ، ومع تأسيسِ الأعمالِ على الخيرِ (التَّوْبَةُ ، 9: 109) ، ومع الأمرِ للأهلِ بالصلاةِ (طَهَ ، 20: 132) ، ومع تعظيمِ شعائرِ اللهِ (الْحَجُّ ، 22: 32) ، ومع ذبحِ الأضاحي لإطعامِ الناسِ في الحجَّ (الْحَجُّ ، 22: 37) ، ومع السعيِّ للهُدى (مُحَمَّدُ ، 47: 17) ، ومع نزولِ السكينةِ على الرسولِ ، صلى اللهُ عليه وسلمَ ، والمؤمنين (الْفَتْحُ ، 48: 26) ، ومع غضِّ الأصواتِ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 3) ، ومع التناجيَ بالبرِّ (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 9) ، ومع ذِكرِ القرآنِ الكريم واتباعِ ما فيهِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56) ، ومع النفسِ الزكيةِ (الشَّمْسُ ، 91: 8-9).

وبالإضافةِ إلى أوصافِ "المُتَّقِينَ" التي ذُكِرَتْ في الآيةِ الكريمة 2: 177 ، جاءتْ أوصافٌ أخرى لهم في 11 آيةً في القرآنِ الكريمِ. فالمتقونَ يوصونً عندَ الموتِ للوالدينِ والأقربينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 180) ، ولا يعتدوا (الْبَقَرَةُ ، 2: 194) ، ويؤتونَ المطلقاتِ حقوقَهُنَّ (الْبَقَرَةُ ، 2: 241) ، ويوفونَ بالعهدِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 76) ، ويفعلونَ الخيرَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 115) ، ويقرِّبونَ صالحَ أعمالِهم خالصةً لوجهِ اللهِ (التَّوْبَةُ ، 9: 194) ، ويتمونَ عهودَهم (التَّوْبَةُ ، 9: 4) ، ويلتزمونَ بوعودِهم حتى معَ المشركينَ (التَّوْبَةُ ، 9: 7) ، ولا يَظلمونَ أنفُسَهُم ، خاصةً في الأشهرِ الحُرُمِ (التَّوْبَةُ ، 9: 36) ، ويجاهدونَ بأموالِهم وأنفسِهِم (التَّوْبَةُ ، 9: 44) ، ويقاتلونَ الكفارَ (التَّوْبَةُ ، 9: 123).

ووعدَ اللهُ "المُتَّقِينَ" جزيلَ الثواب ، كما جاء ذلكَ في 16 آيةً من آياتِ الذكرِ الحكيمِ. فذكَرَ أنَّ لهم حسنةٌ في الدُّنيا وخيرٌ من ذلكَ في الآخرةِ (النَّحْلُ ، 16: 30) ، وأنهُ جعلَ القرآنَ الكريمَ بُشرى لهم (مَرْيَمُ ، 19: 97) ، وأنهم أفضلُ المؤمنينَ عِندَهُ (ص ، 38: 28) ، وأنهُ وليُّهُم (الْجَاثِيَةُ ، 45: 19) ، وأنهم يُحشرونَ إليهِ كوفدٍ مُكرَّمٍ (مَرْيَمُ ، 19: 85) ، وفي ذلك اليومُ ، تتمنى النفسُ الإنسانيةُ أنْ تكونَ منَ المتقين (الزُّمَرُ ، 93: 57) ، ويومَ تأتي الساعةُ ، لا خوفٌ عليهِم ولا يحزنونَ (الزُّخْرُفُ ، 43: 67) ، وهم في يومِ الفصلِ ، في مَقامٍ أمينٍ (الدُّخَانُ ، 44: 51) ، وأنَّ جزاءَهم في الآخرةِ جناتُ عدنٍ تجري من تحتِها الأنهارُ (النَّحْلُ ، 16: 31) ، "لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ " (الزُّمَرُ ، 39: 20) ، في جناتٍ وعيونٍ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 15 ؛ الْحِجْرُ ، 15: 45) ، وفي جناتٍ ونعيمٍ (الطُّورُ ، 52: 17) ، وفي جناتٍ ونَهَرٍ (الْقَمَرُ ، 54: 54) ، وفي ظلالٍ وعيونٍ (الْمُرْسَلاتُ ، 77: 41).

وقد أمَرَ اللهُ عبادَهُ ، بأن "يتقوا" غضبَهُ وعقابَهُ وعذابَ نارِهِ في اليوم الآخر ، وذلك باستخدامِ فعلِ الأمرِ "اتَّقُوا" 81 مرةً ، في 77 آيةً من آياتِ القرآنِ الكريم. فقالَ ، عزَّ وجلَّ: "فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 24) ، "وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 131) ، و "اتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 48) ، "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 281) ، و "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ " (لُقْمَانُ ، 31: 33) ، و "اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ" ، أي اتقوا اليومَ الذي ستحاسبونَ فيهِ على ذنوبِكُم السابقةِ واللاحقةِ (يَس ، 36: 45).

وبيَّنَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ "اتقاءَ" غضبِهِ يكونُ بالإيمانِ بهِ وبخاتَمِ أنبيائهِ ورسله ، فقالَ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ" (الْحَدِيدُ ، 57: 28) ، وأطيعوا اللهَ ورُسُلَهُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 50 ؛ 172 ؛ الْمَائِدَةُ ، 5: 112 ؛ الأنْفَالُ ، 8: 1 ؛ الشُّعَرَاءُ ، 26: 108 ، 110 ، 126 ، 131 ، 132 ، 144 ، 150 ، 163 ، 179 ، 184 ؛ الزُّخْرُفُ ، 43: 63 ؛ الْحُجُرَاتُ ، 49: 1) ، "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ (الْحَشْرُ ، 59: 7) ، و "لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ " ، أي لا تقدموا آراءَكُم على أوامرِ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ (الحجرات ، 49: 1) ، واتبعوا كتابَ اللهِ (الأنْعَامُ ، 6: 155) ، ولا تكفروا باللهِ (النِّسَاءُ ، 4: 131) ، "وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 102). 

وبيَّنَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ "اتقاءَ" غضبِهِ يكونُ أيضاً بالقيامِ بأعمالِ الخيرِ وتجنبِ أعمالِ الشرِّ ، فقالَ: "وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الْبَقَرَةُ ، 2: 189) ، فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ (الْبَقَرَةُ ، 2: 194) ، وحافظوا على شعائرِ الحَجِّ والعمرةِ كما أمرَ بها اللهُ (ر ، 2: 196) ، "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ " (الْبَقَرَةُ ، 2: 223) ، وعاملوا المطلقاتِ بالحسنى وبالمعروفٍ (ا الْبَقَرَةُ ، 2: 231 ، 233 ؛ الطَّلاقُ ، 65: 1) ، "لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ " (الْبَقَرَةُ ، 2: 278 ؛ آلِ عِمْرَانَ ، 3: 130) ، "إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ" (البقرة ، 2: 282) ، واشكروا اللهَ على نصرِهِ لكُم (آلِ عِمران ، 3: 123) ، " اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 200) ، وتوادوا وتراحموا (النِّسَاءُ ، 4: 1) ، " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ "(الْمَائِدَةُ ، 5: 2) ، وكلوا الحلالَ مِنَ الطيباتِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 4 ، 88 ، 96 ؛ الأنْفَالُ ، 8: 69) ، واذكروا نعمةَ اللهِ عليكم (الْمَائِدَةُ ، 5: 7).

كما أمرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، بأداءِ الشهادةِ بالقسطِ والعدلِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 8 ، 108) ، وتوكلوا على اللهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 11) ، وابتغوا الوسيلةَ إليهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 35) ، ولا تتخذوا المستهزئينَ بدينِكُم أولياءَ (ا الْمَائِدَةُ ، 5: 57) ، وابتعدوا عن الخبائثِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 100) ، واذكروا اللهَ عندَ وسوسةِ الشيطانِ (الأنْعَامُ ، 7: 201) ، "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ " (الأنْفَالُ ، 8: 25) ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التَّوْبَةُ ، 9: 119) ، وتجنبوا السيئاتِ التي فعلَها قومُ لوطٍ (هُودُ ، 11: 78 ؛ الْحِجْرُ ، 15: 69) ، وانظروا كيفَ كانَ عاقبةَ الذينَ من قبلِكُم (يُوسُفُ ، 12: 109) ، "وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" (الأحْزَابُ ، 33: 70) ، وأصلحوا بينَ المؤمنينَ (الْحُجُرَاتُ ، 49: 10) ، و "اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ" (الْحُجُرَاتُ ، 49: 12) ولا "تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ " (الْمُجَادِلَةُ ، 58: 9) ، و "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ " ، أي ليومِ الحسابِ (الْحَشْرُ ، 59: 18) ، واعدلوا في التعويضات (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 11) ، "وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ " (التَّغَابُنُ ، 64: 16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أنتَ أهْلَ التَّقْوَى" ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ. اجعلني مِنْ عبادِكَ المتقينَ ، واشملني بمغفرتِكَ ، أنا وأفرادَ أسرتي وأقاربي ، وعمومَ المؤمنينَ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى. كما لا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "أهْلِ" أو "التَّقْوَى" منفردتينِ ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجاهدَ نفسَهُ ليكونَ مِنَ المتقينَ ، فيما يقولُ وفيما يفعلُ ، حتى يُصبحَ سلوكَهُ مُعَبِّرَاً عنْ طاعتِهِ لأوامِرِ اللهِ ، وعنْ تجنبِهِ لنواهيهِ ، وعنْ تَقَرُّبِهِ إليهِ بالصدقاتِ على عبادِهِ المُحتاجين.

35. الْقَاهِرُ

"الْقَاهِرُ" اسمُ صفةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "قَهَرَ" ، الذي يعني غَلَبَ وَسَيْطَرَ وَهَزَمَ وأجْبَرَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَاهِرَ" هوَ الغالِبُ والمسيطرُ فوقَ خَلْقِهِ ، مَنْ آمنَ مِنهم ومن كفرَ ، وذلكَ بما أقامَهُ عليهِم مِنَ الآياتِ الدّالّةِ على إلاهيتِهِ ، وعلى محدوديةِ قدراتِهم وآجالِهِم في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى وقوفِهِم بلا حولٍ ولا قوةٍ أمامَهُ للحسابِ في الآخِرة.

وقد ذُكِرَ "الْقَاهِرُ" ، كأحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مرتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفاً ، ومُقترناً مَعَ اسميْنِ آخرَينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هُما الْحَكِيمُ والْخَبِيرُ ، بما يعني أنهُ القاهرُ فوقَ عبادِهِ لحكمةٍ يعلمُها هوَ ، وعن خبرةٍ بِهِم وبما يَصْلُحُ لهم (الأنْعَامُ ، 6: 18). كما جاءَ مُقترناً مَعَ الشاهدِ المُطلقِ لقهرِهِ لعبادِهِ ، وهوَ موتِهِم ، الذي ليسَ لهم إزاؤهُ حولاً ولا قوةً (الأنْعَامُ ، 6: 61).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 18).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 61).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِكَ": أعِنِّي على قَهْرِ شهواتِ نفسي ، ولا تجعلْني جباراً شقياً ، وجَنِّبْنِي وأهلي قَهَرَ شياطينِ الإنسِ والجنَّ ، الذينَ يقهرونَ عبادَكَ الصالحين.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَاهِرِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ على قهرِ جميعِ خلقِهِ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما جاءَ في قولِهِ ، تبارَكَ وتعالى: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32) ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ القاهرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ في قَهَرِ أعدائهِ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، وذلكَ بقهرِ شهواتِ نفسهِ أولاً. فإنْ فعلَ ذلكَ ، فقد قَهَرَ الناسَ كافةً ، فلم يقدرْ عليهِ أحد ، كما قالَ الغزالي. أمَّا القرَضاوي ، فإنهُ رأى أنَّ "القاهرَ" (صفةً لا اسماً) مِنْ عبادِ اللهِ هوَ مَن يسعى لنجاةِ المجتمعِ أيضاً ، بالإضافةِ إلى نجاةِ نفسِهِ ، وذلكَ بالتصدي لشياطينِ الإنسِ الذينَ يفسدونَ في الأرضِ ، ويشوهونَ الدينَ ، ويضيعونَ الدُّنيا ، سواءً كانوا حكاماً أو محكومين.

كما أنَّ على المؤمنِ العملَ على نجاةِ نفسِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءَ ، وذلكَ بقولِ الحقِّ والعملِ بهِ ونشرِهِ بينَ الناسِ ، والتصدي للباطلِ أينما كانَ ، على مستوى العالَمِ كلِّهِ ، خاصةً أنَّ ذلكَ قد أصبحَ مُتاحاً لكلِّ فردٍ ، بفضلِ الثورةِ المعلوماتيةِ والاتصالاتيةِ التي نعيشُها اليوم.

36. الْقَهَّارُ

"الْقَهَّارُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرً ، هوَ "قَاهِرُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "قَهَرَ" ، الذي يعني غَلَبُ وسَيْطَرَ وهَزَمَ وأجْبَرَ ، أي أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هو شديدُ الغلبةِ والسيطرةِ فوقَ عبادِهِ ، مَنْ آمنَ مِنهم ومَنْ كفرَ ، ولا مثيلَ لقدرتِهِ على القهرِ. وهوَ قهارٌ لخلقهِ بإماتتِهِم في الدُّنيا ، وببعثِهِم عاجزينَ أمامَهُ للحسابِ في الآخرة.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ستَّ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ فيها جميعاً مقترناً مع اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْوَاحِدُ" ، بما يعني أنهُ الإلهُ الواحدُ الذي لا إلهَ غيرُهُ ، القهارُ لخلقهِ جميعاً ، أينما وجدوا في ملكوتهِ الواسعِ ، في الدُّنيا والآخرة.

فاللهَ هوَ "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ." وفي ذلكَ بُطْلانٌ للاعتقادِ بآلهةٍ متعددةٍ ، كما كانّ الحالُ في مِصْرَ ، عندما أُلقيَ يوسُفُ ، عليهِ السلام ُ ، في السجنِ (يُوسُفُ ، 12: 39). وهوَ الخالِقُ لكلِّ شيءٍ ، أيْ إنَّهُ القادرُ على قَهرِ جميعِ خلقِهِ (الرَّعْدُ ، 13: 16). وهوَ "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" الذي يُجْبِرُ خلقَهُ للبروزِ مِنَ الأرضِ ، والوقوفِ أمامَهُ للحساب ، في يومِ القيامةِ ، بلا حولٍ ولا قوةٍ منهم (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48).

وهوَ الذي أرسلَ خاتَمَ رُسُلِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، نذيراً للعُصاةِ مِنْ خلقِهِ (ص ، 38: 65) ، والذي لو أرادَ أنْ يكونَ لهُ ولدٌ لاصطفى مِنْ خلقِهِ مَنْ شاءَ لهذا الغرضِ. لكنهُ ، جلَّ وعلا ، لم يُرِدْ ذلكَ ، لأنهُ ليسَ بحاجةٍ لأيٍّ مِنْ خلقِهِ ، كيفَ لا ، وهو "الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. (الزُّمَرُ ، 39: 4).

وهوَ الذي يبرزُ الخلقُ أمامَهُ ، لا يخفى منهم شيءٌ ، في يومِ القيامةِ ، فيقولُ تباركَ وتعالى: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يُجيبُهُ أحدٌ من خلقِهِ ، بما في ذلكَ الملائكةُ. فيجيبُ هوَ ، سبحانهُ وتعالى ، نفسَهُ: "للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" ، أي الذي قهرَهُم بالموتِ ، ثمَّ البعثِ والحسابِ ، فالثوابِ أو العِقاب (غَافِرُ ، 40: 16).

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (يُوسُفُ ، 12: 39).

... اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرَّعْد ، 13: 16).

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 48).

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (ص ، 38: 65).

لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الزُّمَرُ ، 39: 4).

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (غَافِرُ ، 40: 16).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْقَهَّارُ فَوْقَ عِبَادِكَ" أعنِّي على قهرِ شهواتِ نفسي ، وجنِّبني وأهلي قهرَ شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، ولا تجعلْني جباراً شقياً ، مِنَ الذينَ يقهرونَ عبادَكَ الصالحين.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَهَّارِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ على قهرِ جميعِ خلقِهِ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ التي نهانا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عنها ، في قولِهِ: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32). ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْقَهَّارِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ في قَهَرِ أعدائهِ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ ، وذلكَ بقهرِ شهواتِ نفسهِ أولاً. كما أنَّ عليهِ أنْ يسعى لنجاةِ المجتمعِ أيضاً ، بالإضافةِ إلى نجاةِ نفسِهِ ، وذلكَ بالتصدي لشياطينِ الإنسِ الذينَ يفسدونَ في الأرضِ ، ويشوهونَ الدينَ ، ويضيعونَ الدُّنيا ، سواءً كانوا حكاماً أو محكومين.

كما أنَّ على المؤمنِ العملَ على نجاةِ نفسِهِ ومجتمعِهِ والبشريةِ جمعاءَ ، وذلكَ بقولِ الحقِّ والعملِ بهِ ونشرِهِ بينَ الناسِ ، والتصدي للباطلِ أينما كانَ ، على مستوى العالَمِ كلِّهِ ، خاصةً أنَّ ذلكَ قد أصبحَ مُتاحاً لكلِّ فردٍ ، بفضلِ الثورةِ المعلوماتيةِ والاتصالاتيةِ التي نعيشُها اليوم.

37. الوَهَّابُ

"الْوَهَّابُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "واهبُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "وَهَبَ" ، الذي يعني مَنَحَ وأعْطَى وَرَزَقَ وأنْعَمَ ، دونَ مُقابلٍ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْوَهَّابَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي لا مثيلَ لهُ فيما يَهَبُ ، وهوَ كثيرُ العطاءِ لخلقِهِ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

 وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ على لسانِ الراسخينَ في العلمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 7) ، الذينَ أعلنوا إيمانَهم بكتابِ اللهِ ، شاكرينَ لهُ الهدايةَ ، وسائلينَ رحمتَهُ ، متوسلينَ إليهِ ، ومعترفينَ بفضلِهِ عليهِم ، وذلكَ بقولِهِم: "إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8). وجاءَ كوصفٍ للهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، لنفسِهِ ، بأنَّهُ الْعَزِيزُ الْوَهَّابُ ، وذلكَ في الإشارةِ إلى رحمتِهِ العظيمةِ لخلقِهِ (ص ، 38: 9). كما كانَ وصفاً للهِ ، عزَّ وجلَّ ، على لسانِ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، في مَعرِضِ دعائِهِ لربِّهِ بأنْ يَهَبَ لهُ مُلكاً فريداً لا يُعطَى لأحدٍ مِنْ بعدِهِ ‎‎(ص ، 38: 35).

وهكذا ، توضحُ لنا هذهِ الآياتُ الكريمةُ المعنى الأساسَ لاسمِ ربِّنا ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ "الْوَهَّابُ" ، أي الذي يَهَبُ عبادَهُ بما لا يُمكنُ لأحدٍ غيرهِ أنْ يفعلَ. فهوَ وحدُهُ الذي يملكُ خزائنَ الرحمةِ ، وهوَ وحدُهُ الذي يُمكنُهُ أنْ يَهَبَ مُلكاً ، يَدِينُ فيهِ الإنسُ والجنُّ والطيرُ بالطاعةِ ، لعبدٍ مِنْ عِبادِهِ. 

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8).

أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (صَ ، 38: 9).

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ‎‎(صَ ، 38: 35).

وذُكِرَتْ صفةُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "الْوَهَّابُ" لعبادِهِ ، 16 مرةً في القرآنِ الكريمِ. فجاءت مرتانِ منها بصيغةِ فعلِ الطلبِ "هَبْ" ، وذلكَ في طلبِ المؤمنينَ مِنَ اللهِ: "وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ " (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 8) ، وفي طلبِ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ ربِّهِ: "وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ " (ص ، 38: 35). وجاءتْ مرتانِ أخريانِ ، بصيغةِ الفعلِ المضارعِ "يَهَبُ" ، يُقَرِّرُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، فيهما أنهُ الذي "يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ" (الشُّورَى ، 42: 49).

واحتوتْ 12 آيةً أخرى على الفعلِ الماضي "وَهَبَ" ، وذلك َفي ذِكْرِ ما وَهَبَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لِرُسُلِهِ وأنبيائِهِ ، عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُهُ أجمعين. فأشارتْ سِتُّ آياتٍ منها إلى أنَّ اللهَ قد "وَهَبَ" إبراهيمَ ابنيهِ إسماعيلَ وإسحاقَ ، وحفيدَهُ يعقوبَ (الأنْعَامُ ، 6: 84 ؛ إبْرَاهِيمُ ، 14: 39 ؛ مَرْيَمُ ، 19: 49 ؛ مَرْيَمُ ، 19: 50 ؛ الأنْبِيَاءُ ، 21: 72 ؛ الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 27).

وأشارتْ سِتُ آياتٍ أخرى إلى أنَّ ربَّنا ، عزَّ وجلَّ ، قد "وَهَبَ" لموسى حُكماً وجعلَهُ مِنَ المرسَلينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 21) ، وَوَهَبَ لهُ مِنْ رحمتِهِ "أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 53). كما وَهِبَ لأيوبَ "أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ" (ص ، 38: 43) ، وَوَهَبَ "لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ" ( ص ، 38: 30) ، وَوَهَبَ ليحيى ابنَهُ زكريا ( الأنْبِيَاءُ ، 21: 90) ، وَأحَلَّ لخاتَمِ رُسُلِهِ ، محمدٍ ، عليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ "امْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ" (الأحْزَابُ ، 33: 50).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْوَهَّابُ" ، هَبْ لي ذريةً صالحةً ، واجعلني مِنْ أهلِ جنةِ النعيمِ ، وهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ عملاً صالحاً يقربني إليك ، يا أرحمَ الراحمين.

وقد رأى الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، أنَّ مِنْ غيرِ المُتَصَوَرِ أنْ يصلَ البشرُ إلى مرتبةِ الْوَهْبِ. فقالَ إنَّ الْوَهَّابَ مِنَ الناسِ هوَ "الذي يبذلُ جميعَ ما يملكُهُ ، حتى الروحِ ، لوجهِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فقط ، لا للوصولِ إلى نعيمِ الجنةِ أو الحذرِ مِنْ عذابِ النار ، أو لِحَظٍّ عاجلٍ أو آجلٍ ، مِما يُعَدُّ مِنْ حظوظِ البشريةِ."

ولذلكَ ، لا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْوَهَّابِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنَّ هباتِهِ لخلقِهِ لا يَقْدِرُ على عطائِها غيرُهُ ، منزهةً عن أيِّ غرضٍ أو حاجةٍ لهُ ، عزَّ وجلَّ. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْوَهَّابِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يُجاهدَ نفسَهُ بأنْ يكونَ عطاؤهُ لغيرِهِ خالصاً لوجهِ الله ، سبحانهُ وتعالى ، وليس بهدفِ الثناءِ عليهِ ، أو لتجنبِ الحسدِ والكراهيةِ مِنَ الآخرينَ في هذهِ الدنيا.

38. الرَّزَّاقُ

"الرَّزَّاقُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "رَازِقُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "رَزَقَ" ، الذي يعني منحَ وأعطى وأكسبَ ما يحتاجُهُ المخلوقُ مِنْ قوتٍ يؤودُهُ. وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي خلقَ الرزقَ وساقهُ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، مِنْ إنسٍ وجنٍ وحيواناتٍ وحشراتٍ ونباتاتٍ ، وهوَ كثيرُ الرزقِ لخلقِهِ المكلَّفينَ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

 وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 52: 58 ، مع اسمينِ آخرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "ذُو الْقُوَّةِ" و "الْمَتِينُ." وذلكَ يعني أنهُ ، جلَّ وعلا ، القويُّ القادرُ على رزقِ مخلوقاتِهِ كلِّها ، بما في ذلكَ المكلَّفةِ منها ، كالجنِّ والإنس والجنِّ. فقد أخبرَتْنا الآيتانِ الكريمتانِ 51: 56-57 بأنه قد خلقَهُم لغرضٍ واحدٍ فقط ، لكي يعبدوهُ ، لا ليرزقوهُ أو يطعموهُ ، تباركَ وتعالى. وعلى العكسِ منْ ذلكَ ، فهوَ الذي يرزقُهُم بما تحتاجُهُ أبدانُهِم وعقولُهم ، دونَ الحاجةِ إليهِم وإلى أعمالِهِم.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ (الذَّريِاَتُ ، 51: 58).

ووردَ الفعلُ "رَزَقَ" ، بأشكالِهِ ومشتقاتِهِ المختلفةِ ، 122 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 37 مرةً في الزمنِ الماضي ، كما جاء في الآيةِ 88 من سورةِ الْمِائِدَةِ (5) ؛ و 15 مرةً في الزمنِ المضارعِ ، كما جاءَ في الآيةِ 212 منْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ؛ و 3 مراتٍ في المستقبَلِ ، كما جاءَ في الآيةِ 58 مِنْ سورةِ الْحَجِّ (22) ، و 5 مراتٍ في صيغةِ الطلبِ ، كما جاء في الآيةِ 114 من سورةِ الْمَائِدَةِ (5).

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 88).

وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (الْبَقَرَةُ ، 2: 212).  

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْحَجُّ ، 22: 58).

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 114).

وتضمنتْ مشتقاتُ الفعلِ "رَزَقَ" ، التي وردتْ في القرآنِ الكريمِ 55 اسماً ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 51: 22 ؛ والصفةَ الجمعيةَ "رازقينَ" ، التي ذُكِرَتْ مرةً واحدةً ، في الآيةِ الكريمةِ 15: 20. كما تضمنتْ اسمَ "الرَّزَّاقِ" ، الذي جاء في الآيةِ الكريمةِ 51: 58 ، المذكورةِ أعلاهُ. واشْتُقَ منهُ أيضاً أسمُ "خَيْرِ الرَّازِقِينَ" ، الذي وردَ في 5 آياتٍ كريمةٍ ، سيتمُّ ذكرُها في ذلكَ الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بإذنِهِ تعالى.  

وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (الذَّارِيَاتُ ، 51: 22).

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (الْحِجْرُ ، 15: 20).

وقد أشارَ الغزالي إلى نوعينِ مِنَ الرزقِ ، هما الظاهرِ الذي يتضمنُ "الأقواتَ والأطعمةَ ، وذلكَ للظواهرِ ، وهيَ الأبدانِ ؛ والباطنِ ، وهيَ المعارفِ والمكاشفاتِ ، وذلكَ للقلوبِ والأسرارِ. وهذا أشرفُ الرزقينِ ، فإنَّ ثمرتَهُ حياةُ الأبدِ ، وثمرةُ الرزقِ الظاهرِ قوةُ الجسدِ إلى مدةٍ قريبةِ الأمد. واللهُ ، عزَّ وجلَّ ، هو المتولي لخلقِ الرزقينِ ، والمتفضلُ بالإيصالِ إلى كلا الفريقينِ ، ولكنهُ "يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ "(الرَّعْدُ ، 13: 26).

وعلى ذلكَ ، فإنَّ مِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، لنيلِ النوعينِ مِنَ الرزقِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الرَّزَّاقُ" ، ارزقني وأهلي مِنْ خيرِكَ الكثيرِ ، مِنْ طعامٍ وشرابٍ وكساءٍ ومسكنٍ ، وغيرِ ذلكَ مما يحتاجُ إليهِ البدنُ. اللهُمَّ ، يا رَزَّاقُ ، ارزقني حكمةً مُرشدةً وعلماً نافعاً ، واهدني فيما أقولُ وأفعلُ إلى سواءِ السبيلِ ، واجعلني سبباً لوصولِ الأرزاقِ إلى خلقِكَ ، يا رزاقُ يا كريم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الرَّزَّاقِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ مصدرُ النوعينِ مِنَ الرزقِ لخلقهِ كلِّهم ، يجودُ بهما عليهِم دونما توقعٍ لأي مقابلٍ منهم. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّزَّاقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يساعدَ غيرَهُ في كسبِ الرزقِ الحلالِ ، بالإرشادِ وتقديمِ النصيحةِ والعونِ في الحصولِ على الوظائفِ والمحافظةِ عليها. كما أنَّ عليهِ أنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ للحصولِ على رزقِهِ بالوسائلِ المشروعةِ الحلالِ ، وينفقُهُ في الأوجهِ التي حددها "الّرَّزَّاقُ" ، سبحانهُ وتعالى ، الذي سيحاسبُهُ "عن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ" ، كما جاء في الحديثِ الشريفِ. [60]

39. خَيْرُ الرَّازِقِينَ

"خَيْرُ الرَّازِقِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الرَّازِقِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَزَقَ" ، الذي يعني منحَ وأعطى وأكسبَ ما يحتاجُهُ المخلوقُ مِنْ قوتٍ يؤودُهُ.

وهكذا ، "فخَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، هوَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ أيِّ مخلوقٍ يمنحُ أو يعطي شيئاً لمخلوقٍ آخَرَ. فهوً الذي خلقَ الرزقَ وساقهُ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، مِنْ إنسٍ وجنٍ وحيواناتٍ وحشراتٍ ونباتاتٍ ، وهوَ كثيرُ الرزقِ لخلقِهِ المكلَّفينَ ، دون مُقابلٍ منهم ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوا.

وعلى الأخصِّ ، فإنَّ هذا الاسمَ يعني أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، هوَ خيرٌ مِنْ أيِّ رازقٍ آخرَ مِنْ خلقِهِ. فهوَ خيرٌ للأولادِ من أبويهِم ، لأنهُ الرازقُ الأساسُ للأبوينِ ، وهو خيرٌ للرعيةِ مِنَ الراعي ، لأنهُ الذي يهبُ الأرضَ مقوِّماتِ الحياةِ فيها ، بما في ذلكَ مصادرَ مياهِها ، وتربتِها ، ومعادِنها.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الرَّازِقِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وقد ذُكِرَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هذا الاسمِ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى خمسَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُذَكِّراً المؤمنينَ بأنهُ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، وذلكَ عندما طلبَ منهُ عيسى ، عليهِ السلامُ ، أنْ يُنْزِلَ عليهِ وعلى الحواريينَ مائِدةً مِنَ السماء (المائدة ، 5: 114) ؛ ومبشراً الذينَ يُقتلونَ أو يموتونَ ، وهم في سبيلِ اللهِ ، بأنَّ لهم في الآخرةِ رِزقاً حسناً (الْحِجُّ ، 22: 58) ؛ ومطمئناً رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنَّ أجرَهُ على اللهِ ، لا على الناس (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 72) ؛ ومشجعاً المؤمنينَ على الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ ، وأنهُ سَيُخْلِفُ لهم ما ينفقونَ (سَبَأُ ، 34: 39) ؛ ومعاتباً المؤمنينَ الذينَ كانوا يخرُجونَ إلى اللهوِ والتجارةِ ويتركونَ النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في المسجدِ قائماً ، مُذَكِّرَاً لهم بأنهُ "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (الْجُمُعَةُ ، 62: 11).

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 114).

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْحَجُّ ، 22: 58).

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 72).

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سَبَأُ ، 34: 39).

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْجُمُعَةُ ، 62: 11).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، لنيلِ النوعينِ مِنَ الرزقِ ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، ارزقني وأهلي مِنْ خيرِكَ الكثيرِ ، مِنْ طعامٍ وشرابٍ وكساءٍ ومسكنٍ ، وغيرِ ذلكَ مما يحتاجُ إليهِ البدنُ. اللهُمَّ ، يا خَيْرَ الرَّازِقِينَ ، ارزقني حكمةً مُرشدةً وعلماً نافعاً ، واهدني فيما أقولُ وأفعلُ إلى سواءِ السبيلِ ، واجعلني سبباً لوصولِ الأرزاقِ إلى خلقِكَ ، يا رزاقُ يا كريم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الرَّزَّاقِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ مصدرُ النوعينِ مِنَ الرزقِ لخلقهِ كلِّهم ، يجودُ بهما عليهِم دونما توقعٍ لأي مقابلٍ منهم. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الرَّزَّاقِ" ، أو "عَبْدَ الرَّازِّقِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ للحصولِ على رزقِهِ بالوسائلِ المشروعةِ الحلالِ ، وينفقُهُ في الأوجهِ التي حددها "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ، سبحانهُ وتعالى. كما أنَّ عليهِ أن يساعدَ غيرَهُ في كسبِ الرزقِ ، بالإرشادِ وتقديمِ النصيحةِ والعونِ في الحصولِ على الوظائفِ والمحافظةِ عليها.

40. الْفَتَّاحُ

"الْفَتَّاحُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمٍ آخرَ ، هوَ "فَاتِحُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "فَتَحً" ، الذي يعني هَدَى ، وفَصَلَ بينَ شيئينِ ، وقَضى بينَ الناسِ ، ونصرَ فريقاً على فريقٍ آخرَ. وهكذا ، فاسمُ "الْفَتَّاحِ" ، كأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هو الذي فتحَ على الإنسانيةِ بالهدايةِ مِنْ خلالِ الوحيِّ إلى رُسُلِهِ ، وهوَ الذي يفتحُ ، أي يَفْصِلُ بوضوحٍ بين الحقِّ والباطلِ ، فيقضي على أساسِهِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، في يومِ الحساب. كما أنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرزقِ والمعرفةِ والقوةِ لعبادِهِ ، وأبوابَ الرحمةِ للتائبينَ ، وهوَ الناصرُ للمؤمنينَ في فتوحاتِهم.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 34: 26 ، التي يقولُ فيها ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يخبرَ المشركينَ ، الذينَ رفضوا دعوتَهُ لهم ، أنهُ سيجمعُهُ بِهِم في يومِ الحساب ، ليقضيَ بينهُ وبينهم بالحقِّ.

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (سبأ ، 34: 26).

ووردَ الفعلُ "فَتَحَ" ، بأشكالِهِ ومشتقاتِهِ المختلفةِ ، 33 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 10 مراتٍ ، جاءتْ في صيغةِ الاسمِ ، كما في الآيةِ 141 من سورةِ النِّسَاءِ (4) ، بمعنى النصرِ والغلبة ؛ ومنها 14 مرةً في الزمنِ الماضي ، كما جاء في الآية 76 من سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، بمعنى الوحيِّ برسالاتِ الله لهدايةِ البشرِ ، وفي الآيةِ 44 مِنْ سورةِ الأنْعَاَمِ (6) ، بمعنى فتحِ الأبوابِ. ووردَ 6 مراتٍ في الزمنِ المضارعِ ، كما جاءَ في الآية الثانية منْ سورةِ فَاطِرِ (35) ، بمعنى إنزالِ رحمةِ اللهِ على الناسِ ؛ و مرتينِ في صيغةِ الطلبِ ، كما جاء في الآية 89 من سورةِ الأعْرَافِ (7) بمعنى القضاءِ بينَ الناسِ ؛ ووردَ كصفةٍ مرةً واحدةً ، في الآية 50 مِنْ سورة صَ (38) ، في وصفِ الجنةِ بأنها مفتحةُ الأبوابِ.

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ (النِّسَاءُ ، 4: 141).

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 76).

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 44).

مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (فَاطِرُ ، 35: 2).

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 89).

جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (صَ ، 38: 50).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، يا فَتَّاحُ" ، افتحْ لي ولوالديَّ وأهلي أبوابَ رحمتِكَ وجنةَ خُلدِكَ ، وافتحْ عليَّ محبةَ كتابِكَ وَتَعَلُّمَهُ ، وتعليمَهُ للناسِ ، وانصرني على مَنْ ظلمني في هذهِ الدنيا ، وافتحْ بيني وبينَهُ بالحقِّ ، في يومِ الحسابِ ، يا فَتَّاحُ ، يا عليم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الفَتَّاحِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرحمةِ والجنةِ ، وهوَ وحدَهُ الذي يقضي بين الناس في يومِ الحساب. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الفَتَّاحِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وتعليمِهِ للناسِ ، وأنْ يكونَ رحيماً في التعامُلِ معهم ، وأنْ يقضي بينهم بالحقِّ ، سواءً كانَ ذلكَ بينَ أفرادِ أسرتِهِ أو أقارِبِهِ أو مجتمعِهِ ، أو على مستوى الأرضِ كلِّها.

 

 

41. خيرُ الْفَاتِحِينَ

"خيرُ الْفَاتِحِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْفَاتِحِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "فَتَحً" ، الذي يعني هَدَى ، وفَصَلَ بينَ شيئينِ ، وقَضى بينَ الناسِ ، ونصرَ فريقاً على فريقٍ آخرَ.

وهكذا ، فإنَّ "خيرَ الْفَاتِحِينَ" ، كأحَدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ الفاتحينَ الآخرينَ مِنْ خلقِهِ ، وذلكَ بتفرُّدِهِ عنهم بأنهُ هوَ الذي فتحَ على الإنسانيةِ بالهدايةِ مِنْ خلالِ الوحيِّ إلى رُسُلِهِ ، وهوَ الذي يفتحُ ، أي يَفْصِلُ بوضوحٍ بين الحقِّ والباطلِ ، فيقضي على أساسِهِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، في يومِ الحساب. كما أنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرزقِ والمعرفةِ والقوةِ لعبادِهِ ، وأبوابَ الرحمةِ للتائبينَ ، وهوَ الناصرُ للمؤمنينَ في فتوحاتِهم.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الْفَاتِحِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مرةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمة 7: 89 ، التي أخبرتنا بالحوارِ الذي دارَ بينَ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، والمستكبرينَ من قومِهِ ، الذينَ هددوا بإخراجِهِ هوَ والمؤمنينَ معهُ من قريتِهِم ، إن لم يعودا عن إيمانِهِم بالله (7: 88). فأجابَهم بأنهُ لنْ يفعلَ ذلكَ ، وتوجَّهَ إلى اللهِ بالدعاءِ بأنْ يفتحَ بينَهُ وبينَهُم بالحقِّ ، وهوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (7: 89).

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 88).

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 89).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، يا خَيْرَ الْفَاتِحِينَ" ، افتحْ لي ولوالديَّ وأهلي أبوابَ رحمتِكَ وجنةَ خُلدِكَ ، وافتحْ عليَّ محبةَ كتابِكَ وَتَعَلُّمَهُ ، وتعليمَهُ للناسِ ، وانصرني على مَنْ ظلمني في هذهِ الدنيا ، وافتحْ بيني وبينَهُ بالحقِّ ، في يومِ الحسابِ ، يا فَتَّاحُ ، يا عليم.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ المركب ، ولا باسمِ "الفَتَّاحِ" مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ الذي يفتحُ أبوابَ الرحمةِ والجنةِ ، وهوَ وحدَهُ الذي يقضي بين الناس في يومِ الحساب. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الفَتَّاحِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وتعليمِهِ للناسِ ، وأنْ يكونَ رحيماً في التعامُلِ معهم ، وأنْ يقضي بينهم بالحقِّ ، سواءً كانَ ذلكَ بينَ أفرادِ أسرتِهِ أو أقارِبِهِ أو مجتمعِهِ ، أو على مستوى الأرضِ كلِّها.

42. الْعَلِيمُ

"الْعَلِيمُ" أسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِنِ اسمِ آخرَ ، هوَ "عَالِمٌ" ، المشتقُّ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. وهوَ يشتركُ ، في الاشتقاقِ منْ نفسِ الفعلِ ، معَ ثلاثةٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هي: "عَالِمُ الْغَيْبِ" و "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "عَلَّامُ الْغُيُوبِ."

و "الْعَلِيمُ" ، كاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، يعني أنَّ اللهً ، سبحانهُ وتعالى ، عليمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ عليمٌ بما كانَ ، وما هوَ كائنٌ ، وما سيكونُ ، وما لم يكنْ ، كما جاء في الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ. [61]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 32 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومقترناً فيها جميعاً مع اسمٍ آخرَ من أسمائِهِ ، عزَّ وجلَّ. فجاءَ مَعَ "السَّمِيعِ" في 15 آيةً منها ، ومَعَ "الْحَكِيمِ" في 6 آياتٍ ، ومَعَ "الْعَزِيزِ" في 6 آياتٍ أخرى. وجاءَ مرتينِ مَعَ "الْخَلَّاقِ" ، ومرةً واحدةً مَعَ كلٍّ مِنَ "الْفَتَّاحِ" و "الْقَدِيرِ" و "الْخَبِيرِ" ، كما في الأمثلة التالية:

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 76).

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 32).

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (الأنْعَامُ ، 6: 96).

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿٨٥﴾‏ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨٦﴾‏ (الْحِجْرُ ، 15: 85-86).

قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٥﴾‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴿٢٦﴾‏ (سَبَأُ ، 34: 25-26).

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الرُّومُ ، 30: 54).

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3).

وبالنظرِ إلى الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَ فيها اسمُ "الْعَلِيمِ" مُعَرَّفاً ، يمكنُ التعرُّفُ على معانيَ عديدةٍ لهُ فيها.  فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الْعَلِيمُ لأنهُ الإلهُ ، الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ وما بينَهُما ومَنْ فيهما. وهوَ العليمُ بخلقِ الإنسانِ مِنْ ضعفٍ في الرحِمِ إلى قوةٍ بعدَ الولادةِ ثُمَّ ضعفٍ وشيبٍ قبلَ الموتِ ، وبِمَا يقترفُ الناسُ مِنْ الذنوبِ ، وما يقومونَ بِهِ مِنْ العباداتِ وصالحِ الأعمالِ ، وبما يقولون ، وما يُسِرُّونَ لبعضِهِم مِنَ الحديثِ ، وبِمَنْ يخلُدُ للراحةِ أو النومِ منهم. وهوَ الذي عَلَّمَ الملائكةَ ما يعلمونَ. وهوَ بعلمِهِ قادرٌ على منحِ البنينَ حتى للعقيماتِ مِنَ النساءِ. وهوَ العليمُ بحركةِ الشمسِ والقمرِ ، وما ينتجُ عنْ ذلكَ مِنْ فوائدَ للبشرِ. وهوَ العليمُ بكتابِهِ الذي أنزلهُ لهدايةِ عبادِهِ ، وبالذي اختلفَ عليهِ بنو إسرائيل ،. وهوَ السميعُ العليمُ لدعاءِ عبادِهِ ، المستجيبُ لهم. وهوَ العليمُ بأحوالِ عبادِهِ وبكلِّ دابةٍ ، فَيُنْزِلُ عليهِم رحمتَهُ وحكيمَ أمرِهِ ويرزُقُهُم مِن حيثُ لا يحتسبون. [62]

كما ذُكِرَ هذا الاسمُ 128 مرةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً في بعضِها مع اسمٍ آخرَ من أسماءِ اللهِ الحُسنى. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، " بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" ، وهوَ "عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" ، وبما يقولُ ويفعلُ الناسُ مِنْ أعمالٍ. وهوَ وَاسِعُ العلمِ لاتساعِ ملكوتِهِ ، وعَلِيمٌ بالشاكرينَ مِنْ عبادِهِ ، وسَمِيعٌ لِما يقولونَ ، وحَلِيمٌ بهم ، ولحكمتِهِ البالغةِ ، ولخبرتِهِ ، ولدقةِ تقديرِهِ لِما كانَ ، ويكونُ ، وسيكونُ ، ولِما لم يكنْ. [63]

ومن المعاني التي يتضمنها اسمُ "العليمِ" ما جاء في الآياتِ الكريمةِ التي تَذْكُرُ عَلِمَ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، باستخدامِ الفعلِ الماضي "عَلِمَ" والفعلِ المضارع ، "يَعْلَمُ." فَاللَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ الناسُ وَمَا يُعْلِنُونَ ، وما يختانونَ أَنفُسَهُمْ" و "مَا فِي أَنفُسِهِمْ" و مَا تُوَسْوِسُ بِهِ أنَفْسُهُم و "مَا فِي صُدُورِهِمْ" و مَا فِي قُلُوبِهِمْ و مَا يُبْدُونَ وَمَا يَكْتُمُونَ و "سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ" و سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ و ما يُبْدُوا مِنْ شيءٍ أَوْ يُخْفُوهُ. كما يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى و "خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ و مَا يَفْعَلُونَ و مَا يَصْنَعُونَ. وهوَ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَهُمْ وَمَثْوَاهُمْ ، وهوَ يَعْلَمُ ما لَا يَعْلَمُونَ. كما عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمُوا و الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ، "وَمَا أَنفَقْوا أَوْ نَذَرْوا ، و مَا كسَبُوا وجرحوا.

ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّ كُلَّ دَابَّةٍ وَمُسْتَوْدَعَهَا. "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ." و ويَعْلَمُ عَدُوَّهُ وَعَدُوَّ المؤمنينَ ، وأنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ، وأنَّ مِنَ الناسِ مُّكَذِّبِينَ ، و "يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ" و "اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" ، و "عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ." و "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا. ويَعْلَمُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَ الناسِ والْمُسْتَأْخِرِينَ ، ومَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ."

ويَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِي الملائكةِ "وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ ، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ." وقد اجتبى يوسُفَ ، عليهِ السلامُ ، وعَلَّمَهُ "مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" ، وعَلَّمَ الْخَضِرَ ، عليهِ السلامُ ، مِن لَّدُنْهِ عِلْمًا ، وعَلَّمَ داوودَ ، عليهِ السلامُ ، "مِمَّا يَشَاءُ" وَعَلَّمَهُ "صَنْعَةَ لَبُوسٍ." وعَلَّمَ سليمانَ ، عليهِ السلامُ ، "مَنطِقَ الطَّيْرِ" ، وعَلَّمَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، "الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ." وشَهِدَ لمحمدٍ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنَّهُ رَسُولُهُ للعالَمينَ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُن يَعْلَمُ.  وأخبرَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُومُ "أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ." وهوَ الذي "عَلَّمَ الْقُرْآنَ" وأخبرَنا بأنهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أحدٌ غيرُهُ. وهوَ "الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ" و‏ "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" و "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" و "أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ." وذَكَرَ عن المؤمنين بأنَّهُ خَفَّفَ عَنهُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ ضَعْفًا وعَلِمَ أَنَّهُمْ لَّن يُحْصُوهُ ، أي لا يستطيعونَ قيامَ الليلِ بانتظامٍ. وعَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنهُم "مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ." [64]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، أنتَ الْعَلِيمُ بي وبأحوالِ خلقِكَ كلِّهِم" ، الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل. اللهمَّ زِدْنِي عِلماً نافعاً مِنْ عِلْمِكَ العظيم ، لأتقرَّبَ إليكَ بِهِ فيما أقولُ وما أفعلُ ، وفيما أعَلِّمُ بِهِ مَنْ أصِلُ إليهِم مِنَ الناسِ. اللهمَّ "اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ،‏ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ،‏ يَفْقَهُوا قَوْلِي" (طه ، 20: 25-28) ، سبحانكَ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ ، يا عَلِيمُ ، يا خَبِيرُ.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مُعَرَّفاً لأنهُ أحدُ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ المُطلقُ في عِلْمِهِ الذي وسِعَ ملكوتَهُ ، والذي تعجَزُ مخلوقاتُهُ عن الإحاطةِ به. كما لا يجوزُ أن يتسمى بهِ أحدٌ مُنَكَّرَاً أيضاً ، تأدباً مع الله ، وتحاشياً لتزكيةِ النفسِ المنهيِّ عنها ، كما سبقَ بيانُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يسعى بكلِّ جدٍ واجتهادٍ لِتَعَلُّمِ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ ، وتعليمِهِما للناسِ ، حتى يعرفوا خالِقَهُم ، جلَّ وعلا ، الذي يريدُ لهم الخيرَ في الدُّنيا والآخرة.

43. عَالِمُ الْغَيْبِ

"عَالِمُ الْغَيْبِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما " عَالِمُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغَيْبِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يعني خَفِيّ واسْتَتَرَ عَنْ الإدْرَاكِ والْحَوَاسِّ ، خَاصَّةً الْعُيُونِ والأنْظَارِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَالِمَ الْغَيْبِ" يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يغيبُ عن علمِ مخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ ما خفيَ واستترَ عنْ إدراكِها وما تتوصلُ إليهِ حواسُّها. فهوَ يعلمُ بما في السماواتِ والأرضِ ، وبما يفكرُ بهِ الناسُ ، وبما يفعلون من أسرارِ أعمالِهم. فلا سبيلَ لأحدٍ غيرِهِ معرفةِ تلكَ الغيوبِ. وهوَ عَلِيمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ عليمٌ بما كانَ ، وما هوَ كائنٌ ، وما سيكونُ ، وما لم يكنْ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْعَلِيمِ."

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 34: 3 مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بالغيبِ ، في ردِّهِ على الكافرينَ الذينَ يشككونَ في قيامِ الساعةِ ، مؤكداً على قيامِها ، ومضيفاً أنهُ يعلمُ كلَّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ ، مهما صَغُرَ حجمُهُ ، وأنَّ ذلكَ مدونٌ في كتابٍ مُبين. وجاءَ في الآيةِ الكريمة 35: 38 ، التي أضافتْ علمَهُ بما يجولُ في صدورِ الناسِ. وجاءَ أيضاً في الآيةِ الكريمةِ 72: 26 ، التي ذكرتْ بأنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يُظْهِرُ علمَهُ بالغيبِ لأحدٍ ، إلْا لِمَنْ ارتضى مِنْ رُسِلِهِ. وحتى هؤلاءِ ، فإنهُ يرسلُ قبلَهُم وبعدَهُم مَنْ يراقبُهُم ، ويُسجلُ أعمالَهم وما ينتُجُ عنها.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (سَبَأُ ، 34: 3).

إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (فَاطِرُ ، 35: 38).

عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾‏ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾‏ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾‏ (الْجِنُّ ، 72: 26).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَالِمُ الْغَيْبِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَالِمٍ" أو "الْغَيْبِ" مُنفرِدَتينِ ،  في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسنةَ رسوله نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلَ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَالِمُ الْغَيْبِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

44. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

"عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثِ كلماتٍ ، أولاهُما " عَالِمُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يَعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغَيْبِ" ، فهيَ اسمٌ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يَعني خَفِيّ واسْتَتَرَ عَنْ الإدْرَاكِ والْحَوَاسِّ ، خَاصَّةً الْعُيُونِ والأنْظَارِ. والكلمةُ الثالثةُ في هذا الاسمِ هيَ "الشَّهَادَةُ" ، وهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "شَهِدَ" ، الذي يَعني عَايَنَ وأدْرَكَ وحَكَمَ ، كما يعني أَقَرَّ واعْتَرَفَ وأخْبَرَ بما يَعْلَمُ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" يعني أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يغيبُ عن علمِ خَلْقِهِ ، بما في ذلكَ ما خَفِيَ واستترَ عنْ إدراكِهم ، وما تتوصلُ إليهِ حواسُّهم. فهوَ يعلمُ بما في السماواتِ والأرضِ ، وبما يفكرُ بهِ الناسُ ، وبما يفعلون من أسرارِ أعمالِهم. فلا سبيلَ لأحدٍ غيرِهِ معرفةِ تلكَ الغيوبِ. وهوَ عَلِيمٌ بكلِّ شيءٍ ، وعِلْمُهُ مطلقٌ بلا حدودٍ ، على خلافِ عِلْمِ خلقِهِ المحدود. وهوَ يعلمُ ما يُشاهدونَ ويُدرِكون ويَعلَمونَ ، وبما يفكرُونَ بهِ ، وبما يعملونَ في السِّرِّ والعلنِ ، وما يستطيعونَ عَمَلَهُ ، وما لا يستطيعونَ عملَهُ.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى عشرَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، فيما يتعلقُ بميقاتِ نفخِ الصورِ وما ينتجُ عنهُ مِنْ أهوالٍ (الأنْعَامُ ، 6: 73) ؛ وأنهُ عَلِمَ باعتذارِ الذينَ تخلفوا عنْ الخروج مع الرسولِ والمؤمنين ، وأنبأهُ بأخبارِهِم (التَّوْبَةُ ، 9: 94) ؛ وبأنهُ يرى أعمالَ الناسِ ويُنَبِّئُهُمُ بها في اليومِ الآخرِ (التَّوْبَةُ ، 9: 105) ؛ ويعلمُ ما تحملُ كلُّ أنثى ، وما تغيضُ الأرحامُ ، وما تزدادُ ، ويعلمُ مقدارَ كلَّ شيءٍ (الرَّعْدُ ، 13: 8-9).

ومِن غيبِ عِلْمِهِ أيضاً أنَّهُ يدبرُ الأمرَ مِنَ السماءِ إلى الأرضِ ، ثمَّ يعرجُ الأمرُ إليهِ ، في يومٍ كانَ مقدارُهُ ألفَ سنةٍ مِمَّا يَعُدُّ أهلُ الأرضِ (السَّجْدَةُ ، 32: 5-6) ؛ وهوَ فاطرُ السماواتِ والأرضِ ، الْحَكَمُ بينَ عبادِهِ في يومِ الحسابِ (الزُّمَرُ ، 39: 46) ؛ وهوَ اللهُ الذي لا إلهَ إلْا هوَ ، الذي يعلمُ ما يشهدُ خلقُهُ وما يغيبُ عنهم (الْحَشْرُ ، 59: 22) ؛ وهوَ الذي ينبئُ عبادَهُ بما كانوا يعملونَ في دُنياهُم (الْجُمُعَةُ ، 62: 8) ؛ وهوَ العزيزُ الحكيم (التَّغَابُنُ ، 64: 18) ؛ "مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ" ﴿٩٢﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 91-92).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 105).

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزُّمَرُ ، 39: 46).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما يَعْلَمُهُ خلقُهُ وما لا يعلمونَ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَالِمٍ" أو "الْغَيْبِ" أو "الشَّهَادَةِ" مُنفرِدَةً ،  في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلَ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

45. عَلَّامُ الْغُيُوبِ

"عَلَّامُ الْغُيُوبِ" أسمُ صفةٍ مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ. أولاهما "عَلَّامُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ مِن اسمٍ آخرَ ، هوَ "عَالِمُ" ، الْمُشْتَقُّ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ. أمَّ الكلمةُ الثانيةُ ، " الْغُيُوبِ" ، فهيَ اسمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "غَابَ" ، الذي يعني اخْتَفى ، ورَحَلَ بعيداً ، واسْتَتَرَ عَنْ الإحْسَاسِ والإدْرَاكِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "عَلَّامَ الْغُيُوبِ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ ربُّ العالَمينَ ، الذي يعلمُ غيوبَ ملكوتِهِ الواسعِ ، أي ما حدثَ وما يحدثُ وما سيحدثُ فيهِ ، وبما فيهِ مِنْ عَوَالِمَ وسماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ ، وما فيها ومَنْ فيها. وبينما هوَ يعلمُ ما استترَ عنْ أحاسيسِ خلقِهِ ومُدْرَكَاتِهِم ، فإنهم لا يعلمونَ إلْا ما هيأهُ لهم أنْ يَعْرِفُوهُ ، في حدودِ ما يستطيعُونَ الوصولَ إليهِ في عالَمِهم الذي يُوجَدُونَ فيه.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ أربعَ مراتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً لعلمِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، بما غابَ عن رُسُلِهِ أثناءَ حياتِهِم وبعدَ مماتِهِم (المائدة ، 5: 109) ؛ ولِعِلْمِهِ بما في نفسِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، وبما قالَ للناسِ قبلَ رفعِهِ إلى السماءِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116) ؛ ولعلمِهِ بسرِّ الناسِ ونجواهم ، وبالمنافقينَ الذينَ يخلفونَ ما يعاهدونَ اللهَ عليهِ من صدقةٍ (التَّوْبَةُ ، 9: 75-78) ؛ وبالذين كفروا بالحقِّ الذي أُرْسِلَ بهِ خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين (سَبَأُ ، 34: 47-48).

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 109).

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116).

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾‏ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٧٦﴾‏ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٧٨﴾ (التَّوْبَةُ ، 9: 75-78).

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٤٧﴾‏ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٤٨﴾‏ (سَبَأُ ، 34: 47-48).

ومِنْ الدُّعاءِ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بهذا الاسمِ من أسمائِهِ الحُسنى ، قولُ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" ، تعلمُ ما بي وما بخلقِكَ كلِّهِم. الطفْ بي وبأهلي وبعبادِكَ ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ وحدَهُ الذي يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ ، في ملكوتِهِ الواسعِ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "عَلَّام" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يجعلَ كتابَ اللهِ وسنةَ رسوله نبراساً وهدياً له ، في كَسْبِ رزقهِ ، وفيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يعملَ في هذهِ الدنيا بكلِّ جدٍ واجتهادٍ ، وأنْ لا ينشغلُ بما ستأتي بهِ الأيامُ ، فاللهُ وحدُهُ هوَ "عَلَّامُ الْغُيُوبِ" ، سبحانَهُ وتعالى ، ربُّ العالَمين.

46. وَاسِعٌ عَلِيمٌ

"وَاسِعٌ عَلِيمٌ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعٌ" ، وهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "عَلِيمٌ" ، فهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "عَلِمَ" ، الذي يعني عَرِفَ ، وخَبِرَ ، وأدْرَكَ ، وشَعَرَ ، وأيقَنَ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ، أيْ أنَّ عِلْمَهُ رَحْبٌ وكثيرٌ ويشملُ كُلَّ شيءٍ ، وهوَ مِنَ العظَمَةِ والكِبرِ لدرجةِ أنهُ يشملُ ملكوتَهُ العظيمَ ، مِنْ سماواتٍ وأرضينَ وكرسيٍ وعرشٍ ، وما فيها ومَنْ فيها (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

وقد ذُكِرَ اسمُ "وَاسِعٍ عَلِيمٍ" سبعَ مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ مشيراً إلى اتساعِ علمِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للمشرقِ والمغربِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115) ؛ وإلى شمولِ عِلمِهِ لِقُدِرَاتِ خَلقِهِ ، وذلكَ في ذكرِهِ لسببِ اختيارِهِ لطالوتَ  ملكاً (الْبَقَرَةُ ، 2: 247) ؛ وإلى علمِهِ بالأضعافِ المُضاعَفَةِ لفوائدِ أعمالِ الخير ، وعلى تشجيعِهِ لذلكِ بالوعدِ بمضاعَفَةِ ثوابِهِ لتلكَ الأعمالِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 261) ؛ وإلى عِلمِهِ بأنَّ الشيطانَ يُخَوِّفُ الناسَ مِنَ الفقرِ ، حتى لا ينفقوا في سبيلِ اللهِ ، ولكنهُ ، جلَّ وعلا ، يَعِدُهُم أنهُ سيأتيهم مِنْ فضلِهِ ، تشجيعاً لهم على الإنفاقِ في أوجهِ الخيرِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 268). كما جاءَ مَعَ الإشارةِ إلى تنزيلِهِ الكتابِ على المؤمنين هدايةً لهم ، وحُجَّةً لهم على الكافرينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73) ؛ وإلى علمِهِ بأنَّ بعضَ الذينَ آمنوا يمكنُ أنْ يرتدوا عنْ دينِهم ، ولكنهُ سيستبدلَهم بآخرينَ يحبُّهم ويحبونَهُ ويجاهدونَ في سبيلِهِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54) ؛ وإلى أمرِهِ بالزواجِ عامةً ، سواءً كانَ الناسُ فقراءَ أو أغنياءَ ، لِما في ذلكَ مِنْ فوائدَ جمةً تعودُ على الفردِ والمجتمعِ (النُّورُ ، 24: 32).  

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 115).

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 247).

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 261).

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 268).

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 73).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 54).

وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (النُّورُ ، 24: 32).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ "وَاسِعٌ عَلِيمٌ" ، وَسِّعْ عليَّ مِنْ العلمِ والرزقِ ، واغفرْ لي ولأهلي ولِعبادِكَ الصالحين ، وأرِنا سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، باتساعِ علمِهِ الذي يشملُ ملكوتِهِ كُلِّهِ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْعَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وقد وَرَدَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "وَاسِعِ" أو "الْوَاسِعِ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ لنيلِ العلمِ النافعِ ، وأنْ يُحَكِّمَ كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وأنْ يكونَ غفوراً رحيماً في تعاملِهِ معَ الناسِ ، خاصةً لعلمِهِ بضعفهِم وبمحدودِيةِ قُدُرَاتِهِم.

47. الْمُحِيطُ

"الْمُحِيطُ" أسمُ صفةٍ ، مُشتقُّ مِنَ الفعلِ "أحاطَ" ، الذي يعني اطّلَعَ على شيءٍ ، وعَلِمَهُ ، وأدرَكَهُ مِنْ كافةِ نواحيهِ ، وألَمَّ بهِ إلمامًا شاملاً ، وحاصرَهُ من جميعِ جوانبهِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ اسمَ "الْمُحِيطِ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، قد أحاطَ ، أي اطِّلعَ وعَلِمَ وأدركَ كلَّ شيءٍ ، لأنهُ خالقُ الأشياءَ كلَّها. فهوَ يَعْلَمُ ما كانَ ويكونُ وما سيكونُ ، ولا يخفى عليهِ شيءٌ ، لأنهُ فوقَ خلقهِ جميعاً ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضين. [65]

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 8 مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 19 مِنْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) بمعنى حصارِهِ ، عزَّ وجلَّ ، للكافرينَ مِنْ كلَّ جانبٍ ، عندما يُصيبُهم بعذابِهِ ، الذي لا مفرَّ لهم منهُ. وجاءَ في السبعِ مراتٍ الأخرى بمعنى أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أحاطَ ، بما يقولُ ويفعلُ الكافرون.

فهوَ يعلمُ ما يُسِرُّ الكافرين وما يُفرِحُهُم ، وما يَكِيدُونَ للمؤمنين (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 120). وهوَ مُطَّلعٌ على ما يقولُ الذين يخونونَ أنفسَهِم في ليلِهم ، مٍنْ قولٍ لا يرضى عنهُ اللهُ ، ولا يقولونَهُ أمامَ الناسِ (النِّسَاءُ ، 4: 108). وهوَ مُلِمٌ إلماماً كاملاً بكلِّ شيءٍ ، بما في ذلكَ ما في السماواتِ والأرض (النِّسَاءُ ، 4: 126). وهوَ الذي كانَ يعلمُ يقيناً أنَّ الكافرينَ قد خرجوا مِنْ مكةَ لقتالِ المسلمينَ في بدرٍ بطراً وتفاخراً وصداً عن سبيلِهِ (الأنْفَالُ ، 8: 47). وهوَ الذي أحاطَ عِلماً بما كان يفعلُ قومُ شُعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ فسادٍ في الأرضِ ، ومن بخسِهِم للكيلِ والميزان (هُودُ ، 11: 92). وهوَ محيطٌ في عِلْمِهِ بأنَ الكافرينَ في شكٍ مِنْ لقاءِ ربِّهم (فُصِّلَتْ ، 41: 54) ، وأنَّهم مكذبينَ بيومِ الدين (الْبُرُوجُ ، 85: 19-20).

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 19).

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 120).

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (النِّسَاءُ ، 4: 108).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (النِّسَاءُ ، 4: 126).

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (الأنْفَالُ ، 8: 47).

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (هُودُ ، 11: 92).

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ (فُصِّلَتْ ، 41: 54).

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾‏ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴿٢٠﴾‏ (الْبُرُوجُ ، 85: 19-20).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ الْمُحِيطُ بعلمِكَ لكلَّ ما خلقتَ ومَنْ خلقتَ. جنبني وأهلي كلَّ سُوءٍ ، واهدنا إلى سَوَاءَ السبيل. ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بِعِلْمِهِ التامِّ لملكوتِهِ ومَنْ فيهِ.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الذي يشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بإحاطة علمِهِ بكلِّ شيءٍ. ولكنْ يجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ الْمُحِيطِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ قُصارى جهدَهُ لنيلِ العلمِ الذي ينفعهُ في الدنيا والآخرةِ ، لكنهُ ينبغي عليهِ أنْ يتواضعَ. فمهما بلغَ مِنْ عِلمٍ ، فإنهُ ضئيلٌ بالمقارنة معَ اللهِ ، "الْمُحِيطِ" بعلمِهِ ، جلَّ وعلا.

48. السَّمِيعُ

"السَّمِيعُ" أسمُ صفةٍ ، مُشتقُّ مِنَ الفعلِ "سَمِعَ" ، الذي يعني عَلِمَ وأدركَ مِنْ خلالِ الصوتِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ اسمَ " السَّمِيعَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، يعلمُ ما يحدثُ في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما في ذلكَ ما يقولُ الناسُ ، بسماعِهِ لأصواتِهم ، سواءً كانَ ذلكَ همساً أم جهراً ، دعاءً مِنَ المؤمنين أم عصياناً مِنَ الكافرين.

وقد ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَّفَاً ، 19 مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 15 مرةً معَ اسمٍ آخرَ من الأسماءِ الحُسنى ، هو "الْعَلِيمُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم. وجاء 4 مراتٍ معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ الأسماءِ الحُسنى ، هو "البصيرُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم وبرؤيتِهِم.

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 127).

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسْرَاءُ ، 17: 1).

ووردَ اسمُ "السَّمِيعِ الْعَلِيمِ" ، معَ دعاءِ إبراهيمَ وإسماعيلَ ، عليهما السلامُ ، وهما يرفعانِ قواعدَ بيتهِ الحرام ؛ ومع ما يقولُهُ الناسُ إذا آمنوا أو كفروا ؛ وما قالتهُ امرأةُ عِمرانَ ؛ ومعَ قولِ الذين يقولونَ "إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" ويعبدونَ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، مع أنهُ لا يملكُ لهم ضَرَّاً ولا نفعاً ؛ ومعَ الإشارةِ لمخلوقاتِ اللهِ في سكنِها وحركتها ؛ ومعَ تمامِ كلمتِهِ للبشريةِ ، التي لا مبدلَ لها ؛ ومعَ أمرهِ للمؤمنينَ بالجنوحِ إلى السلمِ إذا ما جنحَ لها أعداؤهم ؛ ومعَ التخفيفِ عن الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بألا يحزنَ مما يقولهُ المشركونَ ؛ ومعَ الاستجابةِ ليوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بصرفِ كيدِهِنَّ عنهُ ؛ ومعَ علمِ اللهِ لما يُقالُ في السماواتِ والأرضِ ؛ ومعَ قيامِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وسجودِهِ ؛ ومعَ البشرى للمؤمنين الذين يرجونَ لقاءَ ربِّهم بجزيلِ الثوابِ ؛ ومعَ رزقهِ ، عزَّ وجلَّ ، للدوابِ والناسِ ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عند نزغِ الشيطانِ ؛ ومعَ إنزالِ القرآنِ في ليلةِ القدرِ رحمةَ للعالَمين. وجاءَ اسمُ "السَّمِيعِ الْبَصِيرِ" معَ الإشارةِ إلى الإسراءِ بالنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ "يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ" ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ سماعِ الذينَ "يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ" ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" ، وهوَ "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ." [66]

كما ذُكِرَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُنَكَّرَاً ، 26 مرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، منها 17 مرةً معَ اسمٍ آخرَ من الأسماءِ الحُسنى ، هو "ْعَلِيمُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم. وجاء 6 مراتٍ معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ الأسماءِ الحُسنى ، هو "بصيرُ" ، أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ ما يجري لخلقهِ بالسماعِ لهم وبرؤيتِهِم. وجاءَ مرةً واحدةً معَ اسمٍ رابعٍ ، هو "قريب" ، بما يفيدُ قربَهُ مِنْ خلقِهِ ، عزَّ وجلَّ ، وبالتالي سمعَهُ لهم ، حتى لو كانَ قولُهُم همساً. وجاءَ مرتينِ ، بوصفهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنهُ "سَمِيعُ الدَّعَاءِ" ، تشجيعاً لعبادِهِ بالدعاءِ إليهِ ، لأنهُ يسمعُ دعاءَهم.

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 181).

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (النِّسَاءُ ، 4: 58).

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سَبَأُ ، 34: 50).

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 38).

وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ عَلِيمٌ" ، معَ الإشارةِ إلى إنهُ يسمعُ ما يقولُهُ الموصِي عندَ وفاتِهِ ، ويعلمُ ما إذا كان المستمعونَ قد حافظوا على الوصيةِ أم بدلوها ؛ ومعَ الأمرِ بالبرِّ والتقوى والإصلاحِ بينَ الناسِ ؛ ومعَ العزمِ بالطلاقِ ؛ ومعَ القتالِ في سبيلِ اللهِ ؛ ومعَ أنهُ لا إكراهَ في الدينِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ آلَ عِمرانَ مِنْ ذريةِ آل إبراهيمَ ، وكلاهما من ذريةِ نوحٍ وآدمَ ، عليهمُ السلامِ أجمعينَ ؛ ومعَ ذكرِ استعداداتِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلام ، والمؤمنينَ لمعركةِ أحُدِ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى مواقعِ المؤمنينَ والكافرينَ قبلَ المعركةِ ؛ ومعَ أنَّ اللهَ لا يُحبُّ "الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ" ؛ ومعَ الاستعاذةِ باللهِ عندَ نزغِ الشيطانِ ؛ ومعَ أنَّ اللهَ كانَ معَ المؤمنينَ في قتالِهم للكافرينَ في معركةِ بدرٍ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى الشهادةِ على إيمانِ المؤمنين وعلى كفرِ الكافرينَ يومَ التقى الجمعانِ ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ "اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" ؛ ومعَ الإشارةِ إلى أنَّ الأعرابَ كانوا يتربصونَ الدائرَ بالمسلمينَ في المدينةِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ الصدقةَ تطهرُ المؤمنينَ وتزكيهم وأنَّ الصلاةَ سكنٌ لهم ؛ ومعَ التحذيرِ منَ اتباعِ خُطواتِ الشيطانِ ؛ ومعَ التخفيفِ عنِ الْقَوَاعِدِ "مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا" ؛ ومعَ توصيةِ المؤمنينَ بألَّا يُقَدِّمُوا آراءَهم على أوامرِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ. [67]

وجاءَ ذكرُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ "سَّمِيعٌ بَصِيرٌ" ، معَ أمرِ اللهِ بأداءِ الأماناتِ إلى أهلِها ، والحكمُ بالعدلِ بينَ الناسِ ؛ ومعَ ذكرِ أنَّ اللهَ عندَهُ ثوابُ الدُّنيا والآخرةِ ؛ وبِأَنَّهُ "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" ؛ وبأنهُ "يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ" ؛ وبأنَّ خلقَ الناسِ وبعثَهم يسيرٌ على الله ، كنفسٍ واحدةٍ ؛ ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" ؛ ومعَ قولِهِ ، تباركَ وتعالى: "قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ." وجاءَ ذكرُهُ ، عزَّ وجلَّ ، بأنهُ "سَمِيعُ الدُّعَاءِ" ، معَ دعاءِ "زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً" ؛ ومعَ قولِ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ." [68]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بِقَوْلِ: "اللَّهُمَّ ، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ لخلقكَ ، الْعَلِيمُ بهم ، والْبَصِيرُ بأحوالهم ، إنكَ قريبٌ مجيبٌ لدعواتِهم." جنبني وأهلي كلَّ سُوءٍ ، واهدنا إلى سَوَاءَ السبيل.

ولا يجوزُ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، مُعَرَفاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يُشيرُ إلى تفرُّدِهِ ، عزَّ وجلَّ ، بقدرتِهِ المطلقةِ على سماعِ كلِّ ما في ملكوتِهِ ومَنْ فيهِ. ويجوزُ للولدِ أنْ يُسمى "عَبْدَ السَّمِيعِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، عزَّ وجلَّ.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يبذلَ المؤمنُ قُصارى جهدِهِ ليكونَ "سميعاً" لمن حولَهُ منَ الناس ، عندَ حديثِهم إليهِ. وهذا يعني الإنصاتَ باهتمامٍ لما يقولونَ ، حتى يكونَ ردُّهُ مفيداً ، وحتى يتمُّ التواصلُ الكيفي الفعالُ بينَ الناسِ ، الذي يؤدي لتقويةِ الروابطِ الإنسانيةِ بينهم ، مما يعودُ عليهم بالخيرِ والسعادة.

49. الْبَصِيرُ

"الْبَصِيرُ" اسمُ صفةٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "بَصُرَ" ، الذي يعنى فَهِمَ وأدركَ الشيءَ برؤيا العينِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يرى جميعَ الموجوداتِ في ملكوتِهِ الواسعِ ، ويدرِكُ وجودَها ، سواءً رآها خلقُهُ أم لم يروها. وكما ذكرَ الطبري ، فإنهُ يرى أعمالَ عبادِهِ الصالحينَ ويكافئُهم عليها ، كما يرى أعمالَ الكافرينَ ويعاقبُهم عليها.

فقد جاءَ في الحديثِ الشريفِ الذي رواهُ عمرُ بنُ الخطابِ ، رضيَ الله عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ في جوابِهِ لسؤالِ جبريلَ ، عليهِ السلامُ ، عن الإحسانِ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ." [69]

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 4 مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُعرَّفَاً ، مَعَ اسمٍ آخرَ هو "السَّمِيعُ" ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ الإسراءِ بالرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، "مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (الإسْرَاءُ ، 17: 1) ، وأنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، "يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ" (غاَفِرُ ، 40: 20) ، ومعَ الاستعاذَةِ باللهِ عندَ سماعِ "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ" (غَافِرُ ، 40: 56) ، ومَعَ ذِكْرِ فضلِ اللهِ على الناسِ في أنهُ جعلَ لهم مِنْ أنفسِهِم أزواجاً (الشُّورَى ، 42: 11).

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسْرَاءُ ، 17: 1).

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غاَفِرُ ، 40: 20).

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (غَافِرُ ، 40: 56).

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشُّورَى ، 42: 11).

كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 38 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاً ، منها 5 مرَّاتٍ مَعَ اسمٍ آخرَ هو "سَّمِيعُ" ، و 5 مرَّاتٍ أخرى مَعَ اسمٍ ثالثٍ هو "خَبِيرُ" ، و 5 مرَّاتٍ مَعَ كلمةِ "الْعِبَادِ." وجاءَ وَحْدُهُ ، أي "بّصِيرُ" ، 4 مَرَّاتٍ ، وجاءَ 19 مرةً مَع ما يعملُ الناسُ مِنْ أعمالٍ ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرً (الْبَقَرَةُ ، 2: 58).

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 30).

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (فَاطِرُ ، 35: 45).

مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (الْفُرْقَانُ ، 25: 20).

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 110).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْبَصِيرُ بعبادِكَ ، السَّمِيعُ لهم ، الْخَبِيرُ بأحوالِهم" ، الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْبَصِيرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، وهيَ قدرتُهُ على إبصارِ جميعِ مخلوقاتِهِ ، أينما كانوا في ملكوتِهِ الواسعِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْبَصِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يحاولَ الاستفادَةَ مِنْ هذهِ الصفةِ بأنْ يتذكرَ دائماً بأنَّ اللهَ يراهُ ، في جميعِ أفعالِهِ السريةِ والعلنية ، فيسعى إلى مرضاتِهِ ، ويتجنبَ معصيتَهُ ، عزَّ وجلَّ. وعليهِ أيضاً أنْ يحاولَ الإبصارَ بعدَ رؤيتِهِ لما يجري حولُهُ ، ولِما يستطيعُ رؤيتَهُ في ملكوتِ خالقِهِ ، عزَّ وجلَّ. وذلكَ يعني محاولةَ فهمِ وإدراكِ ما يرى ، وليسَ المرورُ عليهِ مرورَ الكرام.

50. الْحَكِيمُ  

"الْحَكِيمُ" اسمُ صفةٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قضى بالحكمِ ، قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ. وهوَ يشتركُ ، في الاشتقاقِ منْ نفسِ الفعلِ ، معَ ثلاثةِ أسماءٍ أخرى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هُيِ " خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" و " أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" و "وَاسِعٌ حَكِيمٌ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ القاضي العادلُ ، الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وقولُهُ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ في اسمِ "الْعَلِيمِ."

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 33 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُعرَّفَاً. فجاءَ 6 مَرَّاتٍ معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَلِيمُ." وجاءَ 3 مراتٍ معَ اسمٍ ثانٍ ، هوَ "الْخَبِيرُ" ، و24 مَرَّةً معَ اسمٍ ثالثٍ ، هوَ "الْعَزِيزُ." وهكذا ، فإنَّ حكمتَهُ ، جلَّ وعلا ، جاءتْ مقترنةً معَ سعةِ علمهِ وخبرتِهِ وعزتِهِ ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 32).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 129).

كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 59 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاً. فجاءَ مرَّةً واحدةً معَ أربعةِ أسماءٍ أخرى ، هيَ: "حَمِيدُ" و "تَوَّابُ" و "وَاسِعُ" و "خَبِيرُ." وجاءَ مرَّتينِ مع اسمٍ خامسٍ ، هوَ "عَلِيُّ" ، و 23 مرَّةً معَ اسمٍ سادسٍ ، هوَ "عزيزُ" ، و 30 مرَّةً معَ اسمٍ سابعٍ ، هوَ "عَلِيمُ." وهكذا ، فإنَّ حكمتَهُ ، جلَّ وعلا ، جاءتْ مقترنةً معَ عزتِهِ وعلُّوِّهِ وخبرتِهِ وسعةِ علمهِ واستحقاقِهِ الحمدِ والثناءِ منْ عبادِهِ ، لرحمتِهِ بهم وتوبتِهِ عليهم ، كما في الأمثلةِ التاليةِ:

لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (النُّورُ ، 24: 10).

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 130).

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هُودُ ، 11: 1).

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشُّورَى ، 42: 51).

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 165).

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَكِيمُ" ، تحكمُ بينَ خلقِكَ بالعدلِ ، وقولُكَ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، تعلمُ بملكوتِكَ الذي خلقَتَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، أنتَ تامَّ الكمالِ فيما تقولُ وتفعلُ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَكِيمِ" أو "حكيمِ" ، أي لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وَيُمْكِنُ للمؤمنِ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، بأنْ يحاولَ الاستفادَةَ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذُلَ ما في وُسْعِهِ لأنْ يكونَ حكيماً فيما يقولُ ويفعلُ. وذلكً يقتضي دوامَ تحصيلِ أكبرَ قدرٍ مِنَ العلمِ ، معَ مرانِ النفسِ على التحلي بالصبرِ وسَعَةِ الصدرِ ، والاستماعِ للطرفينِ في كلِّ نزاعٍ ، واستشارةِ ذوي الخبرة. عندها ، يكونُ أقدرُ على الحكمِ بالعدلِ بينَ الناسِ ، ابتداءً مِنْ أفرادِ أسرتِهِ ، وأقاربِهِ ، ثمَّ مَنْ يتعاملُ معهم في المجتمعِ ، وخاصةٍ بينَ مرؤوسيهِ ، أو الذينَ لهُ الحكمُ عليهم بحكمِ منصبِهِ.

51. خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

"خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "خًيْرُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "خَارَ" ، الذي يعني فَضَّلَ ، وانْتَقَى ، واخْتَارَ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاكِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ.

وكأحَدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "خَيْرَ الْحَاكِمِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، هوَ خَيْرٌ ، أيْ هوَ أفضلُ وأحْسَنُ وأنْفَعُ مِنْ القضاةِ الآخَرِينَ ، لأنهُ وحدُهُ الذي يحكمُ بينَ جميعِ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِهِ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً.

وهوَ "خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، لأنَّ قولَهُ الحقُّ والصدقُ والسدادُ ، لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ مِن قبلُ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في معرضِ حديثِ شُعَيْبٍ ، عليهِ السلامُ ، للمؤمنينَ بأنْ يصبروا حتى يأتيَ حُكمُ اللهِ على الذينَ لم يؤمنوا ، وهوَ خيرُ الحاكمينَ (الأعْرَافُ ، 7: 87). وجاءَ معَ أمرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لرسولِهِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بأنْ يَتَّبِعَ ما يوحَى إليهِ ويصبرَ ، حتى يحكمَ اللهُ بينَ المؤمنينَ المهتدينَ والضالينَ الذينَ رفضوا دعوتَهُ (يُونُسُ ، 10: 109). وجاءَ في الآيةِ الكريمةِ 12: 80 ، على لسانِ كبيرِ أخوةِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بأنهُ لنْ يخرجَ مِنْ مصرَ حتى يحكمَ الله لهُ بذلكَ ، وهوَ تعالى خيرُ الحاكمينَ (يُوسُفُ ، 12: 80).

وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 87).

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴿١٠٨﴾‏ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿١٠٩﴾‏ (يُونُسُ ، 10: 109).

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 80).

وقد وردَ الفعلُ "حَكَمَ" ومشتقاتُهُ 31 مرةً في القرآنِ الكريم ، في الإشارةِ إلى "حُكْمِ" اللهِ ، سبحانهُ وتعالى. فجاءَ مرةً واحدةً بصيغةِ طلبِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، مِنَ اللهِ أنْ يَحْكُمَ بينهُ وبينَ الذينَ كفروا (الأنبياء ، 21: 102). وجاءَ أيضاً مرةً واحدةً بصيغةِ المستقبلِ في قولِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ سَيَحْكُمُ بينَ أتباعِ المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، وبينَ الذينَ كفروا بهِ (آلِ عِمران ، 3: 55). كما جاءَ مرةً واحدةً بصيغة الماضي ، عندما يقولُ المستكبرونَ في يومِ الحسابِ أنَّ اللهَ قد "حَكَمَ" بينَ العبادِ (غافر ، 40: 48). وجاءَ 11 مرةً بصيغةِ المضارعِ الذي يفيدُ المستقبلَ ، في الإشارةِ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالي ، سيحكمُ بينَ عبادِهِ في يومِ الحساب ، فيما كانوا يختلفونَ فيهِ ، في الحياةِ الدُّنيا (البقرة ، 2: 113). كما جاءَ الاسمُ المشتقُّ منهُ ، "الْحُكْمُ" ، 17 مرةً في الإشارةِ إلى "حُكْمِ" الله ، تباركَ وتعالى ، بينَ عبادِهِ ، في يومَ الحسابِ (الأنعام ، 6: 62) ، كما في الأمثلةِ التاليةِ.

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 102).

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 55).

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (غَافِرُ ، 40: 48).

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 113).

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، أنتَ أفضلُ القضاةِ العادلينَ ، لأنكَ وحدَكَ تحكمُ بينَ جميعِ خلقِكَ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِكَ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ ، لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وقد وردَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ اجتزاؤهُ ، أي بالاقتصارِ على "خَيْرٍ" أو "الْحَاكِمِينَ" ، في الإشارةِ إلى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما مرَّتْ مناقشتُهُ مِنْ قبل. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

52. أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ

"أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" اسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهما "أحْكَمُ" ، وهيَ اسمُ تفضيلٍ مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعنى قضى بالحكمِ ، كما يعني النطقَ بالرأيِّ السديدِ. وإذا جاءَ مُضَافَاْ ، فإنَّ الاسمَ الذي يليهِ ، أيْ المُضَافَ إليهِ ، يُصْبِحُ مِنْ حيثُ المعنى أنهُ الأفْضَلُ والأحْسَنُ والأنْفَعُ في صفاتِهِ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاكِمِينَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ نفسِ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي تَمَّ ذِكْرُهُ.

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أحْكَمَ الْحَاكِمِينَ" يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لا يُجاريَهُ أحدٌ في عدلِ وصدقِ وسدادِ قضائهِ ، لأنهُ وحدَهُ الذي يحكمُ بينَ جميعِ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِهِ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً.

وهوَ "أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" لعلمِهِ التامِّ بملكوتِهِ الذي خلقَهُ ، بما فيهِ ، ومَنْ فيهِ ، وهوَ فيما يقولُ ويفعلُ تامَّ الكمالِ ، منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. فهوَ الذي يعلمُ ما كانَ ويكونُ وسيكونُ وما لم يكنْ ، كما مرَّ بيانُهُ مِن قبلُ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ. فجاءَ في معرضِ نداءِ نوحٍ رَبَّهُ ليُنقذَ ابنَهُ ، معترفاً أنهُ ، جلَّ وعلا ، هو أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (هُودُ ، 11: 45). كما جاءَ مُذَكِّرَاً بأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، في حُكمِهِ على المكذبينَ بالدينِ ، بأنهم سيكونونَ أسفلَ سافلينَ جهنمَ ، والعياذُ باللهِ (التِّينُ ، 96: 4-8).

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (هُودُ ، 11: 45).

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾‏ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾‏ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾‏ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾‏ (التِّينُ ، 96: 4-8).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ أحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" ، لا يجاريكَ أحدٌ في عدلِ وصدقِ وسدادِ قضائكَ ، لأنكَ وحدُكَ تحكمُ بينَ جميعِ خلقِكَ بالعدلِ المطلقِ ، ولا طاقةَ لغيرِكَ مِنَ القضاةِ أنْ يفعلوا ذلكَ لمحدوديتِهم زماناً ومكاناً وقدرةً وعلماً. اللهمَّ الْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "أحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يحكمُ بينَ خلقِهِ بالعدلِ المطلقِ ، وهوَ تامُّ الكمالِ فيما يقولُ ويفعلُ ، وهوَ منزهٌ عنْ أيِّ نقصانٍ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

53. وَاسِعٌ حَكِيمٌ

"وَاسِعٌ حَكِيمٌ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "وَاسِعٌ" ، وهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "وَسِعَ" ، الذي يعني احْتَوَى ، ورَحُبَ ، وكَثُرَ. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "حَكِيمٌ" ، فهيَ اسمُ صِفَةٍ مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "حَكُمَ" ، الذي يعني قَضَى بِالْحُكْمِ ، وَنَطَقَ بالرَّأيِّ السديدِ.

وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "وَاسِعاً حَكِيماً" يعني أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، هوَ "وَاسِعُ" الرزقِ لخلقهِ ، أي كثيرُهُ لهم. وهوَ "حَكِيمٌ" في توزيعِهِ على مِنْ يريدُ ، وبالقدرِ الذي يريدُ ، "وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ" (الرَّعْدُ ، 13: 8).

وقد ذُكِرَ اسمُ "وَاسِعٍ حَكِيمٍ" مرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، في الإشارةِ إلى حكمتِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، في تشريعِ الطلاقِ ، بعد محاولةِ الإصلاحِ بين الزوجينِ ، واعداً كلاُ منهما بزوجٍ أصلحٍ ، وبالرزقِ الوفيرِ مِنْ سِعَتَهِ وحِكْمَتِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 130).

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 130).

وفي تفسيرِهِ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ ، ذَكَرَ الطبري أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، يُغْنِ "الزوجَ والمرأةَ المطلقةَ مِنْ سَعَةِ فضلهِ. أمَّا هذه ، فبزوجٍ هوَ أصلحُ لها مِنَ الْمُطَلِّقِ الأولِ ، أو برزقٍ أوسعٍ وعصمةٍ. وأمَّا هذا ، فبرزقٍ واسعٍ وزوجةٍ هيَ أصلحُ لهُ مِنَ الْمُطَلَّقَةِ ، أو عفةٍ. وكانَ اللهُ "واسعًا" ، يعني ، وكانَ اللهُ واسعاً لهما ، في رزقِهِ إياهما وغيرِهِما مِنْ خلقهِ ، حكيماً ، فيما قضى بينهُ وبينَها مِنَ الفُرقةِ والطلاقِ." وتبعَهُ القرطبيُّ في ذلكَ بقولِهِ: "وإنْ لمْ يصطلحا بلْ تفرقا ، فليُحسنا ظنهما باللهِ. فقد يقيضُ للرجلِ امرأةً تقرُّ بها عينُهُ ، وللمرأةِ مَنْ يوسعُ عليها." وأيَّدَهُمَا ابنُ كثيرٍ في قولِهِ أنهُ: "إذا تفرقا فإنَّ اللهَ يغنيهِ عنها ويغنيها عنهُ ، بأن يعوضَهُ بها مَنْ هوَ خيرٌ له منها ، ويعوضَها عنهُ بِمَنْ هوَ خيرٌ لها منهُ. (وهوَ ، تبارَكَ وتعالى) واسعُ الفضلِ عظيمُ الْمَنِّ ، حَكِيمَاً في جميعِ أفعالِهِ وأقدارِهِ وشرعِهِ."

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الذي وصفتَ نفسكَ بأنَّكَ "ْوَاسِعاً حَكِيماً" ، فوسعْ عليَّ مِنْ رِزْقِكَ وحِكْمَتِكَ ، وأصلحْ لي زوجي \ زوجتي ، وارزقني خيراً مما أنا فيهِ. 

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "وَاسِعٍ حَكِيمٍ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوَ وَحْدَهُ الذي يمكنُهُ أنْ يسوقَ الرزقَ إلى خلقِهِ كلِّهِم ، وأنْ يُعَوِّضَهُم خيراً عَمَّا فقدوهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَكِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وقد وَرَدَ هذا الاسمُ في القرآنِ الكريمِ مُرَكَّبَاً ، فلا يجوزُ تجزئتُهُ في الإشارةِ إلى اللهِ ، عزَّ وجلَّ. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، باتباعِ ما مَرَّ ذِكْرُهُ في اسمِ "الْحَكِيم" ، جلَّ وعلا.

54. اللَّطِيفُ

"اللَّطِيفُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "لَطَفَ" ، الذي يعنى رَفَقَ و رَأَفَ و رَقَّ و لانَ و خَفْفَ و وَفَّقَ و أعَانَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مُدرِكٌ لخفايا الأمورِ ودقائقِها ، في صدورِ مخلوقاتِهِ ومِنْ حولِها ، فيعينُها ويوفقُها ويخفِفُ عنها ، رِفقاً ورَأفةً ورِقةً وليناً منهُ نحوَها ، جلَّ وعلا.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سبعَ مرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً في خمسٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْخبيرُ" ، بما يفيدُ أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقٌ بخبرتِهِ بما يجري في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما فيهِ مِن مخلوقاته.

فجاءَ هذا الاسمُ مُعَرَّفَاً مَرَّتَيْنِ ، وذلكَ في سياقِ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، لا يمكنُ لأبصارِ مخلوقاتِهِ أنْ تدركَهُ ، بينما هوَ يُدركها جميعاً ، للطفِهِ وخبرتِهِ بملكوتِهِ ومَنْ فيهِ (الأنْعَامُ ، 6: 103). كما أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مقترنٌ معَ خبرتِهِ وعلمِهِ بشئونِ مَنْ خلقَ ، بما في ذلكَ علمِهِ بِسِرَّ أقوالِ الناسِ ، و جهرِهِم ، وبما يفكرونَ بِهِ (الْمُلْكُ ، 67: 13-14).   

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 103).

وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾‏ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾ (الْمُلْكُ ، 67: 13-14).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى أيضاً مُنَكَّرَاً خَمْسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "خَبِيرُ" ، بما يفيدُ أنَّ لُطْفَهُ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقٌ بخبرتِهِ بما يجري في ملكوتِهِ الواسعِ ، بما فيهِ مِن مخلوقاتِهِ. فَمِنْ لُطفِ اللهِ وخبرتِهِ بخلقِهِ أنَّهُ يرزُقُهم بإنزالِ المطرِ ، الذي يبعثُ الحياةَ في الأرضِ بنموِّ النباتاتِ فيها ، فتأكلُ منهُ الدوابُ والناسُ (الْحَجُّ ، 22: 63). ومِنْ لطفِهِ وخبرَتِهِ بخلقِهِ أنَّهُ يعلمُ بكلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ ، حتى "مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ" فيهما (لُقْمَانُ ، 31: 16). وجاءَ في معرِضِ وعظِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لنساءِ النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أنْ يَذْكُرْنَ ما يُتلى في بيوتِهِنَّ "مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ" ، لعلمِهِ ، تباركَ وتعالى ، بأنَّ ذلكَ أَطْهَرُ لَهُنَّ ولِمَنْ يدخُلُ بيوتَهُنَّ (الأحْزَابُ ، 33: 34).

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (الْحَجُّ ، 22: 63).

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 16).

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (الأحْزَابُ ، 33: 34).

كما جاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً أيضاً مرتينِ أخريينِ في القرآنِ الكريمِ ، مقترناً معَ أسماءٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ معَ اسميْ "الْقَوِيِّ" و "الْعَزِيزِ" ، في معرِضِ ذِكرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لِلُطْفِهِ بعبادِهِ ، ورزقِهِ لِمَنْ يشاءُ منهم ، وأنهُ قويٌ على ذلكَ وعزيزٌ (الشُّورَى ، 42: 19). وجاءَ معَ اسميْ "الْعَلِيمِ" و "الْحَكِيمِ" ، في ذِكْرِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، لِلُطْفِ اللهِ بهِ ، إذْ جعلَ رؤياهُ حقاً ، وأخرجَهُ مِنَ السِّجْنِ ، وأتى بأبويهِ وأخوتِهِ مِنَ الْبَدوِ (يُوسُفُ ، 12: 100).

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (الشُّورَى ، 42: 19).

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (يُوسُفُ ، 12: 100).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ." أنتَ القويُّ العزيزُ ، العليمُ الحكيمُ ، أنتَ الرفيقُ بخلقِكَ ، الرؤوفُ بِهِم. أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تُحِبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "اللَّطِيفِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ اللَّطِيفُ بمخلوقاتِهِ كلِّها ، يرزُقُها مِنْ حيثُ لا تحتسبُ ، ويرفِقُ بها ، ويعينُها على الحياةِ في بيئاتِها ، أينما وُجِدَتْ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ اللَّطِيفِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ لأنْ يكونَ رفيقاً ، رقيقاً ، معيناً لمخلوقاتِ اللهِ العاقلةِ وغيرِها ، بما في ذلكَ المحافظةِ على الأرضِ ، وعدمِ التسببِ في الأذى لهوائِها ومائِها وتربتِها ، التي حبانا اللهُ بها ، واستخلَفَنا عليها ، سبحانهُ وتعالى ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.

 

55. الْخَبِيرُ

" الْخَبِيرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "خَبِرَ" و "خَبُرَ" ، الذي يعنى "عَلِمَ وَعرِفَ الشيءَ على حقيقتِهِ ، بالملاحظةِ والتجربةِ والمُعامَلَةِ." وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلمُ حقيقةَ الأشياءَ في ملكوتِهِ الواسعِ الذي خلقَهُ بما فيهِ ، ولا يضاهي علمَهُ بها أيُّ مِنْ مخلوقاتِهِ.

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفاً ، ومقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْحَكِيمُ" ، بما يفيدُ أنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقةٌ بحكمتِهِ المطلقةِ في التعامُلِ معَ مخلوقاتِهِ. فجاءَ معَ ذكرِهِ بأنهُ " الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ" (الأنْعَامُ ، 6: 18) ، ومعَ ذكرِ خلقِهِ للسماواتِ والأرضِ (الأنْعَامُ ، 6: 73 ؛ سبأ ، 34: 1).

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 18).

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 73).

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 1).

واقترنَ في آيتينِ أخريين معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ ثانٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "اللَّطِيفُ" ، بما يفيدُ أنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ ، سبحانهُ وتعالى ، متعلقةٌ بلطفِهِ في علمِهِ وخبرَتِهِ بها والتعامُلِ معها. فجاءَ معَ ذِكرِ إدراكِهِ لأبصارِ مخلوقاتِهِ (الأنْعَامُ ، 6: 103) ، ومعَ علمِهِ بما يقولُ الناسُ سِرَّاً أو جهراً (الْمُلْكُ ، 67: 14). كما اقترنَ مرَّةً واحدةً معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ ثالثٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَلِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ خِبْرَتَهُ بالأشياءِ متعلقةٌ بعلمِهِ بها ، سبحانهُ وتعالى ، كما جاءَ عن الحديثِ الذي أسرَّهُ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، لبعضِ أزواجهِ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3).  

لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنْعَامُ ، 6: 103).

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الْمُلْكُ ، 67: 14).

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التَّحْرِيمُ ، 66: 3). 

ووردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 39 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ وحدُهُ في أربعٍ منها ، في معرضِ ذِكرِهِ ، عزَّ وجلَّ ، لخبرتِهِ بذنوبِ عبادِهِ وبخلقِ السماواتِ والأرضِ (الْفُرْقَانُ ، 25: 58-59) ، وبالذينَ اتخذوهم شركاءَ مِنْ دونِهِ (فَاطِرُ ، 35: 14) ، وبما في صدورِ الناسِ مِنْ أسرار (الْعَادِيَاتُ ، 100: 11).

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴿٥٨﴾‏ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴿٥٩﴾ (الْفُرْقَانُ ، 25: 58-59).

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (فَاطِرُ ، 35: 14).

إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (الْعَادِيَاتُ ، 100: 11).

وقد وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 12 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ أسماءٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ معَ "بَصِيرٍ" في خَمْسٍ منها ، بما يُفيدُ أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ ، خبيرٌ بذنوبِ عبادِهِ لأنَّهُ بَصِيرٌ بِهم (الإسْرَاءُ ، 17: 17) ، وهوَ خبيرٌ بَصِيرٌ في تقديرِهِ لأرزاقِهم (الإسْرَاءُ ، 17: 30) ، وهوَ خَبيرٌ بَصِيرٌ بالناسِ لأنهُ شهيدٌ على ما يقولونَ (الإسْرَاءُ ، 17: 96) ، وهو خبيرٌ بَصِيرٌ بالمؤمنين الذينَ يُتبِعونَ تلاوتَهم لكتابِ اللهِ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ (فَاطِرُ ، 35: 31) ، وهوَ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ لأنَّهُ لَوْ بَسَطَ "الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ" (الشُّورَى ، 42: 27).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً كذلكَ معَ اسمٍ أخرَ ، هوَ "عَلِيمٌ" ، في ثَلاثِ آياتٍ ، بما يُفيدُ أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ ، خبيرٌ بالسرائرِ ، فيوفِقُ بينَ الزوجينِ عِندَ عِلمِهِ بأنهما يريدانِ إصلاحاً (النِّسَاءُ ، 4: 35) ، وهوَ خبيرٌ بما يحدثُ وسيحدُثُ للناسِ ، فهوَ يعلمُ الساعةَ ونزولَ الغيثِ وما في الأرحامِ وماذا سيكسبُ الناسُ وأينَ يموتونَ (لُقْمَانُ ، 31: 34) ، وهوَ خبيرٌ بالناسِ لِعلمِهِ بأنَّ تقوى أحدِهِم توصلُهُ إلى أعلى مراتبِ التكريمِ عِنْدَهُ ، تباركَ وتعالى (الْحُجُرَاتُ ، 49: 13).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مُنَكَّرَاً معَ اسمينِ آخَرَينِ ، هما "حَكِيمٌ" و "لَطِيفٌ" ، في آيتينِ أخريين ، بما يُفيدُ بأنَّ خِبْرَتَهُ ، عزَّ وجلَّ ، متعلقةٌ بحكمتِهِ ولطفِهِ. فهوَ الذي أحْكَمَ آياتِ كتابِهِ (هُودُ ، 11: 1) ، وهوَ بلطفِهِ يعلمُ كلَّ شيءٍ في ملكوتِهِ ، مهما كانَ صغيراً ، كمثقالِ حبةٍ من خردلٍ ، وهوَ قادرٌ على الإتيانِ بها متى شاءَ (لُقْمَانُ ، 31: 16). كما وردَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى 23 مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ ما يفعلُ الناسُ وما يصنعونَ. فاللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، خبيرٌ بعبادِهِ ، لعلمِهِ بما يفعلونَ سرَّاً وعلانيةً (الْبَقَرَةُ ، 2: 271). [70]

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (النِّسَاءُ ، 4: 35).

إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 34).

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هُودُ ، 11: 1).

يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لُقْمَانُ ، 31: 16).

إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 271).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْخَبِيرُ بملكوتِكَ وبخلقِكَ أجمعينَ" ، أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْخَبِيرِ" ، لا مُعَرَّفَاً ولا مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الخَبِيرُ بمخلوقاتِهِ كلِّها ، وهوَ بلطفِهِ وحكمتِهِ يعلمُ ما تفعلُ ، وأينَ ومتى تكونُ أفعالُها ، ولا يمكنُ لأيٍّ من المخلوقاتِ أنْ يكونَ لها ذلك.

. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْخَبِيرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ أنْ يكونَ خبيراً في مجالِ عملِهِ وفيما يحتاجُهُ مِنْ أمورِ معاشِهِ ، وذلكَ بتحصيلِ العلمِ بها ، وبالاستفادةِ مِنَ التجاربِ والخبراتِ ، التي اكتسبها هوَ أو غيرُهُ مِنَ الناسِ.

56. الْحَلِيمُ    

"الْحَلِيمُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "حَلُمَ" ، الذي يعنى "تَأنّى وصَبَرَ وسَكَنَ ، عندَ الغضبِ ، وعندَ حدوثِ مكروهٍ ، معَ قُدرتِهِ على الانفعالِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الذي لا يُعَجِّلُ بالعقوبةِ والانتقامِ مِنَ العُصاةِ والمذنبينَ ، فورَ ارتكابِهم لذنوبِهم ومعاصيهم ، معَ قُدرتِهِ على ذلكَ. لكنهُ يؤخرهما ، ليغفرَ للمستغفرينَ والتائبينَ. كما إنهُ ، جلَّ وعلا ، لا يمنعُ رزقَهُ عن عبادِهِ ، سواءً كانوا عُصاةً أو طائعينَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى إحدى عشرَةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً فيها معَ أربعةِ أسماءِ مُنَكَّرَةٍ أخرى مِنْ أسمائِهِ الحُسنى. فجاءَ سِتَّ مرَّاتٍ معَ "غفورٍ" ، بما يفيدُ بأنَّ مغفرةِ اللهِ لعبادِهِ متعلقةٌ بِحِلْمِهِ ، فهوَ يغفرُ لمن يتوبوا عن اللغو في أيمانِهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 225) ، وَلِمَنْ يُسِرُّوا في أنفسِهِم ما لا يرضى لهم (الْبَقَرَةُ ، 2: 235) ، ولِمَنْ استزلهُم الشيطانُ ، فتولَوْا يومَ التقى الجمعانِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 155) ، ولِمَنْ سألوا عن أمورٍ تسؤهم لو علِموها (الْمَائِدَةُ ، 5: 101). وهوَ الحليمُ الغفورُ الذي لا يعاقبُ خلقَهُ ، وخاصةً المسبحينَ منهم ، بذنوبِ مَنْ قالوا بوجودِ آلهةٍ أخرى غيرِهِ (الإسْرَاءُ ، 17: 44). وهوَ الحليمُ الغفورُ الذي لا يعاقبُ عبادَهُ بذنوبِ غيرِهِم مِنَ المشركينَ ، وهوَ قادرٌ على إفناءِ مَنْ في السماواتِ والأرضَ ، ولكنهُ بِحِلْمِهِ يُمسكُهما أن تزولا (فَاطِرُ ، 35: 41).

وجاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ثلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً أيضاً ، ومقترناً فيها معَ اسمٍ آخرَ من أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "عَلِيمُ" ، بما يفيدُ بأنَّ حِلْمَهُ على عبادِهِ ، عزَّ وجلَّ ، متعلقٌ بعلمِهِ بأحوالِهم ، بما في ذلكَ ضعفِهِم وقلةِ حيلتِهِم إزاءَ ما ليسَ لهم قدرةً عليهِ. فمِنْ حِلمِهِ على عبادِه ، أنَّهُ شرَّعَ لهم كيفيةِ توزيعِ الإرثِ بينهم ، لعلمِهِ بإمكانيةِ اقتتالِهِم في غيابِ ذلكَ (النِّسَاءُ ، 4: 12). ولعِلمِهِ بالمشقةِ التي يصادفُها المهاجرونَ في سبيلِهِ ، أعلنَ أنهُ حليمٌ بهم ، وبأنَّ ثوابَهم سيكونُ يومَ يلقَونَهُ ، فَيُدْخِلُهُم مُدخلاً يرضونَهُ في جنةِ خلدِهِ (الْحَجُّ ، 22: 59). وهوَ عليمٌ برسولهِ وبأمهاتِ المؤمنينَ ، حليمٌ عليهم (الأحْزَابُ ، 33: 51).

كما جاءَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً كذلكَ ، ومقترناً فيها معَ اسمينِ آخرَينِ من أسمائِهِ الحُسنى ، هما "غَنِيٌ" و "شَكُورٌ" ، بما يُفيدُ بأنَّ حِلْمَهُ على عبادِهِ ، عزَّ وجلَّ ، هوَ بمعزلٍ عن طاعتِهم له والإنفاقِ في سبيلِهِ مِنْ غيرِ مَنٍ ولا أذى ، لأنهُ ليسَ بحاجةٍ لهم (الْبَقَرَةُ ، 263) ، فهوَ غَنِيٌ عنِ العالمينَ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 97). وهوَ شَكُورٌ ، أي كثيرُ الشكرِ لِمَنْ أطاعَهُ وأنفقَ في سبيلِهِ ، فيضاعفُ لهم أجورَهم ويغفرُ لهم سيئاتِهم. وهوَ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بالعقوبة للعصاةِ ، عسى أن يتوبوا ويستغفروا لذنوبهم (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 225).

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾‏ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾‏ (الْحَجُّ ، 22: 58-59).

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 263).

إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، والغفورُ لهم ، والشكورُ لطاعتِهم لكَ ، معَ إنَّكَ غنيٌ عنِ العالَمين. اللهمَّ أعنَّا ، وخففْ عنَّا ، والْطُفْ بنا ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَلِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الحليمُ بهم ، الذي لا يعاقبُهم على معاصِيهِم ، معَ قدرتِهِ على ذلكَ ، عسى أنْ يتوبوا إليهِ قبلَ مماتِهم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَلِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "حليمةً" والولدُ "حَلِيماً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، فوصفَ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ "أواهٌ حليمٌ" (التَّوْبَةُ ، 9: 114) ، ووصفَ ابنَهَ الذي بشرَهُ بهِ بأنَّهُ ، عليهِ السلامُ ، "غلامٌ حليمٌ" (الصَّافَّاتُ ، 37: 101).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يبذلَ المؤمنُ ما في وسعِهِ لأنْ يكونَ حليماً تجاه خلقِ اللهِ الذينَ يتعاملُ معهم. ويكونُ ذلكَ بالتأني والصَبْرِ والسَكَنِ ، عندَ الغضبِ ، وعندَ حدوثِ المكارِهِ ، على الرغم مِنْ قُدرتِهِ على الانفعالِ. ويكونُ ذلكَ أيضاً بإعطاء المخطئينَ الفرصةَ لتصحيحِ أخطائِهم ، بدلاً من إنزالِ العقوبةِ الفوريةِ عليهم ، وذلكَ إدراكاً لقصورِهم ومواطِنِ ضعفهِم ، وتشجيعاً لهم على عدمِ العودةِ لتلكَ الأخطاءِ.

57. الشَاكِرُ

"الشَّاكِرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقُّ مِنْ الفعلِ "شَكَرَ" ، الذي يعني اعترفَ بالإحسان أو الفضلِ أو العملِ عموماً ، وعبَّرَ عن ذلكَ الاعترافِ بالثناءِ والجزاء. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يشكرُ عبادَهُ على طاعتِهِم لهُ ، ويثني عليهِم ، ويعدُهُم بالجزاءِ الأوفى على طاعاتِهم وصالحِ أعمالِهم ، وذلكَ بسعادةِ السلامِ والإيمانِ في الحياةِ الدُّنيا ، والسعادةِ الأبديةِ في دارِ السلامِ ، في الآخِرَةِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتينِ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً فيها معَ اسمٍ مُنَكَّرٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "عَلِيمُ." وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ فوائدَ طاعةِ عبادِهِ لهُ ، والتي تعودُ عليهم بالخيرِ ، وعلى مَنْ حولِهم ، بَلْ وعلى والبشريةِ جمعاءَ. فيشكرُ لهم إيمانَهم بهِ وطاعتَهم لهُ ، ويعدُهم بأفضلِ الجزاء في الآخِرَةِ. ومِن أمثلةِ ذلكَ شكرُهُ ، عزَّ وجلَّ ، للحجاجِ الذين يَطَّوَّفونَ بالصفا والمروةِ تطوُّعاً ، أثناءَ الحجِّ والعمرةِ ، لأنهما مِنْ شعائرِهِ (البقرة ، 2: 158). كما أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَعْلَمُ مَنْ يشكرُهُ مِنَ عبادِه ، مِنْ مؤمنينَ وتائبينَ معتصمينَ باللهِ ، ومخلصينَ دينَهم لهُ ، فيشكرُهم على ذلكَ بوعدِهِ أنهُ سوفَ يُؤْتِهِم "أَجْرًا عَظِيمًا" (النِّسَاءُ ، 4: 146-147).

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 158).

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾‏ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴿١٤٧﴾ (النِّسَاءُ ، 4: 146-147).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّاكِرُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، الشاكرُ لطاعتِهم لكَ ، بوعدِكَ لهم بالأجرِ العظيم. اللهمَّ إني أشكرُكَ على نِعَمِكَ التي لا تُحصى ، أعنَّي ، وخففْ عنَّي ، والْطُفْ بي وبوالديَّ وبأسرتي ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الشَّاكِرِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ القادرُ على الأجرِ العظيمِ الذي وعدَهُ لعبادِهِ الصالحينَ ، ألا وهوَ الحياةِ الأبديةِ في جنتِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الشَّاكِرِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "شَّاكِرةً" والولدُ "شَّاكِرَاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، فوصفَ إبراهيمَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ شَاكِرٌ لِّأَنْعُمِهِ (النَّحْلُ ، 16: 121) ، وأمَرَ رسولَهُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ: "بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" (الزُّمَرُ ، 39: 66) ، وقالَ عنِ الإنسانِ عموماً: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنْسَانُ ، 76: 3).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ شاكراً لأنعُمِ اللهِ عليهِ وعلى الذينَ مِنْ حولِهِ ، بالإكثار من الشكرِ لهُ لفظاً ، والتمسكِ بطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيه. ومِنْ شكرِهِ للخالقِ ، عزَّ وجلَّ ، أيضاً ، أن يشكرَ لخلقِهِ أعمالَهم الصالحةَ ، ويعترفَ بالجميلِ ، ويقدِّمَ لهم الأجرَ الذي يستطيعُ ، مكافأةً لهم على طيبِ صنائِعِهم.

58. الشَكُورُ

"الشَّكُورُ" اسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مُبالغةٍ مِنَ "الشَّاكِرِ" ، الذي يشتركُ معهُ في الاشتقاقِ مِنَ الفعلِ "شَكَرَ" ، الذي يعني اعترفَ بالإحسان أو الفضلِ أو العملِ عموماً ، وعبَّرَ عن ذلكَ الاعترافِ بالثناءِ والجزاء. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، كثيرُ الشُّكْرِ لعبادَهُ على طاعتِهِم لهُ ، وكثيرُ الثَّناءِ عليهِم ، وأنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعدُهُم بالجزاءِ الأوفى على طاعاتِهم وصالحِ أعمالِهم ، وذلكَ بسعادةِ السلامِ والإيمانِ في الحياةِ الدُّنيا ، والسعادةِ الأبديةِ في دارِ السلامِ ، في الآخِرَةِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى أربعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، ومقترناً في ثلاثٍ منها معَ اسمٍ مُنَكَّرٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "غَفُورُ" ، وفي المرَّةِ الرابعةِ معَ "حَلِيمٍ."  وذلكَ يعني أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، يشكرُ عبادَهُ على طاعاتِهِم وصالحِ أعمالِهِم ، بأنْ يغفرَ لهم ذنوبَهم ، وبأن يكونَ حليماً معهم ، بالصبرِ عليهم ، أي بعدمِ إنزالِ العقوبةِ الفوريةِ عليهِم ، لإعطائِهم الفرصةِ للتوقُفِ عن المعاصي والتوبةِ إليهِ ، تباركَ وتعالى. والآياتُ الكريمةُ التي وردَ فيها اسمُ "الشَّكُورِ" هيَ 35: 30 ، 35: 34 ، 42: 23 ، 64: 17 ، كما يلي:

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 30).

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (فَاطِرُ ، 35: 34).

ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (الشُّورَى ، 42: 23).

إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (التَّغَابُنُ ، 64: 17).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّكُورُ" ، العليمُ بخلقِكَ ، الشاكرُ لطاعتِهم لكَ ، بوعدِكَ لهم بالأجرِ العظيم. اللهمَّ إني أشكرُكَ على نِعَمِكَ التي لا تُحصى ، أعنَّي ، وخففْ عنَّي ، والْطُفْ بي وبوالديَّ وبأسرتي ، ووفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الشَّكُورِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ القادرُ على الأجرِ العظيمِ الذي وعدَهُ لعبادِهِ الصالحينَ ، ألا وهوَ الحياةِ الأبديةِ في جنتِهِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الشَّكُورِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "شَّكُورةً" والولدُ "شَّكُورَاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، حيثُ أنهُ وصفَ نوحاً ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ "كَانَ عَبْدًا شَكُورًا" (الإسراء ، 17: 3) ، كما ذَكًرَ لنا أنَّ في التفكرَ في نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ "لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ" (إبراهيم ، 14: 5 ؛ لقمان ، 31: 31).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ كثيرَ الشُّكْرِ للهِ ولخلقِهِ على أعمالِهم الصالحةِ ، وأنْ يعترفَ لهم بالجميلِ ، ويقدِّمَ لهم الأجرَ الذي يستطيعُ ، مكافأةً لهم على طيبِ صنائِعِهم. والمؤمنُ الشَكُورُ هوَ الذي يعترُفُ بأنعُمِ اللهِ عليهِ وعلى الذينَ مِنْ حولِهِ ، فيكثِرُ من الشكرِ لهُ لفظاً ، ويتمسكُ بطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيه ، ويقومُ بصالحِ الأعمالِ. ولنا في النبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، أسوةٌ حسنةٌ. فقد قامَ للصلاةِ في الليلِ حتى تورَّمَت قدماه. فسألتهُ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ ، رضي اللهُ عنها ، عِنْ سببِ ذلكَ ، معَ أنَّ اللهَ قد غفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّرَ. فأجابها: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا." [71]

59. الْعَلِيُّ

"الْعَلِيُّ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "المُتَعَالِ" و "الأعلى."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ ، الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى سِتَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ مقترناً في آيتينِ كريمتينِ معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْعَظِيمُ" ، بما يُفيدُ بأنَّ عُلُوَّهُ على خلقِهِ جميعاً ، بما في ذلكَ الكرسيِّ والسماواتِ والأرضِ ، يدلُّ على عَظَمَتِهِ ، جلَّ وعلا (الْبَقَرَةُ ، 2: 255 ؛ الشُّورَى ، 42: 4). وجاءَ مقترناً في أربعِ آياتٍ أخرى معَ اسمٍ مُعَرَّفٍ آخرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ "الْكَبِيرُ" ، بما يُفيدُ بأنَّهُ أعْلَى وأكبرُ مِنْ خلقِهِ كلِّهِم ، بما في ذلكّ أشركوا بِهِ. فهوَ "الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ" (الْحَجُّ ، 22:  62 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 30) ، وقولُهُ الحقُّ (سَبَأُ ، 34: 23) ، وحكمُهُ العدلُ يومَ يُعرضونَ عليهِ ، تباركَ وتعالى (غَافِرُ ، 40: 12). كما جاءَ هذا الاسمُ مُنَكَّرَاً معَ اسمٍ آخرَ مُنَكَّرٍ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، هو "حَكِيمٌ" ، بما يفيدُ بأنهُ لا طاقةَ للبشرِ أن يكلمَهُم اللهُ مباشرةً ، ولذلكَ كانَ كلامُهُ لهم "وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ" (الشُّورَى ، 42: 51) ، وذلكَ كما تُبينُ لنا هذهِ الآياتُ الكريمةُ.

... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 255).

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( الشُّورَى ، 42: 4).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (الْحَجُّ ، 22:  62 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 30).

وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 23).

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (غَافِرُ ، 40: 12).

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشُّورَى ، 42: 51).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ" ، الْعَظِيمُ ، والْكِبِيرُ مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ ، اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْعَلِيِّ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يعلو خلقَهُ جميعاً مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْعَليِّ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ أنْ تتسمى البنتُ "عَلِيَّةً" والولدُ "عَلِيَّاً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في عبادِهِ ، حيثُ أنهُ وصفَ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوبَ ، عليهِمُ السلامُ ، بأنَّهُ كَانَ "لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" (مَرْيَمُ ، 49-50). كما أنَّهُ ذكرَ إدريسَ ، عليهِ السلامُ ، وبأنَّهُ قد رفعهُ "مَكَانًا عَلِيًّا" (مَرْيَمُ ، 19: 57).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معاني هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ "الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" ، الرحيمُ بعبادِهِ ، الحليمُ عليهِم ، والغفورُ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ الله ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بمكانِهِ ومكانتِهِ.

60. الْمُتَعَالِ

"الْمُتَعَالِ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "الْعَلِيُّ" و "الأعلى."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْمُتَعَالِ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فهوَ يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، في الآيةِ الكريمةِ التاسعةِ من سورةِ الرَّعْدِ (13) ، معَ اسمينِ آخرينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "الْكَبِيرُ." وذلكَ يعني أنَّهُ ، عزَّ وجلَّ" هوَ "الْمُتَعَالِ" على كلِّ خلقِهِ ، وذلكَ بعلمِهِ ما يعلمونً وما لا يعلمونَ ، وأنَّهُ بذلكَ أكبرُ مِنهم ، في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، سواءً كانوا فُرَادَى أمْ مجتمعين. وجاءَ هذا الاسمُ معَ ذكرِ أنَّ اللهَ يعلمُ ما لا يعلمُهُ خلقُهُ ، كعلمِهِ بما "تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" (الرَّعْدُ ، 13: 8) ، وكعلمِهِ بما يُسرُّ الناسُ وما يجهرونَ ، وما يفعلونَ في الليلِ والنهار (الرَّعْدُ ، 13: 10).

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾‏ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾‏ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ (الرَّعْدُ ، 13: 8-10).

وقد أوضحتْ لنا الآياتُ الكريمةُ بعضَ المعانيَ المتعلقةِ بتعاليَ رَبِّنا عنْ تَهافُتِ عبادِهِ فيما يصفونَهُ ويقولونَ عنه. فذكرتْ أنهُم يصفونَهُ بأنَّ لهُ شركاءَ مِنَ الجنِّ ، وأنَّ لهُ بنينَ وبناتٍ (الأنْعَامُ ، 6: 100) ، وهوَ الذي خلقَ السماواتِ والأرض بالحق ، تعالى أنْ يكونَ لهُ شركاءَ في ذلكَ (النَّحْلُ ، 16: 3) ، وأنهُ الغنيُّ بذاتِهِ الذي لا حاجةَ لهُ أن يكونَ لهُ صاحبةً أو ولداً (الْجِنُّ ، 72: 3). فسبحانَهُ وتعالى علواً كبيراً عمَّا يقولونَ ويصفونَ (الإسْرَاءُ ، 17: 43) ، فهوَ أعلى وأجلُّ وأكرمُ وأشرفُ وأكملُ مِنْ أنْ يكونَ لهُ شركاءَ أو صاحبةً أو بنينَ أو بناتٍ.

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 100).

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( النَّحْلُ ، 16: 3).

وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (الْجِنُّ ، 72: 3).

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 43).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُتَعَالِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وحدَهُ الذي يعلو خلقَهُ جميعاً مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُتَعَالِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يتسمى بهذا الاسم مُنَكَّراُ أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ اللهِ ، ولأنَّهُ ، جلَّ وعلا ، رأى في هذهِ الصفةِ عصياناً لأمرِهِ ، واستكباراً ، وعلواً للمخلوقِ في غيرِ مَحَلِّهِ ، على طاعةِ الخالقِ ، تباركَ وتعالى ، كما حدثَ في قولِهِ لإبليسَ: "مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ" (صَ ، 38: 75) ، وفي وصفِهِ لفرعونَ وملئِهِ بأنهم قد استكبروا "وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ" ﴿٤٦﴾‏ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 46).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ عِلُّوِّ "الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ" ، الرحيمِ بعبادِهِ ، الحليمِ عليهِم ، والغفورِ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ اللهِ ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بسببِ صفةٍ دنيويةٍ مؤقتةٍ اكتسبها ، بناءً على موقعٍ أو مكانةٍ أو حسبٍ أو نسب.

61. الْأعْلَى

"الْأعْلَى" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَلَى" ، الذي يعني ارْتَفَعَ وارْتَقَى وصَعَدَ مكانةً وموقعاً وشرفاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَلَا" ، الذي يعني اعْتَلَى وظهرَ عَلَى وغلبَ وقهرَ. ويشتركُ هذا الاسمُ في الاشتقاقِ مِنْ هذينِ الفعلينِ معَ اسمينِ آخرينِ ، هما "الْعَلِيُّ" و "المُتَعَالِ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْأعْلَى" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يعلو على كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. فهوَ يعلو على العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ والأرضينِ ، وما فيها ومَنْ فيها مِنْ خلقِهِ جميعاً ، وذلكَ مكانةً وموقعاً وشرفاً. وهوَ الظاهرُ عليهِم ، القاهِرُ لهم ، والغالبُ على أمرِهِ (أنظرْ المزيدَ عنْ عُلُوِّهِ ، تبارَكَ وتعالى ، في اسمِ "ذي الْعَرْشِ").

وتأكيداً على تَمَيُّزِ هذا الاسم مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هناكَ سورةٌ في القرآنِ الكريمِ تُسمى بهِ ، وهي سورةُ "الْأعْلَى" (87). كما أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قد جعلَ التسبيحَ بِهِ مِنْ مستلزماتِ السجودِ في كلِّ ركعةٍ مِنَ الصلاةِ. فكانَ يقولُ في رُكوعِه: "سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ" ، وفي سُجودِه: "سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى." [72]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ الأولى مِنْ سورةِ الأعْلَى (87) ، والتي أعقبها شرحٌ لمعانيَ هذا الاسمِ في الآياتِ الأربعِ التالية. فربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأعلى لأنهُ لا يجاريهُ أحدٌ في صفاتِهِ وأفعالِهِ ، فهوَ الأعلى بالمقارنةِ معَ أيِّ موجودٍ آخرَ. فقد خلقَ كلَّ شيءٍ وسَوَّاهُ على أفضلِ حالٍ. وقدَّرَ ما سَيَئولُ إليهِ عبادُهُ مِنْ الإيمانٍ بخالِقِهم أو الكفرِ بهِ ، ولكنهُ مَكَّنَهُم مِنَ الهدايةِ إليهِ ، مِنْ خلالِ منحِهِم القدرةِ الفطريةِ على التمييزِ بينَ الخيرِ والشرِّ ، وعلى التفكيرِ في آياتِهِ الكونيةِ ، وفي أنفسِهِم ، ومِنْ خلالِ رُسُلِهِ إليهم. وهوَ الذي أخرجَ المرعَى لتأكلُهُ دوابِّهم ، وذلكَ بإنزالِ مياهِ الأمطارِ. وهوَ الذي خلقَ الدورةَ النباتيةَ ، التي تتحولُ فيها النباتاتُ الخضراءُ إلى بقايا مِنَ السيقانِ والأوراقِ الباليةِ ، التي لا فائدةَ فيها ، كما توضحُ لنا الآياتُ الكريمةُ ، التي تمَّ ذِكْرُها.

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴿٤﴾‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ ﴿٥﴾(الأعْلَى ، 87: 1-5).

وجاءَ اسمُ "الْأعْلَى" مرَّةً أخرى في الآيةِ الكريمةِ العشرينَ مِنْ سورةِ الليلِ (92) ، وذلكَ في سياقِ تحذيرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للناسِ بأنْ يتجنبوا النارَ ، وذلكَ بألَّا يكونوا مِنَ العصاةِ الأشقياءِ الذين يُكَذِّبونَ رُسُلَهُ ، ويتولَوْنَ عنهم. فهؤلاءِ مصيرُهم النار. أمَّا الأتقياءُ مِنْ عبادِهِ ، فإنهم سيتجنبونها ، لأنهم يؤتونَ الزكاةَ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ ، ربِّهمُ الأعلى ، وَحَدَهُ ، الذي سيكافئهم بما يَرْضَوْنَ عنهُ في جنةِ خُلدهِ (الْلَيْلُ ، 92: 14-21).

فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ﴿١٤﴾‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴿١٥﴾‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٦﴾‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴿١٧﴾‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ ﴿١٩﴾‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ﴿٢٠﴾‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴿٢١﴾‏ (الْلَيْلُ ، 92: 14-21).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْأعْلَى" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْأعْلَى" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفةٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ ، فهوً وَحْدَهُ الذي يعلو على خلقِهِ جميعاً ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْأعْلَى" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا يجوزُ لمخلوقٍ أنْ يَدَّعِي بأنَّهُ "الربُّ الأعلى" ، كما فعلَ فرعونُ. فأنزلَ اللهُ ، عزَّ وجلَّ ، العقابَ بِهِ في هذهِ الدنيا ، كما سيعاقبُهُ في الآخِرَةِ ، على ادعائِهِ بذلكَ (النَّازِعَاتُ ، 79: 24-26). ولكنْ يجوزُ وصفُ المؤمنِ بأنهُ "الْأعْلَى" ، في مقارنتِهِ معَ الكافرينَ (وليس تسميتُهُ بذلكَ) ، كما جاءَ في وصفِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لِموسى ، عليهِ السلامُ ، بالمقارنةِ معَ فرعونَ وملئِهِ وسَحَرَتِهِ (طَهَ ، 20: 67-68). [73]

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ متواضعاً معَ غيرِهِ مِنَ البشرِ. فمهما علا مكانةً وموقعاً وشرفاً ، فذلكَ محدودٌ زماناً ومكاناً وكيفيةً بالمقارنةِ معَ عِلُّوِّ ربِّنا "الْأعْلَى" ، الرحيمِ بعبادِهِ ، الحليمِ عليهِم ، والغفورِ لذنوبِهِم. فينبغي على المؤمنِ ألا يتعالى على غيرِهِ مِنْ عبادِ اللهِ ، وألَّا يتفاخرَ عليهِم بسببِ صفةٍ دنيويةٍ مؤقتةٍ اكتسبها ، بناءً على موقعٍ أو مكانةٍ أو حَسَبٍ أو نَسَب.

62. الْكَبِيرُ

"الْكَبِيرُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَبِرَ" ، الذي يعني ازدادَ عُمْرَاً ، وكذلكَ مِنَ الفعلِ "كَبُرَ" ، الذي يعني عَظُمَ وجَسُمَ ، ونما وازدادَ ، وتَرَفَّعَ وتَنزّهَ ، وسادَ قومَهُ ، كما جاء في معجم المعاني الجامع. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْكَبِيرَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الأزليُّ في وجودِهِ ، فهوَ الأولُ والآخِرُ ، الذي لم يكنْ قبلُهُ شيءٌ ، وهوَ المتحكمُ فيما خلقَ ومَنْ خلقَ ، المُتَنَزِّهُ عَنْ نقائصِهِم.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى خمسَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً. فجاءَ في الآيةِ الكريمةِ التاسعةِ من سورةِ الرَّعْدِ (13) ، معَ اسمينِ آخرَينِ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هما "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" و "الْمُتَعَالِ." وذلك يعني أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، أكبرُ وأعلى مِنْ خلقِهِ كلِّهِم ، وذلكَ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، سواءً كانوا فُرَادَى أمْ مجتمعين. فهوَ يعلمُ ما يعلمُهُ خلقُهُ وما لا يعلمونَ ، كعلمِهِ بما "تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ" (الرَّعْدُ ، 13: 8) ، وكعلمِهِ بما يُسرُّ الناسُ وما يجهرونَ ، وما يفعلونَ في الليلِ والنهار (الرَّعْدُ ، 13: 10).

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾‏ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾‏ سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ (الرَّعْدُ ، 13: 8-10).

وجاءَ في الآياتِ الأربعِ الأخرى معَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى هوَ "الْعَلِيُّ" ، توضيحاً بأنَّ كِبَرَهُ ، جلَّ وعلا ، متعلقٌ بعلوِّهِ على جميعِ خلقهِ. فهوَ أكبرُ منهم لأنهُ يعلوهُم كلُّهُم ، مِنْ عرشٍ وكرسيٍّ وسماواتٍ وأرضينَ ، وما فيهِنَ جميعاً ، ومَنْ فيهِن. وهوَ أعلى منهم وأكبرُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ.

فجاءَ ذِكْرُ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" في سياقِ تقريرِ أَنَّ "اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ" (الْحَجُّ ، 22: 62) ، وأنه كَبِيرٌ بإسباغِ نِعَمِهِ على خلقِهِ ، كنعمةِ تداولِ الليلِ والنهارِ ، وما ينتجُ عنْ ذلكَ مِنْ النومِ والعمل ( الْحَجُّ ، 22: 61) ، ونعمةِ إنزالِ المطرِ ، مما يبعثُ الحياةَ في النباتاتِ وبالتالي في الحيواناتِ والبشرِ ( الْحَجُّ ، 22: 63).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( الْحَجُّ ، 22: 62).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأَنَّهُ "هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ" (لُقْمَانُ ، 31: 30) ، ولأنهُ سخَّرَ الشمسَ والقمرَ لمخلوقاتِهِ على الأرضِ ، لِما في ذلكَ مِنْ فوائدَ عيدةٍ لهم ، كالدفءِ ونموِّ النباتاتِ والضوءِ والمدِّ والجزرِ (لُقْمَانُ ، 31: 29) ، ولأنهُ يسوقُ الرياحَ التي تجري بالفلكِ في البحرِ ، وتولدُ الطاقةَ في هذهِ الأيام (لُقْمَانُ ، 31: 31).

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (لقمان ، 31: 30).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّ خلقَهُ سيقفونَ بينَ يديهِ لا حولَ ولا قوةَ لهم ، "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ" (سَبَأُ ، 34: 23). حينئذٍ ، لا ينفعُ المشركينَ ما أشركوا بهِ ، لأنهم لا يملكون مثقالَ ذرةٍ في السماواتِ والأرضِ (سَبَأُ ، 34: 22). وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّهُ يرزقُ مخلوقاتَهُ مِنْ فوقهم ، أي بالمطرِ النازلِ عليهِم مِنَ السماءِ ، ومِنْ تحتِ أرجلِهِم ، أي مما تُخْرِجُ لهم الأرضُ مِنْ نباتٍ (سَبَأُ ، 34: 24).

وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (سَبَأُ ، 34: 23).

وهوَ "الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" لأنَّهُ يُري عبادَهُ آياتِهِ ، حتى يؤمنوا به (غَافِرُ ، 40: 13). وهوَ الحَكَمُ العدلُ ، الذي لا يظلمُ خلقَهُ ، فيحاسبُ الناسَ على أساسِ إيمانِهِم أو كفرِهم أو شركِهم به (غَافِرُ ، 40: 12). في ذلكَ اليومِ ، يعترفونَ أمامَهُ بأنَّهُ أماتهم اثنتينِ وأحياهمُ اثنتينِ (غَافِرُ ، 40: 11).

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (غَافِرُ ، 40: 12).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْكَبِيرِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً الأولُ والآخِرُ ، الذي لم يكنْ قبلُهُ شيءٌ ، وهوً وَحْدَهُ الأزليُّ في وجودِهِ. وهوَ المتحكمُ فيما خلقَ ومَنْ خلقَ ، المُتَنَزِّهُ عَنْ نقائصِهِم. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْكَبِيرِ"  ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. وللمؤمنِ أنْ يسعى قدرَ جهدِهِ ليكونَ كبيراً في صفاتِهِ وقُدراتِهِ وتصرفاتِهِ ، ولكنْ لا يليقُ لأحدٍ أن يتسمى بهذا الاسمِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ "الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" ، جلَّ وعلا. لكنَّ القرطبيَّ ، رَحِمَهُ اللهُ ، قد رأى أنهُ لا بأسَ في ذلكَ.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بطاعةِ اللهِ ، مِنْ خلالِ القيامِ بالعباداتِ ، وصالحِ الأعمالِ ، والتحلي بالصبرِ ، وحسنِ المعاملةِ معَ الناس ، ونُصحِهِم وإرشادِهم إلى الخيرِ ، وبالترفعِ عَنِ الصغائرِ ، وألا ينزلْ المؤمنُ في معاملاتِهِ إلى دَرْكِ الأراذِلِ والعُصاةِ والأنذال. والمؤمنُ كثيرُ التكبيرِ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، كما يفعلُ في كلِّ حركةٍ يقومُ بها أثناءَ الصلاةِ ، وذلكَ استجابةً لأمرِ خالِقةِ ، عزَّ وجلَّ ، الذي جاءَ في الآية 111 مِنْ سورةِ الإسْرَاءُ (17).

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (الإسْرَاءُ ، 17: 111).

وذكرَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، أنَّ "الكبيرَ منَ العبادِ هوَ الكاملُ ، الذي لا تقتصرُ عليهِ صفاتُ كمالِهِ ، بل تسري إلى غيرِهِ ، فلا يجالسُهُ أحدٌ إلَّا ويفيضُ عليهِ شيئاُ مِنْ كمالِهِ. وكمالُ العبدِ في عقلِهِ وورعِهِ وعلمِهِ. فالكبيرُ مِنَ العبادِ هوَ العالِمُ التقيُّ المُرشِدُ للخلقِ ، الصالحُ لأنْ يكونَ قدوةً يُقتبسُ مِنْ أنوارِهِ وعلومِهِ."

63. العَظِيمُ

"الْعَظِيمُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "عَظُمَ" ، الذي يعني كَبُر ، وفَخُمَ ، وعَلَتْ مَكَانَتُهُ ؛ وكذلكَ مِنَ الفعلِ "عَظَّمَ" ، الذي يعني كَبَّرَ ، وفَخَّمَ ، وبَجَّلَ ، و وَقَّرَ ، واحْتَرَمَ ، وأجَلَّ ، طبقاً لمعجم المعاني الجامع. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْعَظِيمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أكبرُ وأفخمُ وأعلى مكانةً مِنْ جميعِ خلقِهِ ، وهوَ أهلٌ للتعظيمِ ، والتفخيمِ ، والتبجيلِ ، والتوقيرِ ، والاحترامِ والإجلالِ مِنْ خلقِهِ كلِّهِم.

وتأكيداً على تَمَيُّزِ هذا الاسم مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّهُ مِنْ مستلزمات الركوعِ ، في كلِّ صلاةٍ ، وذلكَ تسبيحاً وتعظيماً للخالقِ ، جلَّ وعلا. فقد روى الصحابيُ حذيفةُ بنُ اليمانِ ، رضي َ اللهُ عنهُ ، أن النبيَّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، كانَ يقولُ في رُكوعِه: "سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ" ، وفي سُجودِه: "سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى." [74]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ستَّ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُعَرَّفَاً ، ومقترناً معَ أسماءٍ أخرَى مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى. فجاءَ مرَّةً واحدةً معَ اسمِ "اللهِ" الأعظمِ ، في سياقِ تحذيرِ الناسِ منَ عذابِ الوقوعِ في خطيئتَيْ الكفرِ والبخلِ (الْحَاقَةُ ، 69: 33-37). [75]

إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴿٣٣﴾‏ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣٤﴾ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾‏ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴿٣٦﴾‏ لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴿٣٧﴾‏ (الْحَاقَةُ ، 69: 33-37).

وجاءَ معَ "الْعَلِيِّ" مرَّتينِ ، في ختامِ آيةِ الكُرسيِّ ، التي ذكرتْ عَظَمَتَهُ وعُلُوَّهُ ، جلَّ وعلا ، في أنَّهُ "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (الْبَقَرُة ، 2: 255). وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ معَ ذكرِ أنَّهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، "لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (الشورى ، 42: 4).

كما جاءَ اسمُ "الْعَظِيمِ" مقترناً ثلاثَ مرَّاتٍ معَ اسمِ "الرَّبِ." فربُّنا العظيمُ ، تباركَ وتعالى ، أهلٌ لتسبيحِنا باسمهِ ، وهوَ الذي وهبَنا ما لا يُحصى منَ النِّعَمِ ، كنعمةِ النارِ التي تنتجُ عنْ خشبِ الشجرِ ، والتي بدورِها تعتمدُ على المطرِ ، الذي ينزلُ على الأرضِ بأمرِ اللهِ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 71-74). وهوَ ربُّنا العظيمُ ، العادِلُ في حُكمِهِ على خلقِهِ ، يومَ يُعرضونَ عليهِ ، فيكافئُ المؤمنينَ ويعاقبُ الضالينَ المكذبينَ ، كلاً بما يستحقهُ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 91-96). وهوَ ربُّنا العظيمُ ، الذي أنزلَ كتابَهُ الكريمُ ، هدايةً للناس ، وتذكرةً للمتقينَ ، وحسرةً على الكافرينَ (الْحَاقَةُ ، 69: 48-52).

أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾‏ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ﴿٧٢﴾‏ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 71-74). [76]

وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾‏ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾‏ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾‏ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾‏ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾‏ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴿٩٥﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 91-96).

وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾‏ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾‏ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾‏ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴿٥١﴾‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٥٢﴾‏ (الْحَاقَةُ ، 69: 48-52).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْعَظِيمُ" ، مكانةً وموقعاً وشرفاً. اللهمَّ إني أسألُكَ العونَ لي ولوالديَّ ولأسرتي وللمؤمنينَ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ (وذلكَ كمثالٍ على الدعاءِ بصفةٍ عامةٍ ، ولكنْ للمؤمنِ أنْ يدعوَّ ربَّهُ بما شاءَ ولِمَنْ شاءَ ، طالباً الخيرِ والبركةِ والمساعدةِ والنُصرةِ).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ " الْعَظِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في عظمَتِهِ ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. وهوَ أكبرُ وأفخمُ وأعلى مكانةً مِنْ جميعِ خلقِهِ ، وهوَ خالِقُ السماواتِ والأرضَ ، المُنعِمُ على خلقِهِ بالرزق في الحياةِ الدُّنيا ، وهوَ الذي سيحاسبُهم على أعمالِهم في الآخِرةِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْعَظِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

وقد جاءَ في الحديثِ القدسيِّ ، الذي رواهُ أبو هريرةَ وابنُ عبَّاسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُما ، قولَ اللهِ ، تباركَ وتعالى: "الكبرياءُ رِدائِي ، والعَظمةُ إِزارِي ، فمَنْ نازعَنِي واحِدًا مِنهُما قذَفْتُهُ في النارِ." [77]

وللمؤمنِ أنْ يسعى قَدْرَ جُهْدِهِ ليكونَ عظيماً في صفاتِهِ وقُدراتِهِ وتصرفاتِهِ ، على محدوديةِ ذلكَ زماناً ومكاناً وقُدرةً. ولكنْ لا يليقُ لأحدٍ أن يتسمى بهذا الاسمِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، وذلكَ تأدباً معَ "الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" ، جلَّ وعلا ، وتجنباً لتزكيةِ النفسِ ، التي نهانا الله عنها، في قولِه: "فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ" (النَّجْمُ ، 53: 32).

وبينما لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُسمى "عظيماً" ، فإنهُ يُمْكِنُ وصفُ شخصٍ بأنهُ "عظيمٌ" ، بمعنى أنهُ أعظمُ مِنْ غيرِهِ مِنَ الناسِ ، كما فعلَ النبيُّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، في وصفِهِ لِمَلِكِ الرومِ ، هِرَقْلَ ، بأنهُ "عظيمُهم." فعنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَّ أرسلَ رسالةً لِهِرَقْلَ ، عظيمِ الروم ، قال فيها: "بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِن مُحَمَّدٍ ، عبدِ اللَّهِ ورَسولِهِ ، إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ علَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى. أمَّا بَعْدُ ، فإنِّي أدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ. أسْلِمْ تَسْلَمْ ، وأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فإنْ تَوَلَّيْتَ ، فَعَلَيْكَ إثْمُ الأرِيسِيِّينَ (رعاياهُ مِنَ الفلاحينَ). و "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 64). [78]

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بمساعدةِ عبادِ اللهِ في الحصولِ على أرزاقِهِم ، وذلكَ بالمساهمةِ في تعليمِهِم وتدريبِهِم ونُصحِهِم وإرشادِهِم إلى طُرقِ الحصولِ على الأعمالِ والمحافظةِ عليها وتنميتِها ما أمكن. كما يتأتى ذلكَ مِنْ خلالِ القيامِ بالأعمالِ العظيمةِ ، التي تُفيدُ خلقَ اللهِ ، مِنْ بشرٍ وحيوانٍ ونباتٍ ، وتحافظُ على هذا الكوكبِ مِنَ التلوثِ في مائِهِ وهوائِهِ وتُرابِهِ.

64. الحَافِظُ

"الحَافِظُ" اسمُ صفةٍ ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَفِظَ" ، الذي يعني صَانَ ،  وحَرِسَ ، ورَعَى ورَاقَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الحَافِظَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، يَصُونُ ويَحْرُسُ ويَرْعَى ويُرَاقِبُ ما يشاءُ ومَنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً واحدةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، في صيغةِ المفردِ ، وذلكَ في الآيةِ الكريمة 64 مِنْ سورةِ الْبَقَرَةِ (2) ، التي ذكرَ فيها يعقوبُ ، عليهِ السلامُ ، ثقَتَهُ بأنَّ اللهَ ، "خَيْرٌ حَافِظًا" ، كما جاءَ في القراءةِ المعتمدةِ في المُصحف. وكانَ ذلكَ عندما طلبَ أبناؤهُ مِنْهُ السماحَ لهم بأخذِ أخيهِمُ الأصغرً معهم إلى مصرَ. والمعنى أنهُ على الرغمِ مِنْ عدمِ ثقتِهِ بهم ، إلا إنهُ يثقُ بربِهِ ، عزَّ وجلَ ، بأنْهُ خيرٌ منهم في حفظِهِ مِنْ كلِّ سوءٍ.

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (يُوسُفُ ، 12: 64).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ مرتينِ مُنَكَّرَاً أيضاً ، ولكنْ بصيغةِ الجمعِ ، المفخِّمَةِ والمُعَظِّمَةِ للهِ ، عزَّ وجلَّ. فجاءَ في المرَّةِ الأولى لتأكيدِ حفظِهِ ، تباركَ وتعالى ، للقرآنِ الكريمِ ، الذي أنزلهُ لهدايةِ البشرية ، وذلكَ بِصَوْنِهِ وحراستِهِ ورعايتِهِ مِنْ أنْ ينالَهُ أي تغييرٍ أو تبديلٍ ، مهما حاولَ شياطينُ الإنسِ والجنِّ فعلَ ذلكَ (الْحِجْرُ ، 15: 9). وجاءَ في المرَّةِ الثانيةِ في سياقِ تسخيرِ الشياطينِ لخدمةِ سليمانَ ، عليهِ السلام ، بمعنى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، مُرَاقِبٌ عليهِم وعلى أعمالِهِم ، وأنَّهُ يمنعُهم مِنْ أنْ ينالوهُ بسوءٍ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 82).

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الْحِجْرُ ، 15: 9).

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 82).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَافِظُ" لما تشاءُ ولِمنْ تشاءُ مِنْ خلقِكَ. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ (وذلكَ كمثالٍ على الدعاءِ بصفةٍ عامةٍ ، ولكنْ للمؤمنِ أنْ يدعوَّ ربَّهُ بما شاءَ ولِمَنْ شاءَ ، طالباً الحفظِ والخيرِ والبركةِ والمساعدةِ والنُصرةِ).

ولا يَصحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَافِظِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في قدرتِهِ على حفظِ مخلوقاتِهِ ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَافِظِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالمحافظةِ على نفسِهِ نقيةً طاهرةً مطيعةً للهِ ورسولِهِ ، والمحافظةِ على الذينَ مِنْ حولِهِ أيضاً ، وذلكَ بصونِهِم ، ورعايتِهِم ، وحراستِهِم ، ومراقبتِهم ، حتى يُقدِّمَ لهم العونَ عندَ الحاجةِ. ويشملُ ذلكَ أفرادَ أسرتِهِ وأقاربَهُ والعاملينَ تحتَ إمرتِهِ ، والمجتمَعَ بصفةٍ عامةٍ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يُساهِمَ في حفظِ كتابِ اللهِ ، ما استطاعَ ، وذلكَ بحفظِ ما يقدرُ عليهِ منهُ ، ودراستِهِ ، والعملِ بهِ ، وتعليمِهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ومَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهم مِنَ الناس.

65. الحَفِيظُ 

"الحَفِيظُ" أسمُ صفةٍ ، في صيغةِ مبالغةٍ من اسمِ آخرَ ، هوَ "حَافِظُ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "حَفِظَ" ، الذي يعني صَانَ ،  وحَرِسَ ، ورَعَى ورَاقَبَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الحَفِيظَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، شديدُ الصَّوْنِ والحراسةِ والرعايةِ والمراقبةِ لِما يشاءُ ولِمَنْ يشاءُ مِنْ خلقِهِ. فقد ذكرَ في كتابِهِ الكريمِ أنهُ لا يؤودُهُ حِفْظُ السماواتِ والأرضِ (البقرة ، 2: 255) ، وأنهُ حَفِظَ السماواتِ مِنْ كلِّ شيطانٍ مارد (الْحِجْرُ ، 15: 17 ؛ الصَّافَّاتُ ، 37: 7).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ أرْبَعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً. فجاءَ في سياقِ قولِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ هودٍ ، عليهِ السلام ، بأنْ يُنذرَ الذينَ لم يؤمنوا مِنْ قومِهِ ، بأنهُ سيستخلفُ قوماً غيرَهم ، وأنهُ حفيظٌ ، أي رقيبٌ ، على كلِّ شيءٍ يقولونَهُ أو يفعلونَهُ (هُودُ ، 11: 57). وجاء في مَعْرِضِ ذكرِ مَنْ كفرَ مِنْ قومِ سبأٍ ، على الرغمِ مِنْ نِعَمِ اللهِ عليهِم ، الذي هوَ على كلِّ شيءٍ حفيظٍ ، أي رقيبٍ ومسجلٍ لكلِّ ما قالوهُ أو فعلوهُ (سَبَأُ ، 34: 21). وجاءَ في خطابِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للبشرِ كافةً ، بأنهُ ختمَ رسالاتِهِ لهم برسالةٍ وضحةٍ ، مَنْ اتبعها غنِمَ وفازَ ، ومَنْ كفرَ بها هلكَ ، وأنهُ بعدَ هذهِ الرسالةِ ليسَ بحفيظٍ عليهم ، أي أنهُ لنْ يرسلَ رسالةً أخرى لهم (الأنْعَامُ ، 6: 104). كما جاءَ في تحذيرِهِ ، جلَّ وعلا ، للذينَ يتخذونَ "مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ" ، مُذَكِّرَاُ بأنهُ "حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ" أي رقيبٌ على ما يقولونَ وما يفعلونَ ، ومُسَجِّلاً ذلكَ لهم ليحاسبَهم عليهِ في الآخرةِ (الشُّورَى ، 42: 6).

فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (هود ، 11: 57).

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (سَبَأُ ، 34: 21).

قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (الأنْعَامُ ، 6: 104).

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (الشُّورَى ، 42: 6).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَفِيظُ" لما تشاءُ ولِمنْ تشاءُ مِنْ خلقِكَ. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَفِيظِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً المُطلقُ في قدرتِهِ على حفظِ مخلوقاتِهِ ، أي صونِها وحراستِها ومراقبتها وتسجيلِ أقوالِها وأفعالِها ، بينما مخلوقاتُهُ محدودةُ في زمانِها ومكانِها وقُدُراتِها. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَفِيظِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ولا يَصِحُّ تسميةِ المؤمنِ بأنهُ "حفيظٌ" ، مُنَكَّراً أيضاً ، لنفسِ الأسبابِ التي تمَّ ذكرُها ، ولكنْ يَصِحُّ وصفُهُ بذلك. فقد وعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، الجنةَ "لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ" (قَ ، 50: 32) ، ووصفَ يوسفُ ، عليهِ السلامُ ، نفسَهُ بأنهُ "حَفِيظٌ عَلِيمٌ" (يُوسُفُ ، 12: 55).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالمحافظةِ على نفسِهِ نقيةً طاهرةً مطيعةً للهِ ورسولِهِ ، والمحافظةِ على الذينَ مِنْ حولِهِ أيضاً ، وذلكَ بصونِهِم ، ورعايتِهِم ، وحراستِهِم ، ومراقبتِهم ، حتى يُقدِّمَ لهم العونَ عندَ الحاجةِ. ويشملُ ذلكَ أفرادَ أسرتِهِ وأقاربَهُ والعاملينَ تحتَ إمرتِهِ ، والمجتمَعَ بصفةٍ عامةٍ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يُساهِمَ في حفظِ كتابِ اللهِ ، ما استطاعَ ، وذلكَ بحفظِ ما يقدرُ عليهِ منهُ ، ودراستِهِ ، والعملِ بهِ ، وتعليمِهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ومَنْ يستطيعُ الوصولَ إليهم مِنَ الناس.

66. الْمُّقِيتُ

"الْمُّقِيتُ" أسمُ صفةٍ ، ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَاتَ" ، الذي يعني أطْعَمَ بِما يَسُدُّ بهِ الرَمَقَ ، وهوَ مِقدارُ ما يَحفظُ الإنسانَ ، كما يعني حَافَظَ على الشّيءِ ، وقَدِرَ عليه. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الْمُّقِيتَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المُقتدِرُ ، الحفيظُ ، خالقُ الأقواتِ ، المُتكفِّلُ بإيصالِها إلى الخلقِ ، والحسيبُ على أعمالِهم ، فيجازي كُلاً بما يستحقُهُ. كما أنَّ "الْمُقِيتَ" هوَ المقتدرُ ، ومَنْ أقاتَ الناسَ اقتدرَ عليهِم. وهوَ الحفيظُ على القوتِ ، وهو ما يُمسكُ الرمَقَ مِنَ الرزقِ وتُحفظُ به الحياةُ. والمعنى أنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، كانَ وما زالَ على كلِّ شيءٍ مُقتدراً ، لا يُعجزهُ شيءٌ. وهوَ حفيظٌ على أحوالِ الناسِ ، لا يغيبُ عنهُ شيءٌ مِنْ ذلكَ ، كما ذكرَ المفسرونَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ اللهِ ، جلَّ وعلا ، للشفاعةِ الحسنةِ والشفاعةِ السيئةِ ، بمعنى أنهُ قادرٌ وحافظٌ ورزاقٌ وحسيبٌ لمخلوقاتِهِ كلِّها. فهوَ قادرٌ على حفظِ ما يقولُهُ الشفعاءُ ، وهوَ قادرٌ على إمدادِهِم بالقُوتِ الذي يمكنُهُم مِنَ العيشِ في الحياةِ الدُّنيا ، كما هوَ قادرٌ على محاسبتِهِم على أقوالِهِم وأفعالِهِم في الآخرةِ (النِّسَاءُ ، 4: 85).

مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (النِّسَاءُ ، 4: 85).

وجاءَ ذكرُ الْقُوتِ مرَّةً أخرى في القرآنِ الكريمِ ، في معرِضِ الإشارةِ إلى خلقِ الأرضِ. فذكرَ ، جلَّ وعلا ، أنهُ بعدما جعلَ الجبالَ وباركَ في الأرضِ ، قدَّرَ فيها أقواتَها ، لمخلوقاتِهِ المختلفةِ ، على حدٍ سواءٍ ، كلٍّ منها يجدُ ما يناسبُهُ مِنْ قوتٍ ، يحفظُ حياتَهُ ؛ أي أنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، مقيتٌ لمخلوقاتِهِ كلِّها ، دون تمييزٍ بينَها  (فُصِّلَتْ ، 41: 10).

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (فُصِّلَتْ ، 41: 10).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمُقِيتُ" لخلقكَ كلِّهِم. اللهمَّ أحفظني ووالديَّ وأسرتي والمؤمنينَ مِنْ كلِّ سوءٍ. اللهمَّ وفقنا لما تحبُّ وترضي ، واهدنا إلى سواءِ السبيلِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُقِيتِ" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانه وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً وَحْدَهُ المقتدرُ على رزقِ مخلوقاتِهِ بما يقِيتُها ، ويحافظُ على وجودِها في الحياةِ الدُّنيا ، وعلى محاسبتِها في الآخرةِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُقِيتِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يقومَ المؤمنُ ، ما استطاعَ ، بالعملِ على كسبِ قوتِهِ وقوتِ مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم ، مِنْ أفرادِ أسرتِهِ ووالِديهِ. ويشملُ ذلكَ مَدَّ يدِ العونِ وإنفاقِ الصدقاتِ على مَنْ هم في حاجةٍ للقوتِ مِنَ الأقاربِ وغيرِهم.

67. الْحَسِيبُ

"الْحَسِيبُ" أسمُ صفةٍ ، ، مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسُبَ" ، الذي يعني أنَّ الشخصَ ينحدرُ مِنْ أصولٍ كريمةٍ. أمَّا الفعلُ "حَسَبَ" ، القريبُ منهُ ، فيعني عَدَّ وأحصى. وهناكَ فعلٌ ثالثٌ ذو صلةٍ ، هوَ "حَسِبَ" ، الذي يعني ظنَّ واعتبرَ. ويشتركُ اسمانِ آخرانِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، في الاشتقاقِ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، وهما "سَرِيعُ الْحِسَابِ" و "أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ." 

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْحَسِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هو الذي له صفاتُ الكمالِ والجلالِ. وهوَ الشاهدُ الكافيُ على أقوالِ الناسِ وأفعالِهِم ، وهوَ الذي سيحاسبُهُم عليها في يومِ الحسابِ ، فَيُوَفِّي كلاً منهم ما يستحقُ مِنْ الثوابِ أو العقابِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، مُنَكَّرَاً ، وذلكَ في سياقِ ذكرِ اللهِ ، جلَّ وعَلا ، لمعاملةِ اليتامى بالحُسنى ، والمحافظةِ على أموالِهم حتى يبلغوا الرُّشدَ ، فتُدفعُ لهم بحضورِ الشهودِ. ثمَّ خُتمتْ الآيةُ الكريمةُ بالتذكيرِ بأنَّ اللهَ ، تباركَ وتعالى ، كافٍ وخيرَ شاهدٍ ومحاسبٍ للناسِ على ما يفعلونَ (النِّسَاءُ ، 4: 6). وجاءَ هذا الاسمُ أيضاً معَ أمرِ اللهِ للناسِ بأنْ يردُّوا التحيةَ بأحسنَ منها أو بمثلِها ، وكفى بهِ حَسِيبَاً ، أي شاهداً ومحاسِباً لهم (النساء ، 4: 86). كما جاءَ للتأكيدِ بأنَّ اللهَ كافٍ في الشهادةِ للنبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وللمؤمنينَ ، الذين يبلِّغونَ رسالاتِهِ ويخشَوْنهُ ولا يخشَوْنَ أحداً غيرَهُ (الأحزاب ، 33: 39).

فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا ( النِّسَاءُ ، 4: 6).

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ( النِّسَاءُ ، 4: 86).

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (الأحْزَابُ ، 33: 39).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَسِيبُ" ، ذو الكمالِ والجلالِ ، وأنتَ الشاهدُ الكافيُ على ما نقولُ ونفعلُ ، نسألُكَ حُسنَ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، وحُسنَ الثوابِ في الآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْحَسِيبُ" ، مُعَرَّفَاً أو مُنَكَّرَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوً وَحْدَهُ القادرُ على رؤيةِ ومعرفةِ أعمالِ الناسِ ، في السِّرِّ والعلنِ ، وهوَ وحدَهُ المحاسبُ لهم جميعاً في يومِ الحسابِ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَسِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماء اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ حسيباً على نفسِهِ ، أي بمحاسبتِها بانتظامِ. فيشكرُ اللهَ على الهدايةِ والتوفيقِ حينما يقولُ ويفعلُ ما يرضيهِ ، ويتوبُ إليهِ ويطلبُ المغفرةَ منهُ إذا وقعَ في معصيةٍ أو ارتكبَ أيٍّ مِنْ الآثامِ. وهوَ في ذلكَ يحافظُ على نفسِهِ طاهرةً ، بمداومةِ لومِهِ لها ، فيفوزُ برضى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ومديحِهِ لها ، بقوله: "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" (الْقِيَامَةُ ، 75: 2). وهكذا فالحسيبُ مِنَ الناسِ هوَ مَنْ يحاسبُ نفسَهُ ، لعِلمِهِ يقيناً أنَّ اللهَ يحاسِبُ عبادَهُ على ما في أنفسِهم ، سواءً أخفوهُ أو أظهروهُ ، فيغفرُ لمن يشاءُ ، ويعذِّبُ مَنْ يشاءُ ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير.

لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الْبَقَرَةُ ، 2: 284).

68. سَرِيعُ الْحِسَابِ

"سَرِيعُ الْحِسَابِ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "سَرِيعُ" ، وهيَ اسمُ صفةٍ ، مُشْتَقٌ مِنَ الفعلِ "سَرُعَ" ، الذي يعني عَجَّلَ أو حَثَّ الْخُطَى. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحِسَابُ" ، فهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، الذي يعني عَدَّ وأحصى ، والذي يشتركُ فيهِ معَ اسمٍ آخَرَ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "سَرِيعَ الْحِسَابِ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قادرٌ على محاسبةِ جميعِ خلقِهِ في سُرْعَةٍ قُصْوَى لا يقدِرُ عليها إلا هوَ ، وأنهُ قادرٌ على عدِّ وإحصاءِ كلِّ أفعالِ خلقِهِ وأقوالِهم ، مهما صَغُرَتْ ، والإتيانِ بالشواهدِ عليها ، دونَ ظلمٍ لأيِّ أحدٍ ، كائناً مَنْ كانَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَمَانِ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ ، جميعُها في آياتٍ تنتهي بذكرِ أنَّ اللهَ ، جلَّ وعَلا ، "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، في يومِ الحسابِ. فجاء َ في سياقِ البُشرى للمؤمنينَ ، الذينَ يدعونَهُ أنْ يأتِهِم في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً ، بأنَّ لهم نصيبٌ مما كَسَبوا ، وأنهُ قادرٌ على ذلكَ في سرعةٍ قُصوى ، في يومِ الحسابِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 201-202). وهوَ سريعُ الحسابِ بالعقوبةِ للكافرينَ وللذينَ اختلفوا مِنْ أهلِ الكتاب بغياً بينهم (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 19) ، وبالأجرِ لِمَنْ آمنَ منهم باللهِ وبكتبهِ السابقةِ وبالقرآنِ الكريمِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 199) ، وللمطيعين والعصاةِ لأوامرِهِ التي تذكرُ ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم (الْمَائِدَةُ ، 5: 4). وهوَ سريعُ الحسابِ لِمَنْ يكفرُ ، ولا مُعَقِّبَ لحكمِهِ (الرَّعْدُ ، 13: 40-41) ، ولكلِّ نفسٍ بما كسبت (إبْرَاهِيمُ ، 14: 51) ، وللذينَ كفروا بهِ ، الذينَ سيجدونَ أنَّ لا فائدةَ لهم مِنْ أعمالِهم في الحياةِ الدنيا ، بسبب كفرِهِم (النُّورُ ، 24: 39)  ، ولكلِّ نفسٍ بما كَسَبَتْ ، بدونِ ظلمٍ لأيِّ أحدٍ كانَ (غَافِرُ ، 40: 17).

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾‏ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾‏ (الْبَقَرَةُ ، 2: 201-202).

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آلِ ع عِمْرَانَ ، 3: 19).

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 199). [79]

وقد أخبرَنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، في العديدِ مِنَ الآياتِ الكريمةِ ، عن حسابِهِ العادلِ لمخلوقاتِهِ في الآخِرَةِ. فذكرَ أنَّ كلَّ نفسٍ ستُحاسبُ على ما كسبتْ في حياتِها الدُّنيا ، مِنْ أقوالٍ وأفعالٍ ، وذلكَ على أساسِ كتابِها الذي لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (الْكِهْفُ ، 18: 49) ، ولو كانَ ذلكَ مثقالِ ذرَّةٍ مِنْ خيرٍ أو شرٍّ (الزَّلْزَلَةُ ، 99: 7-8).

وبالإضافةِ إلى الكتابِ الذي تكتبُهُ الملائكةُ لكلِّ نفسٍ (الانْفِطَارُ ، 82: 10-11 ؛ الزُّخْرُفُ ، 43: 80) ، فإنَّ الروحَ تشهدُ على أفعالِ المخلوقاتِ وأقوالِها بالصوتِ والصورةِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ الذاكرةِ التي يحتويها كلٌ مِنَ العقلِ والنفسِ وأعضاءِ الجسمِ المختلفةِ ، كالقلبِ والدماغِ. وستتكلَّمُ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم عليهِم (يَس ، 36: 65) ، إنْ هُم أنكروا ما هوَ مكتوبٌ في كُتُبِهِم ، أي أنّ حسابَ اللهِ لخلقِهِ ، عادلٌ ، لا ظلمَ فيهِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 281).  [80]

أمَّا عنِ السرعةِ في الحسابِ ، فيكفي الإشارةُ إلى مقدرةِ الإنسانِ الآنَ مِنْ إرسالِ الأخبارِ إلى جميعِ مَنْ في الأرضِ مِنْ خلالِ الأقمارِ الصناعيةِ وأجهزةِ الاستقبالِ ، مِنْ هواتفَ وحواسيبَ وأجهزةِ استقبالِ البثِّ المرئيِّ والمسموعِ. وأصبحَ بإمكانِ الحكوماتِ وقفُ عملِ هذهِ الأجهزةِ في أيةِ لحظةٍ ، لتوجيهِ رسالةٍ واحدةٍ للناسِ ، في وقتٍ واحدٍ ، بشأنِ خبرٍ ما ، أو للتحذيرِ مِنْ كارثةٍ أو خطرٍ. فإذا كانَ قد أصبحَ بمقدورِ الإنسانِ فعلُ ذلكَ ، فمنَ الأجدى أنْ نُقِرَّ بأنَّ خالقَ الإنسانِ هوَ أقدرُ وأسرعُ مِنْ خلقِهِ.

وكما جاءَ في الحديثِ الصحيحِ ، فإنَّ الملائكةَ مخلوقونَ مِنْ نورٍ ، مما يمكنُهُم مِنَ السفرِ بسرعةِ الضوءِ أو أسرعَ مِنْ ذلكَ ، لحملِ أوامرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وتنفيذِها في السماواتِ والأرضِ ، كما ذكرَ لنا ربُّنا في كتابِهِ الكريم ، مِنْ أنهُ "يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" (النَّحْلُ ، 16: 2) ، وأنَّهُ "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" (الْمَعَارِجُ ، 70: 4). [81]

وهكذا ، فإنهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قد أخبرنا عنْ بعضِ المعلوماتِ التي تدلُّنا على مدى السرعةِ التي يتُمُّ بها تنفيذُ أوامرِهِ ومشيئتِهِ ، مما يساعدُنا على الاقترابِ مِنْ فهمها ، بما في ذلكَ سرعةِ حسابهِ ، تباركَ وتعالى ، لمخلوقاتهِ ، في يومِ الحساب.

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، ذو الكمالِ والجلالِ ، وأنتَ الشاهدُ الكافيُ على ما نقولُ ونفعلُ ، نسألُكَ حُسنَ الأعمالِ في هذهِ الدُّنيا ، وحُسنَ الثوابِ في الآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على رؤيةِ ومعرفةِ أعمالِ الناسِ ، في السِّرِّ والعلنِ ، وهوَ وحدَهُ المحاسبُ لهم جميعاً في يومِ الحسابِ ، وفي سرعةٍ لا يقدِرُ عليها أحدٌ غيرُهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَسِيبِ" ، بدلاً مِنَ هذا الاسمِ المُرَكَّبِ ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ حسيباً على نفسِهِ ، أي محاسباً لها بانتظامِ. فيشكرُ اللهَ على الهدايةِ والتوفيقِ حينما يقولُ ويفعلُ ما يرضيهِ ، ويتوبُ إليهِ ويطلبُ المغفرةَ منهُ إذا وقعَ في معصيةٍ أو ارتكبَ أيٍّ مِنْ الآثامِ. وهوَ في ذلكَ يحافظُ على نفسِهِ طاهرةً ، بمداومةِ لومِهِ لها ، فيفوزُ برضى اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، ومديحِهِ لها ، بقولِهِ: "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" (الْقِيَامَةُ ، 75: 2). وهكذا ، فإنَّ "سَرِيعَ الْحِسَابِ" مِنَ الناسِ هوَ مَنْ يحاسبُ نفسَهُ بأسرعِ ما يمكنُهُ ذلكَ ، أي بمجردِ إدراكِهِ لذنبِهِ ، فيسارعُ للتوبةِ وطلبِ المغفرةِ مِنَ اللهِ ، والاعتذارِ لمنْ أخطأ في حقِّهِم مِنَ الناسِ ، وتصحيحِ ما ارتكبَهُ بحقِّهِم.

69. أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ

"أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "أَسْرَعُ" ، وهيَ صفةٌ للتفضيلِ بينَ اثنينِ أو أكثرَ. وهيَ ، مُشْتَقَةٌ مِنَ الفعلِ "سَرُعَ" ، الذي يعني عَجَّلَ أو حَثَّ الْخُطَى. أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْحَاسِبِينَ" ، فهيَ اسمُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَسَبَ" ، الذي يعني عَدَّ وأحصى ، والذي يشتركُ فيهِ معَ اسمٍ آخَرَ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هوَ "سَرِيعُ الْحِسَابِ."

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ " يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، أسرعُ مِنْ أيِّ مخلوقٍ كانَ في حسابِ أعمالِ الخلقِ ، مهما صغرتْ أو أخفيتْ ، ومحاسبتِهم بناءً على ذلكَ. 

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 62 مِنْ سورةِ الأنْعَامُ (6) ، التي تذكرُ بأنَّ الخلقَ سيردونَ إلى خالِقِهم الحقِّ ، ليحكمَ فيهِم ، وهوَ في ذلكَ أسرعُ الحاسبينَ.

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنْعَامُ ، 6: 62).

وبخصوصِ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يمكنُ الاستفادةُ مما تمتْ الإشارةُ إليهِ في اسمِ "سَرِيعُ الْحِسَابِ" ، الذي وردَ أعلاهُ.

70. الْكَرِيمُ  

"الْكَرِيمُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَرُمَ" ، الذي يعني أعطى وجادَ بسهولةٍ وَوَفْرَةٍ ، وعنْ طيبِ خاطرٍ. كما يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ ونَفِسَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْكَرِيمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُعطي خلقَهُ ويجودُ عليهِم بسهولةٍ ووفرةٍ ، في هذهِ الدُّنيا ، سواءً سألوهُ أم لم يسألوهُ عنْ ذلكَ. وهوَ الذي يجودُ بكرمِهِ على عبادِهِ المؤمنينَ ، بالثوابِ الجزيلِ في الآخِرَةِ. وهكذا ، فإنَّ كَرَمَهُ ، جلَّ وعلا ، لخلقِهِ يدلُّ على عظمتِهِ وعزتِهِ وغناهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً ، ومَرَّةً واحدةً مُنَكَّرَاً. فجاء َ في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ لم يخلِقْنا عبثاً ، وأننا سنرجعُ إليهِ لا محالةَ ، ومُعَظِّمَاً لذاتِهِ بذكرِ خمسةٍ مِنْ أسمائِهِ الحسنى ، هي: اللَّهُ ، الْمَلِكُ ، الْحَقُّ ، رَبُّ الْعَرْشِ ، الْكَرِيمِ ، أي العظيمُ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116). وجاء في سياقٍ آخرَ مُذَكِّرَاً الإنسانَ بأفضالِ اللهِ وكرمِهِ عليهِ ، وذلكَ بذكرِ المراحلِ الأربعِ الأولى للخلقِ الأولِ ، وهيَ: بثُّ الحياةِ والتسويةُ والاعتدالُ والتصويرُ (الانْفِطَارُ ، 82: 6-8). كما جاءَ في سياقِ تذكيرِ الإنسانِ بأنَّ كَرَمَهُ لخلقِهِ صفةٌ أصيلةٌ فيهِ ، عزَّ وجلَّ ، ولا علاقَةَ له بشكرِهِم لهُ أو كفرِهِم بهِ (النَّمْلُ ، 27: 40).

 أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾ (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 115-116).

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿٦﴾‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾‏ (الانْفِطَارُ ، 82: 6-8).

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (النَّمْلُ ، 27: 40).

وقد قدَّمَ الغزالي ، رَحِمَهُ اللهُ ، وصفاً جميلاً للهِ ، تباركَ وتعالى ، منْ خلالِ هذا الاسمِ مِنْ أسمائهِ الحُسنى ، فقالَ: "الكريمُ هوَ الذي إذا قدِرَ عفا ، وإذا وعدَ أوفى ، وإذا أعطى زادَ على مُنتهى الرجاءِ. ولا يُبالي كم أعطى ولِمنْ أعطى. وإنْ رُفعتْ حاجةٌ إلى غيرِهِ لا يَرضى. وإذا جُفيَ عاتبَ وما استقصى. ولا يَضيعُ مَنْ لاذَ بهِ والتجأَ (إليهِ) ، ويُغنيهُ عنْ الوسائلِ والشفعاءِ. فمنْ اجتمعَ لهُ جميعُ ذلكَ ، لا بالتكلَفِ ، فهوَ الكريمُ المُطْلَقُ ، وذلكَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، فقط." [82]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْكَرِيمُ" ، ، نسألُكَ أنْ تجودَ علينا بكرمِكَ العظيمِ في الدُّنيا والآخِرَةِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْكَرِيمِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لخلقِهِ جميعاً بسهولةٍ ووفرةٍ ، في هذهِ الدُّنيا ، وهوَ الذي يجودُ بكرمِهِ على عبادِهِ المؤمنينَ ، بالثوابِ الجزيلِ في الآخِرَةِ.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْكَرِيمِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. كما يجوزُ أن يُسمى الولدُ "كريماً" والبنتُ "كريمةً" ، أي مُنَكَّرَينِ ، تزكيةً لهذهِ الصفة الجميلةِ التي أحبها اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، ووصفَ بها رُسُلَهُ ، تكريماً وتشريفاً لهم. فوصفَ بها موسى ، عليهِ السلام (النَّمْلُ ، 27: 29) ، ومحمداُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ (الْحَاقَّةُ ، 69: 40). كما وصفَ بها عطاءَهُ الوفيرَ ، ورزقَهُ لعبادِه في الجنةِ (سَبَأُ ، 34: 4) ، والأجرَ العظيمَ للمؤمنينَ ، في الآخِرَةِ (الأحْزَابُ ، 33: 44).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ كريماً مِعطاءً مِمَّا جادَ عليهِ ربُّهُ بهِ مِنْ مالٍ ونعمةٍ ، لأنَّ ذلكَ ابتلاءٌ مِنْ ربِّهِ لهُ ، ليرى شكرَهُ وطاعتَهُ أو كفرَهُ وعصيانَهُ (الْفَجْرُ ، 89: 15). كما أنَّ أكرمَ الناسِ عندَ اللهِ هوَ أتقاهُم لهُ ، أي أكثرَهم طاعةً وشكراً لهُ (الْحُجُرَاتُ ، 49-13). وقد ذكرَ لنا رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، أنَّ إكرامَ الضيفِ مِنْ علاماتِ الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ.   [83]

71. الْأكْرَمُ

"الْأكْرَمُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "كَرُمَ" ، الذي يعني أعطى وجادَ بسهولةٍ وَوَفْرَةٍ ، وعنْ طيبِ خاطرٍ. كما يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ ونَفِسَ. وهوَ يشتركُ فيهِ معَ اسمِ "الْكَرِيمِ" ، الذي تمَّ ذكرُهُ أعلاه. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ " الْأكْرَمَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأكثرُ عطاءً وجوداً مِنْ أيِّ مخلوقٍ آخرَ ، لأنهُ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لخلقهِ كلِّهِم في هذهِ الدنيا ، بينما الكرماءُ الآخرونَ مِنْ خلقِهِ محدودونَ في قدرتِهِم على العطاء ، زماناً ومكاناً وكيفيةً. وهوَ الأكرمُ أيضاً لأنَّهُ وحدَهُ القادرُ على العطاءِ لعبادِهِ في الآخرة. وهكذا ، فإنَّ كَرَمَهُ ، جلَّ وعلا ، لخلقِهِ يدلُّ على عظمتِهِ وعزتِهِ وغناهُ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً. فجاء َ في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لأفضالِهِ على الإنسانِ ، التي لا يمكنُ لأحدٍ غيرِهِ أنْ يقومَ بها. فهوَ الأكرمُ الذي ، خلقَ الإنسانَ ببثِ الحياةِ على هذا الكوكبِ في المقامِ الأولِ ، وفي الرحمِ بعدَ ذلكَ. وهوَ الذي علَّمَ مخلوقاتَهُ القراءةَ والكتابةَ ، مما مكنَ الإنسانَ مِنْ التعلُّمِ. جاءَ ذلكَ في أولِ سورةِ العلقِ ، التي تشتملُ على أولِ كلمةٍ نزلتْ في القرآنِ الكريمِ ، وهيَ "اقرأ" ، تأكيداً على أنَّ تعليمَ الإنسانِ القراءةَ والكتابةَ هيَ مِنْ أعظمِ أوجِهِ كرمِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، عليهِ (الْعَلَقُ ، 96: 1-5).

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾‏ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾‏ (الْعَلَقُ ، 96: 1-5).

وبخصوصِ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يمكنُ الاستفادةُ مما تمتْ الإشارةُ إليهِ في اسمِ "الْكَرِيمِ" ، الذي وردَ أعلاهُ.

72. الرَّقِيبُ

"الرَّقِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "رَقَبَ" ، الذي يعني رَصَدَ ، ونَظَرَ بتمعنٍ ، ولاحَظَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الرَّقِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يُرَاقِبُ كلَّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، أي أنهُ الشهيدُ على أفعالِهِم ، علماً وسمعاً وبصراً. وهوَ المطلعُ على سرائرِهِم وضمائرِهِم ، الذي لا يغيبُ عنهُ شيءٌ ، ولا تخفى عليهِ خافيةٌ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاً. فجاءَ "الرَّقِيبُ" بمعنى "الشَّهِيدِ" في سياقِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لمسائلتهِ لرسولِهِ عيسى ، عليهِ السلامُ ، بعدَ رفعهِ إليهِ. فسألَهُ عما إذا كانَ قد قالَ للناسِ أنْ يتخذوهُ وأمَّهُ إلهينِ مِنْ دونِ اللهِ. فأجابهُ بأنهُ لم يقلْ لهم إلا ما أمرَهُ بهِ ، أي أنْ يعبدوا اللهَ ، ربَّهُ وربَّهم. وأضافَ بأنهُ كانَ شهيداً عليهِم ما دامَ فيهِم. أمَّا بعدَ رفعِهِ ، فإنَ اللهَ كانَ هوَ الرقيبُ عليهِم ، وهوَ على كلِّ شيءٍ شهيدُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116-117).

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (الْمَائِدَةُ ، 5: 116).

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 117).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّتَيْنِ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّراً. فجاءَ في سياقِ تذكيرِ اللهِ للناسِ بأنهُ خلقَهم مِنْ نفسٍ واحدةٍ ، ثمَّ خلقَ منها زوجَها ، وبثَّ منهما خلقاً كثيراً بعدَ ذلكَ ، مما يستوجبُ منهم أن يتقوهُ بعبادتِهِ والطاعةِ له ، وبصلةِ أرحامِهِم بالبرِّ والإحسانِ. وهوَ رقيبٌ عليهِم وشهيدٌ على ما يقولونَ وما يفعلونَ (النِّسَاءُ ، 4: 1). كما جاءَ في سياقِ تحديدِ عددِ زوجاتِ النبيِّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ (الأحْزَابُ ، 33: 52).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النِّسَاءُ ، 4: 1).

لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (الأحْزَابُ ، 33: 52).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الرَّقِيبُ" عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ، نسألُكَ أنْ تحفظنا مِنْ كلِّ سوءٍ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الرَّقِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على مُرَاقَبَةِ كلَّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، وهوَ الشهيدُ على أفعالِهِم ، والحفيظُ عليها ، علماً وسمعاً وبصراً. وهوَ الْمُطَّلِعُ على سرائرِهِم وضمائرِهِم ، الذي لا يغيبُ عنهُ شيءٌ ، ولا تخفى عليهِ خافيةٌ.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الرَّقِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يكونَ المؤمنُ رقيباً على نفسهِ وعلى مَنْ هوَ مسؤولٌ عنهم أو قريبٌ منهم ، بما يؤدي إلى دوامِ الطاعةِ لخالقِهِم. فقد ذكرَ القرآنُ الكريمُ أنَّ هناكَ رقيباً عتيداً مِنَ الملائكةِ لكلّ ما يَلْفِظُهُ الإنسانُ مِن قولٍ (ق ، 50: 18). كما وُصِفَ نبيُّ اللهِ ، شعيبٌ ، بأنهُ رقيبٌ أيضاً ، وذلكَ في معرضِ انتظارِ عقوبةِ اللهِ التي حلتْ بالكافرينَ مِنْ قومِهِ (هُودُ ، 11: 93).

73. الْقَرِيبُ

"الْقَرِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "قَرُبَ" ، الذي يعني دَنَا مِنَ المكانِ أو الشخصِ ، وهوَ عكسُ "بَعُدَ" عنهما. كما اشتُقَتْ منهُ "القرابةُ" بينَ الناسِ على أساسِ النسبِ أو الرَّحِمِ ، والقربُ بينَهم في الصفاتِ والأفكارِ.

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْقَرِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، قريبٌ مِنْ خلقِهِ عموماً ، ومِنْ عبادِهِ المؤمنينَ الذينَ يدعونَهُ ، على وجهِ الخصوصِ. فهوَ قريبٌ منهم ، بقدرتِهِ على سماعِهم ورؤيتِهم ومعرفةِ ما يفعلونَ سراً وعلانيةً ، كما تدلُّنا على ذلكَ أسماؤهُ الحسنى السميعُ والبصيرُ والعليمُ. كما أنَّهُ قريبٌ مِنْهم ، مِنْ خلالِ ملائكتِهِ ، القادرينَ على دخولِ أجسادهم ، كما تخبرُنا الآياتُ الكريمةُ (قَ ، 50: 16 ؛ الْوَاقِعَةُ ،  56: 83-85).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ إعلانِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبادِهِ المؤمنينَ بأنهُ قريبٌ منهم ، وتشجيعِهِ لهم بأنْ يدعوهُ ، واعداً إياهم بالاستجابةِ لدعواتِهِم ، وبإرشادِهِم إلى سَواءِ السبيلِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186). وجاءَ في سياقِ دعوةِ صالحٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ ويتوبوا إليهِ ويستغفروهُ ، فهوَ قريبٌ بمعنى أنهُ يسمعُ توبتَهُم واستغفارَهُم ، وهو مُجيبٌ بقبولِ التوبةِ وبالمغفرةِ للمستغفرينَ (هُودُ ، 11: 61). كما جاءَ هذا الاسمُ في سياقِ أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لرسولِهِ محمدٍ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، بأنْ يخبرَ الناسَ بأنَّ اللهَ سميعٌ قريبٌ ، يعلمُ ما يقولُهُ رسولُهُ لهم ، ويؤكدُ لهم أنَّ ما يأتي لهم بهِ مِنْ هدايةٍ ، هوَ مِنْ ربِّهِ ، عزَّ وجلَّ (سَبَأُ ، 34: 50).

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هُودُ ، 11: 61).

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (سَبَأُ ، 34: 50).

وعنْ قربِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، مِنْ خلقِهِ ، تَذْكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ بأنهُ أقربُ للإنسانِ مِنْ حبلِ الوريدِ ، وذلك مِنْ خلالِ ملائكتِهِ ، القادرينَ على دخولِ جسدهِ ، والسيرِ في عروقِهِ مع الدمِ الذي يَضُخُّهُ القلبُ إلى أجزاءِ الجسمِ المختلفةِ ، محملاً بالأكسجينِ والغذاءِ إليها. كما أنهم قادرونَ على السيرِ في العروقِ التي تحملُ ثاني أكسيد الكربون والفضلات مِنْ تلكَ الأجزاءِ إلى القلبِ ، للتخلص منها. ومِنْ هذهِ العروقِ "حبلِ الوريدِ" ، الذي يعملُ كقناةِ صرفٍ لتلكَ الفضلاتِ الضارةِ ، فيقومُ بنقلِها مِنَ الرأسِ ، بما في ذلكَ الدماغِ ، إلى القلبِ. وبدونِ ذلكَ ، تتراكمُ الفضلاتُ الضارةُ ويزدادُ الضغطُ في الدماغِ مما يؤثرُ على أدائهِ لوظائفهِ أو حتى يهددَ حياتَهُ. وتشيرُ الآياتُ الكريمةُ أيضاً إلى أنَّ الوسوسةَ تحدثُ في النفسِ ، التي هي جزءٌ مِنَ العقلِ المستوطنِ في دماغِ الإنسانِ. أي أنَّ اللهَ ، جلَّ وعلا ، يخبرنا بأنهُ أقربُ إلى دماغِ الإنسانِ ، مِنْ خلالِ ملائكتهِ ، مِنْ حبلِ الوريدِ المتصلِ مباشرةً بذلكَ الدماغِ وما يحتويَهُ مِنْ عقلٍ ونفسٍ (قَ ، 50: 16). كما أشارَ ، جلَّ شأنُهُ ، إلى نفسِ المعنى في آياتٍ أخرى ، بقولِهِ أنَّهُ أقربُ إلى المُحْتَضِرِ مِنْ أهلِهِ وأقاربِهِ المحيطينَ بِهِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ ملائكتِهِ المكلفينَ بقبضِ روحِهِ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 83-85 ؛ السَّجْدَةُ ، 32: 11).    

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (قَ ، 50: 16).

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾‏ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴿٨٤﴾‏ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾‏ (الْوَاقِعَةُ ، 56: 83-85).

قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 11).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْقَرِيبُ" بسمعِكَ وبصرِكَ وعلمِكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى" ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ. [84]

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْقَرِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ القادرُ على السمعِ والبصرِ والعلمِ بكلِّ شيءٍ ، في أيِّ مكانٍ وزمانٍ ، بما في ذلكَ ما يقولُ خلقُهُ وما يفعلونَ ، وهوَ وحدَهُ القادرُ على إجابةِ خلقِهِ ما يسألوهُ في دعائِهم لهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْقَرِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً ليكونَ قريباً مِنْ ربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يكونَ قريباً مِنْ أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ومنْ يتعاملُ معهم ، وذلكَ بالتفاعلِ معَهم ، والسؤالِ عنْ أحوالِهِم ، والتعرفِ على ظروفِهِم ، حتى يستطيعَ تقديمَ النصحِ والعونِ لهم ، ما أمكنَهُ إلى ذلكَ مِن سبيلٍ.

74. المُّجِيبُ

"المُّجِيبُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أجَابَ" ، الذي يعني رَدَّ على شخصٍ ، وأفادَهُ عَمَّا استفسرَ عنهُ ، وقضى لهُ حاجتَهُ ، وأعطاهُ ما سألَ عنهُ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "المُّجِيبَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الذي يقبلُ دعاءَ عبدِهِ ونداءَهُ ، ويستجيبُ لهُ ، ويُعطيه ما سألَ ، ويقضِيَ لهُ حاجتَهُ ، إنْ شاءَ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ دعوةِ رسولِ اللهِ صالحٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنْ يعبدوا اللهَ ويتوبوا إليهِ ويستغفروهُ ، فهوَ قريبٌ ، أي أنهُ يسمعُ توبتَهُم استغفارَهُم ، وهو مُجيبٌ ، بقبولِ التوبةِ وبالمغفرةِ للمستغفرينَ (هُودُ ، 11: 61).

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هُودُ ، 11: 61).

وقد وعدَ اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، عبادَهُ المؤمنينَ بالاستجابةِ لدعائِهم ، وبإرشادِهم للطريقِ المستقيمِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186) ، فقالَ: "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (فَاَطِرُ ، 40: 60) ، وقالَ: "اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنْفَالُ ، 8: 24) ، وقالَ: "اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ" (الشُّورَى ، 42: 47). وذكرَ بأنَّهُ يجيبُ المضطرَ إذا دعاهُ ، ويكشفُ السوءَ عنهُ (النَّمْلُ ، 27: 62).

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (فَاَطِرُ ، 40: 60).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنْفَالُ ، 8: 24).

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ (الشُّورَى ، 42: 47).

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (النَّمْلُ ، 27: 62).

وعنْ استجابةِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للدعاءِ ، روى عُبادةُ بنُ الصامتِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: ما على الأرضِ مسلِمٌ ، يدعو اللَّهَ تعالى بدعوةٍ ، إلَّا آتاهُ اللَّهُ إيَّاها ، أو صرفَ عنْهُ منَ السُّوءِ مثلَها ، ما لم يدعُ بمأثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ. فقالَ رجلٌ منَ القومِ: إذًا نُكثرُ. قالَ: اللَّهُ أَكثَرُ." [85]

وعنْ قدرتِهُ ، عزَّ وجلَّ ، على الإجابةِ لِمَنْ يدعوهُ مِنْ عبادِهِ ، روى أبو ذرٍ الغفاري ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: قالَ اللهُ تعالى: "يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم ، وإِنسَكُم وجِنَّكُم ، قاموا في صعيدٍ واحدٍ ، فسألوني فأعطيْتُ كلَّ إِنسانٍ مسألَتَهُ ، ما نقَصَ ذلِكَ مِمَّا عندي ، إِلَّا كما يَنقُصُ الْمِخْيَطُ (الإبرة) إذا أُدْخِلَ البحرَ." [86]

وذكرَ لنا ربُّنا ، سبحانهُ وتعالى ، أمثلةً عديدةً عنْ استجابتِهِ لعبادِهِ المؤمنينَ الذينَ يتجهونَ إليهِ بالدُّعاءِ. فاستجابَ للذينَ "هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ" وَأُوذُوا فِي سَبِيلِهِ "وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا" ، بالتكفير عن سيئاتِهم وإدخالِهم الجنةِ (آلِ عِمران ، 3: 195). واستجابَ لمجاهدي معركةِ بدرٍ بإمدادِهِم "بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال ، 8: 9). وأجابَ دعوتي موسى وهارونَ ، عليهِما السلامُ ، بالطمسِ على أموالِ فرعونَ وملئِهِ وبالتشديدِ على قلوبِهِم (يونس ، 10: 88-89). واستجابَ لدعوةِ يوسفَ ، عليهِ السلامُ ، بصرفِ كيدِهُنَ عليهِ (يوسف ، 12: 34) ، ولدعوةِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، فنجاهُ "وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ" (الأنبياء ، 21: 76) ، ولدعوةِ أيوبَ ، عليهِ السلامُ ، فكشفَ ما بهِ مِنْ ضُرٍّ (الأنبياء ، 21: 84) ، ولدعوةِ يونسَ ، عليهِ السلامُ ، فنجاهُ مِنَ الغَمِّ (الأنبياء ، 21: 88) ، ولدعوةِ زكريا ، عليهِ السلامُ ، فوهبَ لهُ يحيى وأصلحَ لهُ زوجَهُ (الأنبياء ، 21: 90). [87]

كما ذكرَ لنا ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، أنَّ مِنْ صفاتِ المؤمنينَ الاستجابةَ لدعوةِ رُسُلِ اللهِ لهم بالإيمانِ بهِ وطاعةِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، فوعدَهُم حُسْنَ الثوابِ والأجرَ العظيمَ في الآخِرَةِ. جاءَ ذلكَ في الإشارةِ إلى "الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ" (آلِ عِمران ، 3: 172) ، و "لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ" (الرعد ، 13: 18) ، "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" (الشورى ، 42: 38). وقالَ ، جلَّ شأنُهُ: "وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ" (الشورى ، 42: 26).

وأشارَ ، جلَّ وعلا ، إلى أنَّ مِنْ صفاتِ الكافرينَ أنهم لا يستجيبونَ لدعوةِ الرسولِ والمؤمنينَ لهم بالإيمانِ باللهِ (فاطر ، 35: 14) ، وأنهم يدعونَ مِنْ دونِ اللهِ مَنْ لا يستجيبُ لهم (الأحقاف ، 46: 5) ، وأنَّهم يستجيبونَ للشيطانِ (إبراهيم ، 14: 22). ولذلكَ ، فإنهُ توعدَهم بأنَّ مَنْ "لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الأحقاف ، 46: 32) ، وأنَّ "... الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (الرعد ، 13: 18).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ المُجِيبُ" لِمَنْ يسألُكَ مِنْ عبادِكَ ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ. [88]

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْمُجِيبِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ القادرُ على سماعِ دعاءِ عبادِهِ كلِّهِم ، وعلى الاستجابة لهم ،  وإعطائِهم ما يسألونه عنهُ ، وقضاءِ حاجاتَهم ، إنْ شاءَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُجِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى.

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً للاستجابةِ لربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يستجيبَ لسؤالِ مَنْ يسألُهُ أو يستجيرُ بِهِ أو يطلبُ عونَهُ. ولا يقتصرُ ذلكَ على أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ولكنهُ يشملُ منْ يتعاملُ معهم ، ومَنْ يلجأُ إليهِ ، ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا.

75. نِعْمَ الْمُجِيبُونَ

"نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" أسمُ صفةٍ ، مُرَكَّبٌ مِنْ كلمتينِ ، أولاهُما "نِعْمَ" ، وهيَ صفةٌ بصيغةِ الفعلِ الماضي الجامدِ ، المبني على الفتحِ ، والذي يعني المديحَ للفاعلِ الذي يليهِ. وقد وردت كلمةُ "نِعْمَ" في ستةٍ مِنْ أسماء اللهِ الحُسنى ، هيَ: نِعْمِ الْمُجِيبُونَ ، و نِعْمَ الْوَكِيلُ ، و نِعْمَ الْمَوْلَى ، و نِعْمَ النَّصِيرُ ، و نِعْمَ الْقَادِرُونَ ، و نِعْمَ الْمَاهِدُونَ. كما وردت في مديحِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لعبديهِ سليمانَ ويونسَ ، عليهِما السلامُ ، وللصدقاتِ ، والقائمينَ بأعمالِ الخيرِ ، والمتقينَ ، والثوابِ.   [89]

أما الكلمةُ الثانيةُ ، "الْمُجِيبُونَ" ، فهيَ اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "أجَابَ" ، الذي يعني رَدَّ على شخصٍ ، وأفادَهُ عَمَّا استفسرَ عنهُ ، وقضى لهُ حاجتَهُ ، وأعطاهُ ما سألَ عنهُ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ للمديحِ والثناءِ عليهِ ، لأنهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ في إجابتِهِ لدُعاءِ عبادِهِ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونهُ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شاءَ. وهوَ في ذلكَ خيرٌ مِنْ خلقِهِ جميعاً.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ المُرَكَّبُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ ، في الآيةِ الكريمةِ 75 مِنْ سورةِ الصَّافَّاتِ (37). وجاءَ ذلكَ في مَعرِضِ ذكرِهِ ، تباركَ وتعالى ، لِمَا حدَثَ لرسولِهِ نوحٍ ، عليهِ السلامُ ، مِنْ تكذيبِ قومِهِ لهُ ، واتهامِهِ بالجنونِ. فاشتكاهمُ لربِّهِ ، وطلبَ منهُ النصرَ عليِهِم (الْقَمَرُ ، 54: 9-10) ، والنجاةَ لهُ ومَنْ معهُ مِنَ المؤمنينَ. فأنجاهُم ربُّهُم في الفلكِ المشحونِ ، وأغرقَ الكافرينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 117-120). 

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾‏ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾‏ (الصَّافَّاتُ ، 37: 75-76).

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴿١٠﴾‏ (الْقَمَرُ ، 54: 9-10).

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ﴿١١٧﴾‏ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾‏ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١١٩﴾‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ﴿١٢٠﴾‏ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 117-120).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" وأكثرُهم وأفضلُهم وأحسنُهم في الإجابةِ لدُعاءِ عبادِكَ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونكَ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شِئتَ. اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدى والتُّقى والعفافَ والغِنى ، وأنْ تحفظَنا مِنْ كلِّ سوءٍ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ بهذا الاسمِ الْمُرَكَّبِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "نِعْمَ الْمُجِيبُونَ" ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وحدَهُ الأكثرُ والأفضلُ والأحسنُ في إجابتِهِ لدُعاءِ عبادِهِ ، وفي إعطائِهِم ما يسألونهُ ، وفي قضاءِ حاجاتِهِم ، إنْ شاءَ. وهوَ في ذلكَ خيرٌ مِنْ خلقِهِ جميعاً.

ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمُجِيبِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ولا مانعَ من مديحِ العبدِ الصالحِ ، على قيامِهِ بصالحِ الأعمالِ ، باستعمالِ الكلمةِ الأولى مِنْ هذا الاسمِ "نِعْمَ" ، وذلكَ تأسياً بمديحِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، لسليمانَ وأيوبَ ، عليهما السلام ، حيثُ وصفَ كلاً منهما بأنهُ "نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ" (ص ، 38: 30 ، 44).

ويمكنُ الاستفادَةُ مِنْ معانيَ هذا الاسمِ ، مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى ، كما تمَّ ذِكرُهُ في اسمِ "الْمُجِيبِ" ، بأنْ يسعى المؤمنُ جاهداً للاستجابةِ لربِّهِ ، وذلكَ بالتزامِ الطاعةِ لأوامِرِهِ واجتنابِ نواهيهِ ، ودوامِ الاتصالِ بهِ مِن خلالِ العباداتِ والنوافلِ والدعاءِ والصدقاتِ. كما أنَّ على المؤمنِ أنْ يستجيبَ لسؤالِ مَنْ يسألُهُ أو يستجيرُ بِهِ أو يطلبُ عونَهُ. ولا يقتصرُ ذلكَ على أفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ ، ولكنهُ يشملُ منْ يتعاملُ معهم ، ومَنْ يلجأُ إليهِ ، ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا.

76. الْوَدُودُ

"الْوَدُودُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "وَدَّ" ، الذي يعني أحَبَّ ، وتمنى القربَ مِنْ شخصٍ ، وتواصلَ معَهُ لجلبِ المحبةِ والتعبيرِ عنها. كما يعني رَغِبَ في شيءٍ ، أو تمنى حدوثَهُ لشخصٍ أو جماعةٍ ما. [90]

وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْوَدُودَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، المحبُّ لخلقِهِ ، الرؤوفُ بهِم ، المُحسنُ إليهِم. وعلى الأخصِّ ، فهوَ محبٌ لعبادِهِ المؤمنينَ ، كما أعلنَ في كتابِهِ الكريمِ. فهوَ يحبُّ المحسنينَ ، والتوابينَ والمتطهرينَ ، والمتقينَ ، والصابرين ، والمتوكلينَ ، والمقسطينَ ، و "الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ." [91]

ومن حبِّه ، تباركَ وتعالى ، لعبادِهِ أنهُ وعدَ المؤمنينَ الصالحين منهم بأنْ يجعلَ لهم وُدَّاً ، أي محبةً ومودة في القلوبِ ، وأنهُ جعلَ بينَ الأزواجِ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ، كما قالَ في كتابِهِ الكريم:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (مَرْيَمُ ، 19: 96).

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الرُّومُ ، 30: 21).

وقد روى أبو هريرةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "إنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال : إني أُحِبُّ فلانًا فأَحبَّه ، فيُحبُّهُ جبريلُ ، ثم ينادي في السماءِ فيقولُ : إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ فلانًا فأَحِبُّوهُ ، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ ، ثم يُوضَعُ لهُ القَبولُ في الأرضِ." [92]

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ شديدُ البطشِ بالكافرينَ ، ولكنهُ غفورٌ ودودٌ للمؤمنينَ. وهوَ الذي بدأ الخلقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ، وهوَ ذو العرشِ ، المجيدُ ، الذي يفعلُ ما يريدُ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً أُخْرَى في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ في سياقِ تحذيرِ شعيبٍ ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بعقابِ ربِّهم إنْ لمْ يتوقفوا عنِ الغشِّ في معاملاتِهم التجاريةِ (هود ، 11: 84-85) ، وأنْ يستغفروا ربَّهم ويتوبوا إليهِ ، فهوَ رحيمٌ ودودٌ (هُودُ ، 11: 90).

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾‏ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ (البروج ، 85: 12-16).

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (هُودُ ، 11: 90).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْوَدُودُ" ، أنزلْ محبتي في قلوبِ مَنْ أحبُّ ، مِنْ أهلي وأقاربي والمؤمنينَ ، وأدِمْ الوصلَ بيني وبينهم بالخيرِ ، طاعةً لكَ ، وسعياً لما يرضيكَ.

ولا يَصِحُّ أنْ يتسمى مخلوقٌ باسمِ "الْوَدُودِ" ، مُعَرَّفَاً ، لأنهُ يعبِّرُ عن صفاتٍ فريدةٍ للهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لا توجدُ في أيٍّ مِنْ مخلوقاتِهِ. فهوَ وَحْدَهُ المحبُّ لخلقِهِ ، الرؤوفُ بهِم ، المُحسنُ إليهِم جميعاً ، وعلى الأخصِّ لعبادِهِ المؤمنينَ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْوَدُودِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، تباركَ وتعالى. ولا مانعَ من مديحِ المؤمنِ بوصفهِ بأنهُ "وَدُودٌ" ، تزكيةً لهذهِ الصفةِ الجميلةِ النافعةِ.

والمؤمنُ "الْوَدُودُ" هوَ الذي يسعى جاهداً في إظهارِ حبِّهِ لأفرادِ أسرتِهِ وأقاربِهِ والمؤمنينَ كافةً ، وذلكَ بالتراحُمِ والتعاطفِ معهم ، وأن يُحبَّ للناسِ ما يحبُّ لنفسِهِ ، كما أوصانا بذلكَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

فعن النعمان بن بشير ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ ، مثلُ الجسَدِ ، إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ ، تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى." 

وعن يزيد بن أسد ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قالَ: "أحِبَّ للنّاسِ ما تُحِبُّ لِنفسِكَ." [93]

77. الْحَمِيدُ

"الْحَمِيدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "حَمَدَ" ، الذي يعني شَكَرَ شخصاً وأثنى عليهِ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْحَمِيدَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ أهلٌ لِشُكْرٍ عبادِهِ لهُ وثناِئِهِم عليهِ ، لِنَعَمِهِ التي لا تُحصى ، والتي أسبَغَها عليهِم. فهوَ الذي خلقَ الكونَ ، بما فيهِ مِنْ سماواتٍ وأرضينَ ، ووهبَ الحياةَ لمخلوقاتِهِ ، وقدَّرَ لها أقواتَها ، وهيأ لها مصادرَ أرزاقهَا في الحياةِ الدُّنيا ، وفي الآخِرَةِ. فهوَ وحدَهُ المحمودُ بحقٍ ، الذي يستحقُّ مِنْ عبادِهِ الْحَمْدَ والشُّكْرَ والثَّناءَ عليهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عشرَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ وحدَهُ مَعَ ذكرِ النعيمِ المقيمِ في الآخِرَةِ للذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ في الحياةِ الدُّنيا ، وهداهمُ اللهُ إلى الطَّيبِ مِنَ القولِ ، وإلى صراطِهِ المستقيمِ ، فاستحق ، عزَّ وجلَّ ، منهم الْحَمْدَ والثناءَ (الْحَجُّ ، 22: 23-24). وجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، هوَ الْوَلِيُّ ، مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، بأنهُ يُنَزِّلُ الغيثَ ، وينشرُ رحمتَهُ على عبادِهِ ، لأنهُ هوَ وليُّهُم ، المستحِقُّ لحمدِهِم وشكرِهِم لهُ (الشُّورَى ، 42: 28). وجاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ معَ أسمٍ ثالِثٍ ، هوَ الْعَزِيزُ ، مَعً ذكرِ أفضالِ اللهِ على عبادِهِ ، بأنْ أنزل القرآنَ الكريمَ على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، ليخرِجَهُم مِنَ الظلُماتِ إلى النورِ ، فاستحقَ أنْ يُحمَدَ ويُعترَفَ لهُ بالعزَّةِ (إبْرَاهِيم ُ، 14: 1). وذكرَ ، تباركَ وتعالى ، أنهُ باستطاعةِ أولي العلمِ بكتبهِ السابقةِ أن يروا بأنَّ هذا القرآنَ هوَ الحقُّ ، وأنهُ يهدي إلى صراطِ ربِّهِم ، الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (سَبَأُ ، 34: 6). وجاءَ اسمُ الْحَمِيدِ أيضاً في سياقِ ذكرِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لقصةِ أصحابِ الْأُخْدُودِ ، الذينَ عُذبوا وقُتلوا لا لشيءٍ إلَّا لإيمانِهِم بالْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (الْبُرُوجُ ، 85: 8).

وجاءَ اسمُ "الْحَمِيدِ" خمسَ مرَّاتٍ مقترناً معَ اسمٍ رابعٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "الْغَنِيُّ." فكانَ ذلكَ ضِمْنَ تذكيرِ اللهِ ، عزَّ وجلَّ ، لعبادِهِ بأنه هوَ الذي يُنَزِّلُ الماءَ مِنَ السماءِ ، رحمةً بهِم. فهوَ الْغَنِيُّ ، لأنهُ الذي خلقَ السماواتِ والأرضَ ، ولهُ كلُّ مَنْ فيهِنَّ. ولذلكَ ، فهوَ يستحقُّ منهم الحمدَ والشكرَ والثناءَ عليهِ (الْحَجُّ ، 22: 64 ؛ لُقْمَانُ ، 31: 26). وجاءَ في سياقِ تذكيرِ الناسِ بأنهُ هو الْغَنِيُّ ، وأنهم هُم الفقراءُ إليهِ ، مما يتوجبُ عليهِم حمدَهُ وشكرَهُ ، على ما آتاهم مِنْ نِعَمٍ (فَاطِرُ ، 35: 15) ، ومَعَ نهيهِ ، عزَّ وجلَّ ، عَنِ البخلِ والأمرِ بهِ ، وأنهُ لو بَخِلَ الناسُ أم لم يبخلوا ، فلن يُنقِصَ ذلكَ مِنْ مٌلكِهِ شيئاً ، لأنهُ هوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَدِيدُ ، 57: 19). فهنيئاُ لِمَنْ يرجو اللهَ واليومَ الآخِرَ. أمَّا أولئكَ الذينَ يتولَوْنَ عَنْ الإيمانِ بهِ ، فإنهُ لا يحتاجُهُم ، لأنهُ هوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْمُمْتَحِنَةُ ، 60: 6).  

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ (الْحَجُّ ، 22: 24).

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (الشُّورَى ، 42: 28).

الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبرَاهِيمُ ، 14: 1).

لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (الْحَجُّ ، 22: 64).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ سَبْعَ مَرَّاتٍ في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ. فجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "هوَ "مَّجِيدٌ" ، مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، لِرَدِّ الملائكةِ على زوجةِ إبراهيمَ ، عليهِما السلامُ ، التي عبَّرَتْ عَن استغرابِها للبشارَةِ لها بالِحَمْلِ في تلكَ السِّنِّ المتأخرةِ مِنْ عُمُرِها. فقالوا لها ألَّا تعجبَ مِنْ أمرِ اللهِ ، بَلْ تشكرَهُ على ذلكَ ، فهوَ أهلُ الحمدِ والتمجيدِ (هُودُ ، 11: 73). وجاءَ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً معَ اسمٍ ثانٍ مِنْ أسمائِهِ الحُسنى ، "هوَ "حَكِيمُ" ، مَعَ ذِكْرِهِ ، سبحانهُ وتعالى ، أنَّ القرآنَ الكريمَ حقٌ وصدقٌ ، لم يَدْخُلْهُ الباطلُ أثناءَ التنزيلِ ، ولنْ يَدْخُلَهُ في مستقبلِ الزمانِ ، لأنهُ مِنْ عندِ اللهِ الحكيمِ ، المستحِقِ لحمدِ عبادِهِ وثنائِهِم عليهِ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

كما جاءَ خَمْسَ مَرَّاتٍ مَعَ اسمٍ ثالثٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، هو "غَنِيُّ" ، في مَعْرِضِ تحذيرِ موسى ، عليهِ السلامُ ، لقومِهِ بأنهم إنْ كفروا بربِّهِم ، هم ومَنْ في الأرضِ جميعاً ، فإنهُ غَنِيٌّ عنهم. وهوَ أهلٌ للحمدِ والثناءِ عليهِ ، لِما تفضلَ عليهِم مِنْ نِعَمٍ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8). وجاءَ في سياقِ أمرِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للمؤمنينَ بأنْ يُنفقوا مِنْ طيباتِ أموالِهم ، وليس مِنَ المَعيبِ أو الخبيثِ منها. فإنْ لم يفعلوا ، فإنهُ يُذَكِّرُهُم بأنهُ غنيٌّ عنهم ، وأنهُ أهلٌ للحمدِ على نِعَمِهِ التي أسبغها عليهِم (الْبَقَرَةُ ، 2: 267). كما جاءَ مَعَ توصيةِ أهلِ الكتابِ بالتقوى ، وإنهم إنْ كفروا بربِّهِم ، فهوَ في غنىً عنهم ، لأنَّ لهُ ما في السماواتِ والأرضِ ، وهوّ أهلٌ للحمدِ والشكرِ على نِعَمِهِ (النِّسَاءُ ، 4: 131). كما جاءَ في الإشارةِ إلى فضلِ اللهِ على لقمانَ ، بأنْ آتاهُ الحكمةَ. فإنْ شكرَ ربَّهُ على ذلكَ ، فهوَ المستفيدُ. أما مَن كفرَ ، فإنَّ اللهَ غنيٌ حميد (لُقْمَانُ ، 31: 12). وجاءَ معَ التذكيرِ بأنَّ اللهً ، تباركَ وتعالى ، أرسلَ الرسلَ لهدايةِ البشريةِ ، فاستحقَ مِنَ الناسِ أنْ يشكروهُ على ذلكَ. لكنَّ كثيراً منهم كفروا برسلِهِ وبالبيناتِ التي أتوا بها ، فاستحقوا عذابَ الدُّنيا والأخِرَةِ (التَّغَابُنُ ، 64: 6).  

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (هُودُ ، 11: 73).

لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فُصِّلَتْ ، 41: 42).

وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 8).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْحَمِيدُ" ، أحْمِدُكَ يا ربَّنا وأثني عليكَ ، لِما تفضلتَ بِهِ عليَّ مِنَ النِّعَمِ التي لا تُحصى. إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَ اسمُكَ.

والْحَمِيدُ الْمُطْلَقُ هوَ اللهُ ، تباركَ وتعالى. أمَّا العبادُ ، فلا يخلو أحدٌ منهم مِنْ نقصٍ أو مذمةٍ ، وإنْ كثُرَتْ محامدُهُ. وعلى ذلكَ ، لا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْحَمِيدَ" أو "حَمِيدَ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْحَمِيدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وقد هدى اللهُ المؤمنينَ إلى الإكثارِ مِنْ حَمْدِهِ ، وذلكَ مِنْ خلالِ تلاوةِ الفاتحةِ في كلِّ صلاةٍ ، أي بقولِ: "الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ" ، مباشرةً بعدَ البسملةِ . كذلكَ عندَ الاعتدالِ ، بعدَ الركوعِ ، بقولِ: "سمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" ، و "ربَّنا لكَ الحمدُ." فيسمعُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، حَمْدَ عبدِهِ لهُ ، فيقولُ: "حَمِدَنِي عَبْدِي" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [94]

وعلى المؤمنِ أنْ يُكثِرَ مِنَ الحَمْدِ للهِ ، والشكرِ لهُ ، والثناءِ عليهِ في كلِّ حالٍ. ومِنْ ذلكَ ، الإكثارُ مِنَ الطاعاتِ وصالحِ الأعمالِ ، تأسياً بالنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي قامَ للصلاةِ في الليلِ حتى تَوَرَّمَتْ قدماهُ ، فسألتهُ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ ، رضي اللهُ عنها ، عِنْ سببِ ذلكَ ، معَ أنَّ اللهَ قد غفرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّرَ. فأجابها: "أفلا أَكونُ عَبدًا شَكورًا." [95]

78. الْمَجِيدُ

"الْمَجِيدُ" اسمُ صفةٍ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "مَجُدَ" ، الذي يعني نَبُلَ وشَرُفَ وعَزَّ وارْتَفَعَتْ مكانتَهُ. كما أنهُ مشتقٌ منَ الفعلِ "مَجَّدَ" ، الذي يعني عَظَّمَ ، وأثنى على ، وأطرى ، وفخَّمَ. وكأحدِ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنَّ "الْمَجِيدَ" يعني أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، هوَ الأعلى نُبلاً وشرفاً وعزَّةً ومكانةً في مَلَكوتِهِ ، وهوَ أهلٌ للثناءِ والإطراءِ والتعظيمِ والتفخيم ، لذاتِهِ ، وكمالِ صفاتِهِ ، وكثرةِ أفعالِهِ الخيِّرَةِ لمخلوقاتِهِ ، ومغفرَتِهِ لعبادِهِ ، وبطشهِ الشديدِ للكافرينَ بهِ.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً في القرآنِ الكريمِ مُعَرَّفَاُ. فجاءَ في سياقِ ذِكْرِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، بأنهُ شديدُ البطشِ بالكافرينَ ، ولكنهُ غفورٌ ودودٌ للمؤمنينَ. وهوَ الذي بدأ الخلقَ ثمَّ يُعِيدُهُ ، وهوَ ذو العرشِ ، الْمَجِيدُ ، الذي يفعلُ ما يريدُ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾‏ (الْبُرُوجُ ، 85: 12-16).

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ مَرَّةً وَاحِدَةً أيضاً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ ، أي "مَجِيدُ." فجاءَ معَ اسمٍ آخَرَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، "هوَ "حَمِيدٌ" ، وذلكَ مَعَ ذِكْرِهِ ، جلَّ وعلا ، لِرَدِّ الملائكةِ على زوجةِ إبراهيمَ ، عليهِما السلامُ ، التي عبَّرَتْ عَن استغرابِها للبشارَةِ لها بالِحَمْلِ في تلكَ السِّنِّ المتأخرةِ مِنْ عُمُرِها وعُمُر زوجِها. فقالوا لها ألَّا تعجبَ مِنْ أمرِ اللهِ ، بَلْ تشكرَهُ على ذلكَ ، فهوَ أهلٌ للحمدِ والتمجيدِ ‎ ‎(هُودُ ، 11: 71-73).

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴿٧١﴾‏ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٧٢﴾‏ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴿٧٣﴾ ( هُودُ ، 11: 71-73).

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الْمَجِيدُ" ، لكَ الحمدُ والتمجيدُ والثناءُ والإطراءُ والتعظيمُ والتفخيمُ ، لذاتِكَ ، وكمالِ صفاتِكَ ، وكثرةِ أفعالِكَ الخيِّرَةِ لمخلوقاتِكَ ، ومغفرَتِكَ لعبادِكَ ، ولِما تفضلتَ بِهِ عليَّ مِنَ النِّعَمِ التي لا تُحصى. إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

وعلى ذلكَ ، فلا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الْمَجِيدَ" أو "مَجِيدَ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ. ولكنْ يجوزُ للمخلوقِ أنْ يُسمى "عبدَ الْمَجِيدِ" ، اعترافاً بعبادتِهِ لخالقِهِ ، واحتفاءً وتقديراً لهذهِ الصفةِ العظيمةِ مِن صفاتِ اللهِ ، التي تعبِّرُ عن إلهيتهِ ، سبحانهُ وتعالى.

وعلى المؤمنِ أنْ يُكثِرَ مِنْ تمجيدِ اللهِ وحمدِهِ وتعظيمِهِ والثناءِ عليهِ في كلِّ حالٍ ، كما يفعلُ في تلاوةِ الفاتحةِ في كلِّ صلاةٍ ، فيسمعُ اللهُ ، تباركَ وتعالى ، حَمْدَ وثناءَ وتمجيدَ عبادِهِ لهُ ، فيجيبُهُم لما يسألوهُ مِنْ عونٍ وهدايةٍ. فإذا "قالَ العبدُ: مَالِكِ يِوْمِ الدِّينِ ، قَالَ الله: مَجَّدَنِي عَبْدِي" ، كما جاءَ في الحديثِ الشريفِ. [96]  

79. الشَّهِيدُ

"الشَّهِيدُ" اسمُ صفةٍ في صيغةِ مبالغةٍ ، مِنْ اسمٍ آخرَ ، هوَ "شَاهِدٌ" ، المشتقُ مِنَ الفعلِ "شَهِدَ" ، الذي يعني رَأى وسَمِعَ وعَايَنَ وأدركَ وحَضَرَ. وكاسمٍ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، فإنهُ يعني الذي لا يَغيبُ عَنْ عِلْمهِ شيءٌ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الحاضِرُ سمعاً وبصراً ومعاينةً وإدراكاً لِما يقولهُ ويفعلهُ خلقُهُ في الحياةِ الدنيا ، والذي سيخبرهم بذلكَ في يومِ الحساب.

وقد وَرَدَ هذا الاسمُ عِشْرِينَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ للهِ ، تباركَ وتعالى.  فجاءَ في سياقِ مسائلةِ أهلِ الكتابِ عنْ سببِ كفرِهِم بآياتِ اللهِ ، التي أنزلها على رسولِهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وأنهُ تباركَ وتعالى شهيدٌ على ما يعملونَ. وهوَ شهيدٌ على التزامِ الناسِ بتقسيمِ الميراثِ كما أمرَهم ، وعلى إرسالِ رسولِهِ للناسِ ، وعلى القرآنِ الكريمِ الذي أنزلَهُ عليهِ ، وعلى ما قالهُ المسيحُ ، عليهِ السلامُ ، للناسِ ، وعلى معاندةِ المشركينَ لرسولهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، وعلى إنكارِ الكافرينَ لرسالتِهِ ، وعلى أفعالِ اليهودِ والصابئينَ والنصارى والمجوسِ والمشركينَ ، وعلى آدابِ التعامُلِ معَ أمهاتِ المؤمنينَ ، وعلى أنَّ رسولَهُ لا يَسألُ الناسَ أجراً ، وعلى أنهُ سَيُرِي الناسَ آيَاتِهُ "فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" ، وعلى زعمِ الكافرينَ بأنَّ رسولَهُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، قد افترى الرسالةَ ، وعلى أنهُ "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" ، وعلى ما يعملُ الكافرونَ ، وعلى انتقامِ الكافرينَ مِنْ أصحابِ الأخدودِ لا لشيءٍ إلا لإيمانِهم بهِ ، سبحانهُ وتعالى. [97]

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 117).

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فُصِّلَتْ ، 41: 53).

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (الْفَتْحُ ، 48: 28).

كما وَرَدَ هذا الاسمُ سِتَّ عِشْرِةَ مَرَّةً في القرآنِ الكريمِ مُنَكَّرَاُ أيضاً ، أي "شَهِيدُ" ، في الإشارةِ لغيرِ اللهِ تباركَ وتعالى. فجاءَ في الإشارةِ إلى الرسولِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلمَ ، في شهادَتِهِ على المسلمينَ وعلى الرُّسِلِ ، وإلى رُسِلِ اللهِ ، وإلى شهيدينِ مِنَ الرجالِ ، وإلى شهيدٍ عند البيعِ ، وإلى المتباطئينَ في الخروجِ للقتالِ ، وإلى المسيحِ ، عليهِ السلامُ ، في شهادتِهِ على أهلِ الكتابِ في الحياةِ الدُّنيا ، وفي شهادتِهِ عليهم يومَ الحسابِ ، وإلى الملائكةِ ، وإلى الذين يستمعونَ لكلامِ اللهِ ويشهدوا لهُ بالربوبيةِ والوحدانيةِ ، وإلى الإنسانَ الكنودِ لربِّهِ ، الشهيدُ على نفسهِ بذلكَ ، وإلى أنَّ المشركينَ يعترفونَ في يومِ الحساب أنهُ ليسَ بينهم مَنْ هو شهيدٌ على صحةِ شركِهِم. [98]

ومِنْ تطبيقاتِ العلمِ بهذا الاسمِ مِنْ أسماءِ اللهِ الحُسنى ، الدُّعاءُ إليهِ ، تباركَ وتعالى ، بقولِ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ أَنْتَ الشَّهِيدُ" ، على كلِّ ما نقولُ وما نفعلُ. اللهمَ إني أسألُكَ الهدايةَ في الدُّنيا والثوابَ في الآخرةِ ، لا إلهً إلا أنتَ ، سبحانكَ ، وتقدسَتْ أسماؤكَ.

ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يُسَمَّى "الشَّهِيدُ" أو "شَهِيدُ" ، أي مُعَرَّفاً أو مُنَكَّراً ، فهوَ اسمُ صفةٍ للهِ وَحْدَهُ ، ولا يوجَدُ مِنْ بينِ الخلقِ مَنْ لا يَغيبُ عَنْ عِلْمهِ شيءٌ ، ومَنْ هوَ "عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ."